بالإضافة للتهديد الخارجي.. مخاوف إسرائيلية من التهديد الداخلي وانهيار الدولة

انقسام حاد في المجتمع الإسرائيلي بسبب سياسات الحكومة- جيتي
في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الخارجية لدولة الاحتلال مزيدا من التوتر وتبادل الاتهامات، حتى مع أقرب حلفائها، فإنها تشهد في ذاتها شواهد أكثر تأثيرا وخطورة، على اعتبار أن الحالة التي وصلت إليها اليوم ليس بالضرورة بسبب التهديدات الأمنية الخارجية، بل بسبب إخفاقها الداخلي الذاتي.

الكاتب في صحيفة يديعوت أحرونوت، آيال إيشيل، أكد أن "إسرائيل وصلت لهذه اللحظة لأنها ما زالت تروي لمواطنيها قصصًا خيالية بدلًا من مواجهة الواقع، بدليل أنه لسنوات، اختار العالم أن يصدق إيران، وأن يصدق الاتفاقيات والوعود والمفتشين والتصريحات، وفي كل مرة يبيعون الوهم نفسه، اتفاق آخر، قمة أخرى، وقف إطلاق نار آخر، التزام رسمي آخر، وفي كل مرة تحدثوا فيها عن تسوية تاريخية، اختراق، هدوء إقليمي، كانت إيران تكسب أثمن شيء بالنسبة لها، وهو الوقت".

وأضاف إيشيل في مقال ترجمته "عربي21" أن "الوقت بالنسبة لإيران منحها الفرصة لتصبح أقوى، ولتسليح نفسها، ولبناء قوتها، وتوسيع نفوذها عبر الوكلاء، وفروعها في لبنان وغزة واليمن وغيرها من بؤر التوتر في الشرق الأوسط، هذا هو جوهر المنهج الإيراني، ليس النصر بالقوة، بل بالصبر والتلاعب، والقدرة على جعل العالم يصدق ما يريد سماعه، وهذا هو عين الغرور الفارسي المنطلق من رؤية عميقة للعالم ترى إيران نفسها بموجبها قوة تاريخية وثقافية غير خاضعة للمساءلة أمام أحد".

وأكد إيشيل أنه "من هذا المنظور، لا يمثل الاتفاق الجاري من وجهة نظر إيران نهاية المطاف، بل وسيلة، ووقف إطلاق النار ليس حلاً، بل فرصة، والمفاوضات ليست تنازلات، بل أداة لكسب الوقت، هذه عقيدة متكاملة لم يجرؤ أحد في العالم على تطبيقها بعد، لأن هناك خوفًا يدفع الدول، خوفًا يمنع القوى من التعامل مع المشكلة العالمية المسماة إيران، ولهذا السبب يجد العالم صعوبة متكررة في فهمها، لأنه يفكر بمنطق حل النزاعات، بينما تفكر هي بمنطق صراع طويل الأمد".


واستدرك بالقول إنه "قبل أن يوجه الاسرائيليون أصابع الاتهام إلى طهران، يجب أن ينظرون في مرآتهم هم، فإذا وقع العالم في الفخ الإيراني مرارًا وتكرارًا، فإن إسرائيل وقعت في فخها الخاص، وانهارت على المرآة، وحطّمتها إلى أشلاء، لأنها باعت الأوهام لمواطنيها سنوات طويلة، قالت لهم إن كل شيء تحت السيطرة، وإن الردع قوي، وإن الحدود آمنة، وإن الاستخبارات على علم بالأمر، وإن الجيش على أهبة الاستعداد، ثم جاء السابع من أكتوبر، وفي غضون ساعات قليلة انهار كل شيء".

