نشر موقع "المركز الروسي الإستراتيجي للثقافات"
تقريراً تحدث فيه عن التحولات السياسية والدبلوماسية في العلاقات الأرمينية – التركية، في ظل توازنات إقليمية ودولية متغيرة.
وقال الموقع، في تقريره الذي ترجمته "عربي21"، إنه في حين يحتفل حزب "العقد المدني" الحاكم في
أرمينيا بفوزه في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في السابع من حزيران/ يونيو، تشكك قوى المعارضة في النتائج، مستندةً إلى ما تعتبره مخالفات واسعة، وتستعد للطعن فيها أمام المحكمة الدستورية.
ونقل الموقع عن زعيم حزب "أرمينيا القوية"، سامفيل كارابيتيان، أن المعارضة تقدمت بشكوى إلى اللجنة المركزية للانتخابات، على أن تتجه لاحقاً إلى المحكمة الدستورية بطلبين رئيسيين: إلغاء نتائج الاقتراع والدعوة إلى جولة ثانية. وأضاف في لهجة تصعيدية: "إذا كان
باشينيان واثقاً من انتصاره، فلنذهب إلى جولة ثانية لنعرف مَن الفائز الحقيقي".
واعتبر كارابيتيان أن العملية الانتخابية "فشلت بالكامل وشابتها عمليات تزوير". كما شدد على أن الهدف الأول للمعارضة يتمثل في "إزاحة باشينيان" سواء عبر البرلمان أو من خلال تحركات شعبية في الشارع، في ظل غياب قيادة موحدة واضحة للمعارضة.
والجدير بالذكر أن الطعن في نتائج الانتخابات من قِبل قوى المعارضة، سواء في الاستحقاقات الرئاسية سابقاً أو البرلمانية بعد إصلاحات عام 2016، يُعدّ سمة مألوفة في المشهد السياسي الأرميني منذ مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي.
غير أن الجديد في هذه الجولة لا يقتصر على الجدل الداخلي فحسب، بل يمتد إلى مستوى إقليمي لافت، تمثّل في رسالة التهنئة التي وجّهها الرئيس التركي رجب طيب
أردوغان إلى رئيس الوزراء نيكول باشينيان؛ فقد أعرب أردوغان عن ثقته بأن "الرؤية الإستراتيجية الرامية إلى ترسيخ سلام واستقرار طويل الأمد في المنطقة، وتعزيز مسارات التعاون الإقليمي، ستُترجم إلى نتائج ناجحة وملموسة".
وتمنى الرئيس التركي لباشينيان الصحة والعافية، وللجمهورية الأرمينية مزيداً من الازدهار والاستقرار، في إشارة تعكس تحولاً في نبرة الخطاب وتزايد أهمية البعد الإقليمي في قراءة المشهد الأرميني الراهن.
وأورد الموقع أنه بصرف النظر عن النتائج النهائية للانتخابات، فإن حزب "العقد المدني" لم يبلغ عتبة الثلثين الضرورية لتمرير استفتاء دستوري يفتح الباب أمام تعديل دستور البلاد. وفي المقابل، تلمس أذربيجان موقفاً واضحاً مفاده أن أي اتفاق سلام نهائي يمرّ حتماً عبر تعديل الدستور الأرميني، بوصفه شرطاً مسبقاً للتوقيع على تسوية شاملة. ولا تبتعد
تركيا عن هذا الطرح، إذ تربط بدورها مسار إبرام اتفاق السلام بين باكو ويريفان بعملية تطبيع كاملة للعلاقات مع أرمينيا، بما في ذلك إعادة فتح الحدود المغلقة منذ سنة 1993.
وخلال اجتماع حديث مع نظرائه من أذربيجان وجورجيا في إسطنبول، أعرب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن دعم بلاده لمسار المفاوضات الجارية بين باكو ويريفان، مؤكداً الأمل في التوصل إلى اتفاق سلام في أقرب وقت ممكن.
