في ظرف استثنائي وواقع إنساني وخدماتي بالغ التعقيد والصعوبة فرضته حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع
غزة، تصر
السلطة الفلسطينية على إجراء أول انتخابات محلية منذ أكثر من 22 عاما في مدينة
دير البلح وسط قطاع غزة بالتزامن مع انتخابات الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تحمل دلالات وأهداف سياسية.
وتتنافس 4 قوائم انتخابية في الانتخابات التي ستجرى فقط في مدينة دير البلح السبت 25 نيسان/أبريل الحالي، بالتزامن مع انتخابات تشمل 420 هيئة محلية في الضفة الغربية المحتلة.
وسجلت هذه القوائم الأربعة المتنافسة كـ"مستقلين" وهي؛ قائمة رقم (1) "السلام والبناء" و(2) "دير البلح تجمعنا"، (3) "مستقبل دير البلح" و(4) "نهضة دير البلح"، وتضم كل قائمة انتخابية 15 مرشحا بينهم 4 سيدات كحد أدنى، يتم انتخاب رئيس البلدية من بينهم.
ودير البلح مثل باقي مدن القطاع، تعرضت لأضرار كبيرة لكنها الأقل من بين مدن القطاع المدمرة بفعل الحرب الإسرائيلية، حيث عانت كثيرا في توفير الخدمات الأساسية الإنسانية لسكانها الذين تزايد عددهم بسبب أفواج النازحين، ورغم تصنيف جيش
الاحتلال دير البلح كـ"منطقة آمنة"، لكنها أيضا دمر مقر بلديتها نهاية 2024 وقتل رئيس البلدية في حينه دياب الجرو وعددا من الموظفين خلال ممارستهم عملهم الإنساني في خدمة المواطنين.
انتخابات بعد انقطاع
وعن إجراء هذه الانتخابات في ظل الواقع المأساوي الذي يعصف بأكثر من 2.4 إنسان في القطاع، أوضح المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية في غزة، جميل الخالدي، أنه "منذ 22 عاما لم تجري انتخابات محلية أو تشريعية ولا رئاسية ولا مجلس وطني في قطاع غزة، وتأتي هذه الانتخابات المحلية المهمة في دير البلح بعد كل هذا الانقطاع وأيضا في ظل حرب إبادة مستمرة ضد شعبنا في القطاع".
ونوه في حديثه لـ"عربي21" أن "انتخابات دير البلح تتم بالتزامن مع انتخابات الضفة الغربية، وهذا مؤشر على ربط القطاع كاملا مع الضفة، كما يحمل هذا الربط رسالة ذات مغذ سياسي: أننا متمسكون بالديمقراطية وأساليب العمل الديمقراطي، علما أن اختيار تلك المدينة جاء لأنها الأقل ضررا جراء حرب الإبادة".
ورأى الخالدي، أن "دير البلح التي بها 70 ألف نسمة يحق لهم الانتخاب، وتضم أعداد كبيرة من النازحين، بحاجة لمجلس بلدي منتخب يقدم الخدمات للجميع، كما أن مجلس منتخب يعني قبول أكثر في الداخل والخارج لتجنيد الأموال اللازمة لتقديم الخدمات"، منوها أن "نجاح التجربة الانتخابية في الدير سيدفع نحو انتقالها لمناطق أخرى في القطاع".
وذكر أن "إجراء تلك الانتخابات في القطاع بعد هذه الحرب ولو على مستوى مدينة واحدة، هي رسالة للعالم الذي ترك غزة تذبح على مدار 3 سنوات، هذا العالم الذي يدعي الحضارة وحقوق الإنسان والحفاظ على الحريات والديمقراطية، تخلي عن كل هذه الشعارات ولم يستطع أن يغيث طفل رضيع يريد الغذاء أو الدواء".
وبحسب المدير الإقليمي، "هذه الانتخابات هي المخرج والحل لانتخاب الأجسام الشرعية في المؤسسات الفلسطينية المختلفة بما فيها مجالس البلدية"، منوها أنه لجنة الانتخابات (تابعة للسلطة الفلسطينية) اعتمدت 12 مركزا انتخابيا تشتمل على 11 محطة انتخابية، وسيتم فتح باب الاقتراع من الساعة السابعة صباحا وحتى الخامسة مساء.
هل تتكرر التجربة؟
وأعرب عن أمله بـ"نجاح تجربة الانتخابات في دير البلح وأن تكون هناك مشاركة عالية من قبل سكان المدينة، كي ينتخب مجلس بلدي جديد".
ونوه إلى وجود "الكثير من الصعوبات التي واجهت الاستعداد لتلك الانتخابات، وتم تذليلها بالتعاون مع الشركاء في العملية الانتخابية ومنهم محليين ودوليين، وتم تقديم الخدمات اللازمة فيما يتعلق بمراكز وأوراق الاقتراع وغير ذلك، لافتا أن "هناك جهد منسق بشكل جيد جدا بين اللجنة والشركاء ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والقوى السياسية في القطاع وتحديدا في دير البلح".
