في مشهد غير مألوف في قلب العاصمة
المغربية الرباط، اصطف مئات الصيادلة القادمين من مختلف أنحاء المملكة أمام مقر مجلس المنافسة في وقفة احتجاجية، تعبيراً عن رفضهم القاطع لتوصيات يعتبرونها مفصلية في مستقبل مهنتهم، ومهددة لتوازن منظومة صحية بأكملها.
المحتجون رفعوا شعارات يوم الخميس تعكس حجم القلق الذي يعتري القطاع الصيدلاني، من قبيل "الدواء ليس سلعة" و"
صحة المواطن خط أحمر"، في إشارة مباشرة إلى رفض تحويل الصيدلية من فضاء علاجي اجتماعي إلى وحدة استثمارية خاضعة لمنطق السوق.
الوقفة التي دعت إليها
كونفدرالية نقابات
صيادلة المغرب لم تأت من فراغ، بل في سياق تصاعدي بدأ منذ إعلان مجلس المنافسة عن توصياته المتعلقة بفتح رأسمال الصيدليات أمام مستثمرين من خارج المهنة خلال الشهر الماضي.
وهو ما فجر جدلاً متسارعاً داخل الأوساط المهنية، إذ وضعت الجميع بين ليلة وضحاها أمام سؤال مركزي مفاده "هل يمكن إصلاح اختلالات قطاع الدواء عبر إدخال منطق الاستثمار المالي، أم أن ذلك سيؤدي لتقويض جوهر الممارسة الصيدلية نفسها؟"
خوفٌ من "مول الشكارة/ صاحب رأس المال"
من بين الشعارات التي رفعها المشاركون في الوقفة وعلت بها أصواتهم: "الصيدلة ماشي للبيع"، و"يا أصحاب الشكارة (حقيبة الأموال) الصيدلة رسالة"، و"يا مجلس يا مسؤول.. رأيك ماشي (غير) معقول".
حيث أكدوا رفضهم القاطع لما يصفونه بـ"إدخال مستثمرين لا ينتمون للقطاع الصحي في تسيير قطاع ذي طبيعة خاصة"، وهذا الرفض لا ينبع فقط من مخاوف مهنية، بل من تصور أوسع لدور الصيدلي باعتباره عنصراً فاعلاً يتحمل مسؤولية أخلاقية وعلمية تجاه المريض، وليس مجرد وسيط تجاري يسعى لتحقيق الربح.
وبحسب المحتجّين أنفسهم، وعبر عدد من التصريحات، فإنّ: "إدخال رأس المال غير المهني قد يؤدي إلى إفراغ المهنة من مضمونها، وتحويل الصيدلي إلى مجرد منفّذ لقرارات تُتخذ خارج الصيدلية، بناءً على اعتبارات مالية قد لا تراعي بالضرورة مصلحة المريض".
من جهتها، اعتبرت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، عبر بلاغ لها، وصل "
عربي21" نسخة منه، أن ما يجري هو "مشروع رأسمالي متوحش" يهدف إلى إعادة تشكيل القطاع وفق منطق الاحتكار، حيث قد تهيمن سلاسل صيدلية كبرى على السوق، على حساب الصيدليات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للمنظومة الحالية.
مجلس المنافسة.. تشخيص رسمي يقابل برفض مهني. بينما يتمسّك مجلس المنافسة برؤيته التي يعتبرها قائمة على تشخيص لاختلالات بنيوية يعرفها قطاع توزيع الأدوية في المغرب، يرى أن النموذج الحالي، رغم طابعه "المُغلق"، لم يعد قادراً على ضمان الاستدامة المالية للفاعلين، وذلك في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية وتراجع هوامش الربح.
إلى ذلك، يدافع المجلس عن رأيه وفق العدد 6/25 الذي أصدره في آذار/ مارس الماضي، بفتح رأسمال الصيدليات بشكل تدريجي ومؤطر.
معتبراً أن هذه الخطوة من شأنها أن توفر سيولة مالية جديدة، وتدعم تحديث القطاع، وتسمح بإحداث سلاسل صيدلية قادرة على تحقيق اقتصاد الحجم، دون المساس -بحسب قوله- بالمسؤولية المهنية للصيدلي.
