ركود يطفئ بهجة الأسواق.. كيف غير الغلاء طقوس المصريين قبل رمضان؟

تكلفة سحور وإفطار أسرة فقيرة قد تتجاوز 18 ألف جنيه شهريا- عربي21
يتقرب المصريون أياما قليلة على حلول شهر رمضان في 19 شباط/فبراير الجاري، ورغم انتشار بضائع الشهر الكريم في شوارع جميع المدن والقرى المصرية وتقديم عروض أسعار وافتتاح الكثير من "الشوادر" بأسعار أقل من "السوبر ماركت" والأسواق الكبرى، يشكو التجار من الركود وضعف الإقبال، مشيرين للعديد من الأسباب.


بعض التجار الذين تحدثت معهم "عربي21"، في أسواق كانت تعج بالمشترين في مثل هذا التوقيت من العام، أكدوا أن "هناك حالة حادة من الركود تسبق الشهر الكريم"، فسرها البعض بوجود "ارتفاع في الأسعار عن العام الماضي رغم انخفاض سعر الدولار مقابل الجنيه (نحو 47 جنيها)، مع ضعف القوة الشرائية للجنيه، بجانب ضغوط متزامنة على المستهلك، وتوجه البعض لتأجيل قرار الشراء للأيام الأخيرة من شعبان".
 

الترم الثاني.. وضغوط الأولويات

أول التجار المتحدثين لـ"عربي21"، تاجر جملة لأغلب مستلزمات رمضان، أكد أولا أن "الأسعار زادت عن أسعار العام الماضي بنسب يصعب تحديدها لكل سلعة منفردة، إلى جانب دخول الترم الثاني (الفصل الدراسي الثاني) بالمدراس وما يتبعه من مستلزمات وتكلفة مالية تمثل عبئا على الأسر جعلت قرار الشراء مؤجلا، ولو جاء فسيأتي متأخرا، ولو تم سيكون بأقل من المعدل الذي كان عليه العام الماضي".

وأوضح أن "موسم رمضان كان يأتي في السنوات السابقة منفصلا بعيدا عن أي مواسم أخرى قد تضر به، وكان تركيز الأسرة حول متطلبات رمضان من ياميش ومواد غذائية وحتى فوانيس وزينة وملابس؛ أما هذا العام تزامن دخول المدارس والموسم الشتوي ما أضر بحركة البيع قبل رمضان".

وقال إن "التجار يعانون من ضعف حركة البيع رغم توفر البضائع، والمواطن يعاني من ضغوط مالية ومطالب المدارس وملابس العيد ومتطلبات رمضان، ما جعل أولويات الزبون تنصب على الكتاب الخارجي والدروس الخصوصية وليس ياميش وسلع رمضان، خاصة في ظل عدم توافر الجنيه".

أين الزبون؟

أجاب تاجر ثان عن سؤال الإقبال الضعيف، مرجعا ذلك إلى الارتفاع الواضح في الأسعار وكثرة الأولويات المعيشية، قائلا: "هناك بالفعل زيادة في الأسعار عن العام الماضي، ضاربا المثل بارتفاع سعر علبة بسكويت بالشيكولاته والتي يحل موسم شرائها من 820 جنيه العام الماضي حتى 940 جنيه".

وأضاف لـ"عربي21"، أن "هذا يمثل خطورة على رأس مال التاجر والذي يكش (يتقلص) بمعنى أن طلبي يقل من 50 كرتونة إلى 40 وإلى 30 كرتونة، فمع كل زيادة يقل طلبي لبضائع جديدة ويتقلص رأس مالي، ولو حققت بعض المكاسب فهناك مصاريف تلتهمها من إيجار وكهرباء وضرائب ورسوم محلية وعمالة وغيرها".




ويشير تاجر ثالث إلى أن "ذلك الوضع يدفع الزبون إلى تقليل مشترياته واستهلاكه من أي سلعة، وبدلا من شراء 2 كيلو يقلصها إلى كيلو أو كيلو نصف، ما يؤثر على حجم مبيعات التجار، ويقلل مكاسبهم ولا يسمح لهم بتعويض بعض خسائرهم.