وأوضح أن "ما حصل يوم السابع من أكتوبر لم يسفر عن تصدّع، أو اهتزاز، بل انهار كل شيء عندما انهارت معه ثقة الجمهور في النظام السياسي والأمني بأكمله، لم تتصدع المرآة، بل تحطمت، لأنه كشف أن إسرائيل دولة تعيش على الأكاذيب، والنتيجة أن أعظم مأساة لها ليست كارثة السابع من أكتوبر فحسب، بل المأساة أنها، حتى بعد ذلك، ما زالت تحاول إدارة الواقع باستخدام الأدوات نفسها التي أوصلتها إليه، من خلال اختلاق المزيد من التفسيرات، والأعذار، والتسريبات، والتضليل، والصراعات الأنانية، والحروب الداخلية".

وأشار إيشيل إلى أن "ثلاث سنوات مرت تقريبًا، وحتى اليوم، ينتظر الإسرائيليون إجابات واضحة، ولا تزال هناك أسئلة كثيرة بلا إجابة، ويبدو أن هناك من لا يزال يعتقد بإمكانية إخفاء حجم الفشل عبر العلاقات العامة، لكن الشظايا لا تختفي، والحقيقة لا تختفي، والألم لا يزول، والغضب الشعبي لم يختفِ، بل يتزايد ويتراكم، وفيما تكذب إيران على العالم لتحقيق أهدافها، فإن إسرائيل تكذب على نفسها لتجنب المحاسبة، وفيما تستغل إيران الوقت لبناء قوتها، تستغله إسرائيل لتأجيل المسؤولية".

 وأكد أنه "في كلتا الحالتين، النتيجة واحدة وتتمثل برفض الحقيقة، والهروب من الواقع، وإضاعة الوقت، لأن إسرائيل اليوم دولة منهكة وجريحة، عاشت لسنوات في خضم الحرب والخسارة والفجيعة والانقسام والتآكل، ومجتمعها ينهار من الداخل، وأصبح الخطاب العام أكثر عنفًا، وانخفضت الثقة في مؤسسات الدولة لأدنى مستوياتها على الإطلاق، وأصبحت السياسة ساحة للبقاء الشخصي، وقبل كل شيء هناك آلة تضليل ضخمة تحوم في الأجواء، مهمتها حرف النقاش عن السؤال الجوهري حول عمن فشل".

 وأضاف إيشيل أن "النقاش الإسرائيلي الداخلي تجاوز كونه صراعًا بين اليمين واليسار، ولم يعد نقاشًا سياسيًا، بل صراع بين الحقيقة والكذب، المسؤولية والتهرب، القيادة والبقاء، والاسرائيليون لا يمكنهم الاستمرار على هذا المنوال، لا عام آخر، ولا شهر آخر، ولا يوم آخر، لا يمكن لدولة أن تدوم طويلًا حين تتحطم الثقة بين الجمهور وقادته، حين تصبح المسؤولية كلمةً مُشينة، وحين تصبح الحقيقة عدوًا".

وأوضح أنه "إذا كانت إيران تهديدا خارجيا، فإن الكذب والتهرب وانعدام المسؤولية تهديد داخلي، وأحيانًا يكون أشد خطورة، ففي مواجهة الخارج، تستطيع إسرائيل أن تقاتل، أما في مواجهة كذبتها الداخلية فإنها تنهار، واليوم، وبعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات على أحداث السابع من أكتوبر، يبدو أن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كانت المرآة قد تحطمت، السؤال عن مدى امتلاك الاسرائيليين الشجاعة لجمع شظاياها، والنظر إليها دون خوف، وقول الحقيقة كما هي، لأن المرآة تحطمت في إسرائيل إلى قطع، وتناثرت شظاياها في كل بيت تقريباً".

تكشف هذه القراءة الإسرائيلية المحبطة أن تبعات السابع من أكتوبر ما زالت تطرق أبواب الاسرائيليين جميعا، وتشعرهم بالخطر الذي يداهمهم، داخليا وخارجيا، لاسيما بالتزامن مع تهرب قادتهم من المسئولية، وعدم اعترافهم بالفشل في منع ما حصل.