من جهته، أكد رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، خلال ندوة صحفية، أن الرأي الذي أصدرته المؤسسة يظل استشارياً وغير مُلزم للحكومة، والهدف منه هو فتح نقاش وطني بخصوص الإشكالات التي يعاني منها القطاع، وليس فرض توجّه معيّن.
وفي السياق نفسه، رصدت "
عربي21" أن هذا الخطاب لم ينجح في تهدئة مخاوف الصيادلة، ممن يرون أن مجرد طرح فكرة فتح الرأسمال يشكل خطوة أولى نحو تغيير قد يكون من الصعب التراجع عنه في وقت لاحق، خاصة إذا ما تم تبنيه ضمن سياسات عمومية مستقبلية.
أرقام تكشف الهشاشة.. نمو بلا أرباح
بعيداً عن الجدل القائم، تبرز الأرقام التي كشف عنها مجلس المنافسة عن واقع معقد يخفي هشاشة عميقة، ويؤكد أن قطاع الصيدليات في المغرب يعيش بالفعل على إيقاع ضغط اقتصادي متزايد، على الرغم من المؤشرات الظاهرية للنمو.
فعدد الصيدليات الذي يبلغ حوالي 14 ألفاً، يقابله عدد شبه مماثل من الصيادلة، ما يعكس انتشاراً واسعاً لهذه الخدمة الحيوية عبر أنحاء المملكة، لكنه في الوقت ذاته يخفي تفاوتات كبيرة في الأداء الاقتصادي.
وتشير المعطيات المتوفرة التي اطلعت عليها "
عربي21" إلى أن ما يناهز 4 آلاف صيدلية توجد على حافة الإفلاس، جراء تراكم الأعباء المالية وتراجع مردودية النشاط، وهو رقم يثير القلق بخصوص استدامة هذا النسيج المهني.
ورغم أن رقم معاملات الصيدليات قد ارتفع من حوالي 11.12 مليار درهم سنة 2016 إلى 13.53 مليار درهم سنة 2024، فإن هذا النمو لم ينعكس بشكل متناسب على الأرباح، إذ ظل الدخل المهني شبه مستقر، وهو ما أدّى إلى تراجع نسبة الربحية.
وهذا التناقض الذي كشفت عنه الأرقام الواردة عن مجلس المنافسة، بين نمو المبيعات وضعف العائد، يبيّن خللاً بنيوياً في النموذج الاقتصادي، حيث تلتهم التكاليف المتزايدة جزءاً كبيراً من الإيرادات، ما يجعل النشاط أقل جاذبية من الناحية المالية.
تكاليف ترتفع وهوامش تتآكل
بحسب المعطيات نفسها، التي اطّلعت عليها "
عربي21"، فإنّ الصورة تزداد تعقيداً عند النظر إلى سلسلة توزيع الأدوية بالجملة، التي تشكل حلقة أساسية في المنظومة، حيث يظهر أن هذا القطاع بدوره يعاني من هشاشة واضحة، رغم ارتفاع رقم معاملاته بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الرقم الذي كشف عنه المجلس قد انتقل من 9.68 مليارات درهم خلال سنة 2016 إلى 16.26 مليار درهم سنة 2024، غير أنّ هامش الربح الصافي ظل ضعيفاً للغاية، حيث لم يتجاوز 0.15 في المائة؛ ما يعكس عدم قدرة النموذج الحالي على تحقيق توازن مالي مستدام.
ويرجع ذلك أساساً إلى طبيعة نظام التعويض المعتمد، الذي يعتمد على هامش مرتبط بسعر الدواء، دون احتساب التكاليف الفعلية التي يتحملها الموزعون، مثل النقل والتخزين وإدارة المخزون.
ومع الارتفاع المتواصل لهذه التكاليف، التي زادت بنسبة 36 في المائة بين عامي 2020 و2024، بات هذا النظام غير قادر على مواكبة الواقع، مما يضع الفاعلين تحت ضغط مالي متزايد.