ما علاقة صلة الرحم؟

أحد الزبائن أكد أن "الزبون تائه، هيقدر على إيه ولا إيه (لا يستطيع تلبية كل حاجاته)، والعبء كبير، وهناك مدارس ومتطلباتها من كتب ومصاريف ومواصلات ودروس خصوصية، ومتطلبات العيد بعد رمضان، في ظل غلاء طل كل شيء، بينما الدخل لا يزيد ولو زاد 1000 جنيه خلال هذا الشهر فلن تكفي مع زيادة الأسعار، ما يضع العبء على المواطن والتاجر معا".

وفي حديثه لـ"عربي21"، يلفت إلى أن "ذلك الوضع يقلل من صلة الأرحام بين الأسر المصرية"، موضحا أنه لن يقدر على إهداء إخوته ياميش رمضان بنفس القدر والقيمة التي اعتادها، وأنه سوف يشتري "على قدر الأسعار وقدر إمكانياته وبنسبة بسيطة حفاظا على صلة الرحم".


كساد رغم انخفاض بعض السلع

ويؤكد تاجر رابع لـ"عربي21"، أنه "بالفعل هناك حالة من الكساد في السوق المحلية"، ملمحا إلى أن "المشكلة ليست في الأسعار"، موضحا أن "بعض الأسعار تقارب العام الماضي بل وبعض مستلزمات رمضان أقل من أسعار العام الماضي"، ضاربا المثل بـ"سعر التمر هندي وانخفاضه من 80 إلى 60 جنيها"، مبينا أن "تراجع معدلات الشراء في الشارع يرجع لرزق كل مواطن"، ملمحا إلى "ضعف الرواتب والقوة الشرائية للجنيه"

تأثر التاجر بنسبة 50 بالمئة

تاجر آخر، قال إن "الأسعار زادت، ولكن ليس بالقدر الذي يقلل الشراء"، مبينا أن "الناس موجودة وتشتري ولكن ليس بنفس القدر ولا الكميات التي اعتدناها في موسم رمضان"، مشيرا إلى "تزامن الموسم مع دخول المدارس وضغط الالتزامات الأخرى" موضحا أن "من يشتري يقلل من حجم مشترياته"، ومبينا أن "هذا يؤثر على التاجر بنسبة 50 بالمئة في موسم سنوي ينتظره كل عام"، ملمحا إلى "محاولاته تقديم عروض أسعار وتقليل هامش الربح لزيادة حركة البيع"، مؤكدا أنه "ومع ذلك لن يعوض الموسم".


لهذا لن نشتري؟

ومن داخل سيارة نقل ركاب تابعت "عربي21"، حديث 3 سيدات في العقد الخامس، عن غلاء تعريفة الركوب إلى 15 جنيه لمسافة أقل من 12 كيلومتر، وعن سعر الانتقال عبر التوكتوك الذي ارتفع من 20 إلى 25 و30 جنيها في مسافة لا تزيد عن 3 كيلومتر، لتشير إحداهن إلى ارتفاع سعر الدواجن والسكر والسمن البلدي قبل رمضان.

وعن مستلزمات رمضان أكدن أنها: "بلح، وتمر، وعصائر، وسكر (27 جنيه)، ودقيق (26 جنيه)، وزيت (95 جنيه)، ومعكرونة (15 جنيه)، وأرز (35 جنيها)، وفول (62 جنيه)، وبيض (125 جنيه)، وجبن فلاحي (60 جنيه) وسمن بلدي (340 جنيه)، وفول سوداني، وزبيب، وشيكولاته، إلى جانب فوانيس وزينة رمضان".

وحول قرارهن شراء تلك المستلزمات، أكدن لـ"عربي21"، أنه "قرار صعب اتخاذه في ظل ضغوط أخرى"، لتشير الأولى إلى "وضع زوجها الصحي، ومتطلبات العلاج، والأشعة والتحاليل والانتقال والسفر"، وتلفت الثانية إلى أنها "تقوم بتجهيز ابنتها للزواج، وأنها من محل إلى آخر بحثا عن سعر أرخص ولو جنيه واحد،، وتوضح الثالثة أنها أمام التزامات الترم الثاني من كتب وكراريس وأقلام وملابس وانتقال للمدارس ودروس خصوصية".