وشهد مطلع حزيران/ يونيو خطوة رمزية ذات دلالة، عندما عبر وفد من رجال الأعمال الأرمن معبر "مارغارا" باتجاه مدينة قارص التركية للمشاركة في لقاء مع نظرائهم الأتراك، في أول زيارة من نوعها منذ 33 عاماً.
وفي ظل استمرار شبه انعدام حركة العبور عبر الحدود البرية، باستثناء زيارات رسمية محدودة مرتبطة بمتابعة مشاريع البنية التحتية، تتداول بعض التقديرات غير الرسمية احتمال فتح جزئي للحدود في شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، بما في ذلك السماح بحركة سياحية، وهو ما قد يشكل أولى الخطوات التدريجية ضمن مسار تطبيع العلاقات الذي انطلق في شباط/ فبراير 2022 بين أنقرة ويريفان.
وأورد الموقع أن تطورات أخرى لافتة برزت من بينها الإعلان عن إتاحة وصول المنتجين الأرمن إلى خط السكك الحديدية "باكو – آخالكالاكي – قارص"، فضلاً عن إمكانية إدراج أرمينيا كمستورد نهائي للصادرات التركية. وقد قُرئت هذه الخطوات باعتبارها مؤشرات دعم غير مباشر لرئيس الوزراء نيكول باشينيان ولـ"الأجندة السلمية" التي يروّج لها قبيل انتخابات السابع من حزيران/ يونيو.
غير أن هذه التحولات تثير جدلاً داخلياً واسعاً في أرمينيا، حيث ينظر جزء من الرأي العام بقلق إلى احتمال فتح الحدود مع تركيا، خشية انعكاس ذلك على سبل عيش المزارعين المحليين وتعريضهم لمنافسة يصعب مجاراتها.
وذكر الموقع أنه دون موافقة باكو، لن تتمكن تركيا من إقامة علاقات دبلوماسية مع أرمينيا أو الإقدام على فتح الحدود البرية بشكل كامل، وهو واقع تحكمه شبكة من الاعتماد المتبادل العميق في العلاقات الأذربيجانية – التركية، لا سيما في المجال الطاقوي؛ فخط أنابيب النفط الذي ينقل الجزء الأكبر من الخام الأذربيجاني إلى محطات التصدير على ساحل المتوسط التركي يدرّ، بحسب التقديرات، ما بين 70 و200 مليون دولار سنوياً كعائدات عبور.
كما أن خط أنابيب الغاز عبر الأناضول، الذي ينقل الغاز من غرب بحر قزوين إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، يحقق عوائد ترانزيت قد تصل إلى 400 مليون دولار سنوياً، إلى جانب دوره في تزويد السوق التركية بالغاز بأسعار تفضيلية، وتعزيز موقع أنقرة كمحور طاقوي يربط بين أوروبا وآسيا.
وأفاد الموقع بأن مسار الانفتاح التدريجي وتخفيف القيود بين الجانبين يدفع الأتراك والأرمن إلى تعزيز العلاقات بعد عقود طويلة من القطيعة والشكوك المتبادلة، ويجري ذلك رغم استمرار الجدل حول أحداث عام 1915، التي تُعرف لدى الأرمن بالإبادة الجماعية.
ويرى معارضو نيكول باشينيان أن هذه الذاكرة التاريخية قد تتعرض لمزيد من التهميش إذا نجح مشروع "الجمهورية الرابعة" الذي يطرحه رئيس الوزراء الأرميني بدعم من شركائه الغربيين. وفي المقابل، تواصل أنقرة رفض توصيف تلك الأحداث كإبادة ممنهجة، مؤكدة أن الضحايا من مختلف قوميات الدولة العثمانية لقوا حتفهم نتيجة ظروف الحرب وما رافقها من مجاعة وأوبئة وصراعات أهلية.
وفي هذا السياق، اكتسب اللقاء الأخير بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والبطريرك الأرميني ساهاك ماشاليان في تركيا أهمية تتجاوز أبعاده البروتوكولية المعتادة؛ فبحسب الرواية الرسمية، تناول الاجتماع شؤون الجالية الأرمينية وأوضاعها، فيما أعرب البطريرك عن تقديره للاهتمام الذي توليه الدولة التركية لقضايا أبناء الطائفة.