وعن ضبط العملية الانتخابية، قال الخالدي: "وعي المواطن ضروري في هذا الجانب، وجزء من المسؤولية يقع على عاتق القوائم الذين لديهم وكلاء، وبالتالي عليهم تحمل المسؤولية والتأكيد على عناصرهم بوجوب احترام القوانين والآداب والنظام العام خلال عملية الاقتراع".
وأفاد أن هناك "مراقبين محليين وأجانب ودورهم مراقبة سير العمل الانتخابي، كما أن الجانب الأمني يهتم به أطراف ذات علاقة تحرص على إتمام هذه العملية إضافة لدور الوجهاء والمخاتير"، منوها أن "القانون يتيح لمنظمات أجنبية ومؤسسات محلية الرقابة على الانتخابات، وعندنا اليوم ما لا يقل عن 15 هيئة رقابية تقوم بالرقابة على انتخابات دير البلح المحلية منها مؤسستين دوليتين والباقي مؤسسات محلية".
وشدد على أهمية إجراء الانتخابات المحلية في باقي مناطق قطاع غزة، مؤكدا أن "لجنة الانتخابات المركزية على استعداد تام وجهوزية لتنظيم عقد تلك الانتخابات سواء كانت محلية أو تشريعية أو حتى رئاسية ومجلس وطني".
وبشأن إعاقة الاحتلال دخول صناديق الاقتراع والأحبار وغيرها من لوازم العملية الانتخابية، بين الخالدي أن "الجهود ما زالت مستمرة لإدخال تلك المواد، وفي حال منع دخولها سنضطر لاستخدام بدائل أخرى، هي ليست بالجودة المناسبة ولكنها تؤدي الغرض".
العودة إلى القطاع
أما الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا، رأى أن "هذه الانتخابات الجزئية التي يجري الاستعداد لها، هي محاولة من السلطة الفلسطينية لإيجاد بوابة للعمل في القطاع، وهي أيضا ردا على
حماس والفصائل ورسالة للمجتمع الدولي، في الوقت الذي تعتقد السلطة أن هناك تجاهل لها ومحاولات لخلق أجسام بديلة في القطاع مثل اللجنة الإدارية".
ونبه في حديثه لـ"عربي21"، أن "المكان الأكثر ملائمة لإجراء الانتخابات على صعيد البنية التحتية والمجتمعي هي دير البلح، باعتبار أن جيش الاحتلال لم يجتاح المدينة بشكل مباشر، كما تأخذ السلطة في حساباتها أن دير البلح من المناطق التي لها حضور فيها وذلك عبر الدعم الجماهيري لحركة فتح".
وأوضح القرا، أن "السلطة تستخدم تلك الخطوة كورقة أن لها حضور شعبي، لكن الواقع يشير إلى أن الانتخابات ليست موضع اهتمام؛ لا شعبي ولا جماهيري ولا حتى فصائلي ولا حتى كمجتمع دولي، باعتبار أن ما جرى في غزة من إبادة جماعية أكبر بكثير، كما أن خطوة الذهاب إلى انتخابات تحتاج لوقت وترتيبات أكثر ومشاركة أوسع"، بحسب تقديره.
وذكر أن "السلطة تريد ربط هذه الانتخابات بانتخابات الضفة تحت اعتبار ما تعتبره قضية وطنية، وهي تريد أن تستخدمها كورقة قوة إذا ما نجح من يحسب على السلطة أو فتح، وتستخدمها كشرعية في وجه ما تعتبره مخططات إقصاء السلطة عن المشهد في القطاع، سواء اللجنة الإدارية أو المفاوضات غير المباشرة بين حماس والاحتلال والولايات المتحدة".
واستبعد الكاتب إمكانية الذهاب إلى انتخابات عامة أوسع في هذه المرحلة، لأن "الأمر صعب وليس سهلا، خاصة في ظل غياب الاهتمام الحقيقي والفعلي لذلك".
من جانبه، رأى الباحث في الشؤون السياسية منصور أبو كريم، ، أن "انتخابات دير البلح جاءت بهدف سياسي أكثر منه هدف عودة السلطة، وذلك بعد تداعيات السابع من أكتوبر وتشكيل ما يعرف بـ"مجلس السلام" وتولي إدارة محلية في القطاع".
ونوه في حديثه لـ"عربي21"، أن "هناك مخاوف من تعزيز حالة فصل الأطراف السياسية الفلسطينية، وبالتالي عقد هذه الانتخابات في دير البلح ارتباطا بما يجري بالضفة الغربية، يهدف إلى توحيد وإعادة ربط الجغرافيا السياسية الفلسطينية والتأكيد على أن قطاع غزة هو جزء من الولاية السياسية والقانونية للسلطة الفلسطينية".
وذكر أبو كريم، أن "إصرار السلطة على اتخاذ هذه الخطورة في ظل هذه الظروف والتحديات الكبيرة في القطاع، يأتي للتأكيد أيضا على وحدة الأراضي الفلسطينية تحت مظلة السلطة عبر مدخل انتخابات البلدية ".
وأضاف: "كما أن هناك أهداف أخرى تتمثل في إعطاء حالة من الأمل وتعزيز حالة المشاركة السياسية والمجتمعية والبدء بخطوات عملية لتعميم التجربة في حال نجاحها على كافة مناطق القطاع الذي يمر بحالة مأساوية".