ويرون أن "كل ذلك لا يسمح لهن باتخاذ قرار الشراء، موضحات أنهن لو قررن "سيشترين القليل منها قبيل رمضان بيوم واحد، لعمل صينية كنافة أو قطايف أو شراء عصائر مع بضعة كيلوات من السكر، والزيت"، ملمحات إلى أن "قرار شراء متطلبات كاملة مستحيل، وشراء بعض الأنواع الغالية مستحيل، حتى أقل ما كانت تحرص عليه وهو السمن البلدي لن تقدر على شرائه".

تكلفة الخبز وسحور وإفطار

إحداهن -موظفة حكومية- تساءلت: "كيف يمكن لأسرة من 4 أفراد أن يعولها أب موظف يحصل على 6 آلاف جنيه بعد الاستقطاعات، أو يعمل في شركة قطاع خاص مقابل 5 آلاف جنيه"، مشيرة إلى أن "كثيرات من زميلاتها في العمل يواجهن نفس الظروف".

وتلفت إلى أنها "أمام مطلب ملح وهام وعاجل ويكلف الأسرة كثيرا في رمضان وهو رغيف الخبز، مبينة أنهم في الأيام العادية يستهلكون الخبز المدعم رغم رداءة جودته ولكن في رمضان تضطر لشراء 20 رغيفا يوميا بقيمة 40 جنيها، ما قيمته 1200 جنيه خبز حاف فقط خلال رمضان".

وواصلت: "ولأجل وجبة سحور للفقير وبدون زبادي أو لبن أو أي نوع من أنواع المعلبات، تحتاج 5 بيضات بنحو 20 جنيها، وعلبة جبن بنحو 30 جنيه، وطبق فول 20 جنيها، ومعها 30 جنيه خبز بإجمالي 100 جنيه يوميا، ما يساوي 3000 جنيها فقط للسحور".

أما عن الإفطار لأسرة فقيرة تبين أنه "يتطلب ثمن كيلو لحم بـ400 جنيه، أو دجاجة بـ200، أو 2 كيلو سمك بنحو 200 جنيه، وأرز 35 جنيه أو كيسين مركونة 30 جنيه وخضار، وسلاطة، وعصير، أو فاكهة، وكوب شاي، و10 أرغفة خبز، ما يعني نحو 500 جنيه لكل إفطار بإجمالي نحو 15 ألف جنيه شهريا للإفطار وحده، دون ياميش أو مكسرات أو صواني وحلويات رمضان الشهيرة، أو عزومات أسرية".

استغلال التجار وغياب الرقابة

وتشير إلى جانب آخر وهو "استغلال التجار لكل أزمة برفع الأسعار"، موضحة أن "بعض النساء الأذكياء والمقتدرات كن يقبلن على الشراء مبكرا، بل إنهن كن يخترن ملابس العيد وفوانيس رمضان لأطفالهن قبل رمضان قبل ارتفاع الأسعار، ولكنهن الآن لا يمكنهن القيام بنفس العمل".

وألمحت إلى أن "ضغوط المطالب الحياتية من علاج، وفواتير الكهرباء والمياه والاتصالات التي قد تصل 100 جنيه شحن رصيد لكل فرد ونحو 350 جنيه إنترنت بجانب فاتورة الهاتف الأرضي، مع ضغوط المواصلات، جعلهن ينتظرن انتهاء موجة الشراء أملا في خفض الأسعار بالساعات الأخيرة قبيل رمضان".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أحد ركاب ذات السيارة أن "الأزمة الحقيقية هي غياب رقابة الدولة على رغيف الخبز، وعلى السوق، وما يعرض فيه من سلع غالية الثمن وأقل في الجودة، بل وقد تكون مغشوشة وتضر بصحة المصريين".