وبالنسبة للبطريركية الأرمينية، لا يقتصر الأمر على لقاء بروتوكولي عابر، بل يمثل خطوة ذات دلالة رمزية وسياسية مهمة؛ فالبطريرك ساهاك ماشاليان حصل عملياً على تأكيد بأن أبواب أعلى هرم السلطة في تركيا لا تزال مفتوحة أمامه، وهو امتياز يكتسب أهمية خاصة في ظل طبيعة النظام السياسي القائم.
فمن خلال قنوات التواصل المباشر مع القصر الرئاسي في أنقرة، يصبح بالإمكان طرح ملفات حساسة تتعلق بالكنائس والأوقاف والمدارس والمستشفيات وإدارة شؤون الجالية الأرمينية، فضلاً عن مشاريع ترميم المواقع الدينية والتاريخية.
وبيّن الموقع أن رجب طيب أردوغان يحقق بدوره مكاسب سياسية ورمزية من هذا النوع من اللقاءات؛ فمن خلال إظهار التواصل مع ممثلي الأقليات الدينية والتاريخية، تقدم أنقرة نفسها أمام المجتمع الدولي بوصفها نموذجاً للتعددية والتسامح الثقافي والديني.
في الوقت نفسه، يبعث أردوغان برسالة واضحة إلى الداخل التركي مفادها أن الدولة هي الجهة التي ترسم ملامح المشهد الديني وتحدد قواعده وحدوده؛ فالإسلام السني، عبر رئاسة الشؤون الدينية، لا يزال يشكل الركيزة الدينية الأساسية للدولة، بينما يُفسح المجال أمام الأقليات المسيحية واليهودية للحفاظ على حضورها ومؤسساتها، شريطة العمل ضمن الأطر التي تضعها أنقرة ومن خلال القنوات الرسمية المرتبطة بالمؤسسة الرئاسية.
ومن خلال استقباله البطريرك الأرميني، يؤكد أردوغان كذلك أن أنقرة لا تنوي ترك "الملف الأرميني" رهينة للضغوط أو السرديات التي تروج لها جماعات الضغط في الولايات المتحدة وأوروبا، بل تسعى إلى إدارته بنفسها وفق رؤيتها ومصالحها الاستراتيجية.
أما في أرمينيا، فيبدو أن مشروع "الجمهورية الرابعة" الذي يتبناه نيكول باشينيان ينطلق من مقاربة مختلفة تقوم على فصل الدولة عن إرث الصراعات التاريخية وإبعاد القضايا المرتبطة بالماضي عن أولويات السياسة الراهنة، بما في ذلك تقليص دور الخطاب الذي تتبناه دوائر واسعة من الشتات الأرميني في ما يتعلق بالذاكرة التاريخية.
وفي هذا السياق، أثار باشينيان جدلاً واسعاً عندما طرح، في رسالته بمناسبة الذكرى السنوية لأحداث 1915، قراءة تعتبر أن المأساة جاءت في سياق تداخلات وصراعات دولية امتدت منذ منتصف القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها خلال الحرب العالمية الأولى. كما شدد على أن ضمان عدم تكرار المآسي التاريخية يقتضي التمسك بالدولة الأرمينية ضمن حدودها المعترف بها دولياً، محذراً من أن الدعوات الرامية إلى استعادة الأراضي المفقودة أو إعادة رسم الحدود التاريخية قد تقود البلاد إلى مسارات محفوفة بالمخاطر تهدد استقرارها ومستقبلها.
وفي ختام التقرير، نوّه الموقع بأن عملية التطبيع بين أرمينيا وتركيا باتت ممكنة أكثر من أي وقت مضى، لكنها تسير ضمن توازنات جديدة تتأثر بتراجع النفوذ الروسي في الساحة الأرمينية وتنامي الحضور التركي والإقليمي.