وبحسب التقرير نفسه؛ عند مقارنة النموذج المغربي بنماذج أوروبية، يبرز اختلاف واضح في طريقة تعويض الموزعين. إذ إنه في عدد من الدول مثل بلجيكا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال، يتم اعتماد نظام مزدوج يجمع بين هامش نسبي مرتبط بسعر الدواء وتعويض ثابت عن كل علبة يتم توزيعها.
بينما يقتصر التعويض في المغرب غالباً على هامش يتراوح بين 2 و11 في المائة من ثمن الدواء دون وجود مقابل ثابت لكل وحدة، وهو ما يزيد من هشاشة التوازن المالي للقطاع.
اختلالات هيكلية.. من المخزون إلى آجال الأداء
إلى جانب ضعف الهوامش، يواجه الموزعون، بحسب تقرير المجلس الذي اطلعت عليه "
عربي21"، تحديات أخرى مرتبطة بطبيعة التنظيم الحالي، بينها إلزامهم بالاحتفاظ بمخزون أمان يعادل شهراً من المبيعات.
وهو ما يؤدي إلى تجميد موارد مالية مهمة، خاصة في ظل طول مدة دوران المخزون التي تتجاوز شهرين. كما أن اختلال آجال الأداء، حيث يدفع الموزعون مستحقاتهم في 81 يوماً ويسترجعونها بعد 97 يوماً، يفاقم الضغط على السيولة.
في المقابل، تعاني الصيدليات نفسها من هشاشة مالية واضحة، إذ إن 90 في المائة منها لا يتجاوز رقم معاملاتها مليوني درهم سنوياً، مما يعكس كذلك محدودية قدرتها على مواجهة التكاليف المتزايدة، خاصة في ظل ضعف استهلاك الأدوية، الذي لا يتجاوز 640 درهماً (ما يناهز 70 دولاراً) للفرد سنوياً.
أيضاً، واحدة من أبرز الإشكالات التي سلط عليها مجلس المنافسة الضوء، تتعلق بعدم تكافؤ الفرص داخل السوق، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الأدوية باهظة الثمن (لعلاج الأمراض المزمنة والسرطان) التي تظل حكراً على عدد محدود من الصيدليات الكبرى.
والسبب هو، وفق ما يسمى بـ"عامل الثقة" بينها وبين الموزعين، هذا الوضع يخلق نوعاً من الإقصاء غير المعلن، إذ تجد آلاف الصيدليات الصغيرة والمتوسطة نفسها خارج هذا السوق المربح، ما يزيد من هشاشتها المالية ويعمق الفوارق داخل القطاع.
صراع الرؤى.. إلى أين يتجه القطاع؟
في عمق هذا الجدل القائم، يتجلى صراع واضح بين رؤيتين متناقضتين: الأولى يدافع عنها الصيادلة، وتقوم على فكرة "الصيدلية المواطِنة" التي تضع صحة المريض في صلب الاهتمام، وترفض إخضاع المهنة لمنطق الربح، والثانية يطرحها مجلس المنافسة، ويرى أنّ: "إدخال آليات السوق يمكن أن يكون مدخلاً لإصلاح الاختلالات وتحقيق الاستدامة المالية".
في ظل هذا التوتر المتصاعد، يبدو أن قطاع الصيدلة في المغرب يقف عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع الرهانات الصحية، وتتداخل الاعتبارات المهنية مع السياسات العمومية.
وفيما يواصل الصيادلة تصعيدهم دفاعاً عن نموذجهم، يتمسك مجلس المنافسة برؤيته، ما يجعل إمكانية الوصول إلى حل توافقي أمراً معقداً، لكن ما يبدو مؤكداً هو أن هذا النقاش لم يبقَ حبيس المؤسسات، بل تحوّل إلى قضية رأي عام، خاصة في ظل ارتباطه المباشر بصحة المواطنين.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن إعادة توازن قطاع الدواء دون المساس بجوهره الصحي، أم أن منطق السوق سيجد طريقه في النهاية إلى واحد من آخر "القطاعات المغلقة" في المغرب؟