سلع تستبق رمضان

وفي رصد لـ"عربي21"، ارتفعت بعض السلع المرتبطة بشكل مباشر بقدوم رمضان، وبينها السمن البلدي أو الفلاحي (الجاموسي) الذي تحرص على شرائه الأسر نظرا لقيمته الغذائية ودوره في حلويات رمضان، من 270 إلى 330 جنيها قبل الشهر ما دفع كثيرات من ربات البيوت لتأجيل قرار الشراء".

في ارتفاع يقول عنه التجار والمستهلكون أنه بفعل فاعل، ارتفعت أسعار السكر من معدلها بنحو 25 جنيها للكيلو وسط توقعات بوصوله 30 جنيه، في ظل ما أثير عن توقف الشركات عن توريده للأسواق ورفع سعر الطن 4 آلاف جنيه، في خبر نفته وزارة التموين.


إلا أن تلك البلبلة أضرت بالسوق خاصة وأنها تأتي في الوقت الذي سمحت فيه الحكومة الشهر الماضي لجهاز "مستقبل مصر" التابع للجيش باحتكار تصدير فائض الإنتاج من السكر بنحو مليون طن بعد 3 سنوات من وقف التصدير.

كذلك ارتفعت أسعار الدواجن، أو ما يطلق عليه بروتين الفقراء قبيل شهر رمضان، من نحو 85 جنيها إلى 105 جنيهات في الأسواق الخميس، وفق رصد "عربي21".

وزادت بشكل لافت أسعار كرتونة رمضان في الوقت الذي أجل فيه أغلب الفقراء قرار الشراء انتظارا لتوزيع شنطة رمضان، التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير، وصلت ما بين 400 و1000 جنيه بدون لحوم.

وتشمل كرتونة رمضان التي تتكلف ألف جنيه، كيلو: سكر وأرز، ونصف كيلو: عدس ولوبيا وملح، وزجاجة زيت 950 مليجرام، وكيس مكرونة 400 جرام، وعبوة شاي 250 جرام، وعلبة سمن 700 جرام، وعلبة صلصة، وكيس تمر 700 جرام، وقمر الدين 400 جرام، وعلبة فول 400 مليجرام، وتمر هندي 400 جرام، وكركديه 200جرام.


وتحتل مصر المرتبة الأولى عالميا في إنتاج التمور بنحو 1.8 مليون طن سنويا، و19 بالمئة من الإنتاج العالمي، والمرتبة الخامسة عالميا عام 2024 في تصدير التمور، إلا أن نسبة كبيرة من المصريين يظلون عاجزون عن شراء الأنواع الجيدة، أو الحصول على كمية تكفيهم من الأنواع العادية.

ويتراوح سعر البلح بين 30 و60 و70 و100 جنيه بحسب النوع والجودة، و150 وحتى 400 جنيه للتمر الفاخر.

دور الشوادر

ورغم إعلان وزارة التنمية المحلية وجود 7823 منفذا بالجمهورية لبيع السلع الأساسية بأسعار مخفضة، إلا أنه وبسؤال بعض السيدات، أكدن أنه "بالفعل هناك تخفيضات بالشوادر عن المحلات الخاصة، ولكن هناك بضائع لا يضمنون مدى جودتها وصلاحيتها".

وقال أحد الصحفيين لـ"عربي21"، إن "تلك الشوادر أغلبها تابعة لحزب (مستقبل وطن)، وأنها تمثل سبوبة كبيرة لكبار الشخصيات والمنتفعين المقربين منهم، وأنهم يحصلون على دعم حكومي لتوريد السلع، ولكنه في النهاية هناك مخاوف من عدم صلاحية بعض السلع وقلة جودتها، بجانب بعدها عن أغلب القرى والنجوع".

ويتحوط بعض المصريين لقرارات وتوجهات حكومية بفرض ضرائب ورفع أسعار الكهرباء والوقود ما يدفعهم لتأجيل قرار الشراء أو التقليل من فاتورة مشترياتهم في الموسم السنوي، حيث تشير الأنباء المتداولة إلى توجه حكومي لزيادة أسعار الكهرباء في آذار/ مارس المقبل، مع رفع سعر الوقود بعدها بـ3 شهور.