أنهى نادي
الهلال السعودي، حتى اليوم، أربع صفقات رسمية خلال فترة الانتقالات الشتوية الجارية، تحت قيادة مدربه الإيطالي سيموني إنزاغي، كان آخرها الإعلان عن التعاقد مع ثنائي نادي الخليج، لاعب الوسط مراد هوساوي وحارس المرمى ريان الدوسري.
وجاءت هاتان الصفقتان لتكملا تعاقدات “الزعيم” في ميركاتو يناير، بعد حسم صفقة المدافع الإسباني
بابلو ماري قادمًا من فيورنتينا الإيطالي، والجناح السعودي سلطان مندش القادم من التعاون، في سوق لم شهد حراكًا للأندية الكبرى مقارنة بالمواسم الماضية.
ووفق ما أعلنه النادي، فإن الصفقات الأربع تمت بتمويل كامل من العضو الذهبي الأمير الوليد بن طلال، وهي خطوة فتحت باب الجدل حول واقع التمويل والحوكمة في الدوري السعودي خلال الموسم الحالي.
أزمة تمويل
الصفقات الأربع التي كلفت خزينة الهلال عشرات الملايين - لم تحدد الأرقام بدقة من قبل النادي - عكست أزمة إدارية وتمويلية أوسع يشهدها الوسط الرياضي السعودي خلال موسم الانتقالات الحالي.
الدلالة الأولى تتعلق بما بات يعرف داخل الأندية بغياب ميزانية “برنامج الاستقطاب”، إذ أُبلغت الأندية الكبرى (الهلال، النصر، الاتحاد، الأهلي) وهي الأندية المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة (الصندوق السيادي للدولة) بأن الميزانية المخصصة للتعاقدات الجديدة، خصوصًا الأجنبية، قد استُنفدت، ما يعني أن أي صفقات إضافية يجب أن تتم عبر الموارد الذاتية أو من خلال الأعضاء الذهبيين.
أما الدلالة الثانية، فتتمثل في عودة دور “العضو الداعم” التقليدي، رغم مرور أكثر من عامين على خصخصة الأندية. فبعد أن كان الاتجاه يسير نحو استقلال مالي كامل عبر صندوق الاستثمارات العامة والشركات الراعية، أظهر لجوء الهلال إلى الوليد بن طلال أن الأندية لا تزال بحاجة إلى الشخصيات الشرفية لسد فجوات يعجز النظام المالي الحالي عن تغطيتها، خاصة عندما تتعلق الصفقات باحتياجات فنية مباشرة يطلبها المدرب، كما هو الحال مع صفقة بابلو ماري.
الحوكمة والجدل مع لجنة الاستقطاب
يتقاطع هذا المشهد مع جدل متصاعد حول “عدالة الصرف” وآليات الحوكمة، حيث تشكو الأندية من أن لجنة الاستقطاب لا تمنحها حرية التصرف في فوائضها المالية، ولا تسمح ببيع عقود لاعبين أجانب واستخدام العائد المالي مباشرة لاستبدالهم، إلا بعد المرور بإجراءات معقدة وموافقات قد تتعثر بحجة عدم توفر ميزانية.
في هذا السياق، اختار الهلال “الطريق المختصر” عبر التمويل الخاص، متجاوزًا البيروقراطية المركزية وانتظار قرارات اللجنة، في خطوة تعكس حجم القيود المفروضة على حركة الأندية حتى بعد تحولها إلى شركات.
الاستقرار الفني أولوية
من الناحية الفنية، لم تكن هذه الصفقات ترفًا أو تحركًا استعراضيًا، بل جاءت تحت ضغط الحاجة إلى الاستقرار. فالهلال يتصدر جدول ترتيب دوري روشن حتى الآن برصيد 38 نقطة، وينافس في دوري أبطال آسيا للنخبة، ولم يكن مستعدًا للمغامرة بترك نواقص واضحة في صفوفه، خاصة في الخط الخلفي عقب رحيل ظهيره البرتغالي جواو كانسيلو.
وتحمل خطوة تدخل الوليد بن طلال رسالة واضحة مفادها أن الهلال لن ينتظر دعم الصندوق أو انفراجة إدارية إذا كان ذلك سيؤثر على مسيرته التنافسية، مفضلًا التحرك عبر ما بات يوصف بـ”التمويل الموازي” لتأمين احتياجات الجهاز الفني والحفاظ على الزخم.
دلالة الإعلان
إعلان الهلال عن اسم المتكفل بالصفقات يمكن قراءته كنوع من “الشفافية الاضطرارية”، لتأكيد أن هذه الأموال لم تُصرف من خزينة الدولة أو صندوق الاستثمارات، وفي الوقت ذاته لتخفيف الضغط عن لجنة الاستقطاب أمام الأندية الأخرى.
وجاء هذا الإعلان في أعقاب اتهامات من أنصار الأندية المنافسة، بأن صندوق الاستثمارات جامل الهلال على حساب الاتحاد، الأهلي، والنصر.
يأتي هذا المشهد ليعيد للأذهان البدايات الصاخبة لمشروع الخصخصة ومنظومة الاستقطاب، حينما ضخ صندوق الاستثمارات العامة صفقات تاريخية وضعت الدوري السعودي تحت أنظار العالم بقدوم كريستيانو
رونالدو، نيمار، رياض محرز، وكريم بنزيما، ضمن استراتيجية استهدفت جلب نجوم الفئة الأولى.
إلا أن ميركاتو صيف 2025 وشتاء 2026، وما شهده من "تقنين" في الصرف المباشر من الصندوق ولجوء الهلال لتمويله الخاص، طرح تساؤلاً من قبل الجماهير حول مستقبل المرحلة المقبلة: هل انتهى عصر "الاستقطابات المليارية" المركزية لتبدأ مرحلة تعتمد فيها الأندية على ملاءتها المالية الخاصة وقدرة أعضائها الذهبيين على سد فجوات طموحاتها القارية والمحلية؟.