رافقت عربي21 المتطوعين منذ بداية الرحلة- عربي21

"عربي21" ترافق "المتطوعون الرحل" إلى قلب جبال أطلس.. حيث يُكسر البرد بالعطاء

"وصلتم بسلام هذا أهمّ شيء، الجميع هنا كان متلهّف للقائكم، والاستفادة ممّا تقدّموه" هكذا قالت رقيّة، سيدة خمسينية أتت مع زوجة ابنها للفحص الطبّي، الذي وفّرته جمعية "المتطوعون الرحّل" في المركز الصحّي لمنطقة زاوية أحنصال، بإقليم أزيلال، في قلب جبال الأطلس.

وصول القافلة الطبّية، للمنطقة، لم يكن بالأمر اليسير؛ انطلقت من الساعة العاشرة والنصف صباح الجمعة، من مدينتي سلا والرباط، محمّلة بالمواد الغدائية الأساسية، والملابس الشتوية وهدايا للأطفال؛ مرّت على منطقة تيط ملّيل (نواحي الدار البيضاء) لتحميل كمّيات من الأدوية، والمستلزمات الطبية، قبل أن تشدّ الرّحال إلى وجهتها. 

وفيما تقدّم المتطوعون بحذر عبر الطرق التي كانت تعجّ بالضباب؛ بدأ المطر يتساقط، وتصاعدت صعوبة الطريق. ومع اقتراب القافلة من مدن الأطلس المتوسط، بدأ البرد يشتد، والثلوج تتراكم على جانبي الطريق، لتتحول الرحلة من مجرد نقل مساعدات إلى تحدّ أمام الطبيعة القاسية.




الطريق كان وعرا بين الجبال، ما استدعى الوقوف أكثر من مرّة. أشار أحد المتطوعين بالقول: "الثلوج كانت تمنعنا من التقدم، كنّا ننتظر كاسحة الثلوج التي فتحت الطريق بعد تنسيق مع السلطات المحلية. وكانت كل ساعة تمر بمثابة اختبار لصبرنا وإصرارنا".

هنا زاوية أحنصال


رحلة "المتطوّعون الرحل" نحو زاوية أحنصال، استمّرت لـ15 ساعة، فكان الوصول على الساعة الثانية والنّصف بعد منتصف الليل. على الرغم من التعب الذي ارتسم على وجوه المتطوعين، كان شعور الإنجاز يغمرهم، إذ تجاوزوا كل العقبات الطبيعية ليكونوا حاضرِين أمام السكان الذين طال انتظارهم للمساعدة.

كانت الليلة باردة، والرياح تقصف الممرات الجبلية، فيما كانت قلوب الأهالي تترقب وصول القافلة.

ومع أول ساعات الصباح، بدأ المركز الصحي لزاوية أحنصال يستقبل الأهالي، وبدأت الأصوات تتعالى: صخب الأطفال، همسات النساء، وحركة الطاقم الطبي الذي كان يجهّز المعدات من الأجهزة إلى الأدوية الأساسية.




صفوف السكان الباحثين عن علاج، امتدت خارج أبواب المركز، والعيون تحمل مزيجا من القلق والأمل، فيما كان الأطفال يراقبون المتطوعين بفضول وبراءة، كأنّهم يلمحون الحياة داخل المركز الصحّي لأول مرّة؛ كانت هذه اللحظات تمثّل التقاء الإنسان بالإنسان، والأمل بالاحتياج.

أحمد، وهو أحد سكان القرية، قال بامتنان: "لم نتوقع أن تصل هذه المساعدات بهذا الشكل، الناس هنا بحاجة لكل شيء، وأي تدخل طبي هو بمثابة حياة جديدة لنا"؛ فيما أكّدت فاطمة، أم لطفلين: "أولادي لم يزوروا طبيب الأسنان منذ أشهر، واليوم تمكنوا من الحصول على الفحوصات والعلاج الضروري، هذا يعني لهم الكثير".




أما إسماعيل، رب أسرة، فقال: "التدخل الطبي فرصة لتخفيف معاناتنا اليومية، فالمنطقة نائية، والخدمات الطبية قليلة جدا، والوصول إلى هنا كان بمثابة بصيص أمل".

رئيس جمعية المتطوعون الرحّل، محمد العبودي، تحدّث لـ"عربي21" عن التحضيرات التي تسبق القافلة الطبّية، بالقول: "قبل انطلاق القافلة، نعمل على جمع التبرعات، سواء أموالا أو مساعدات عينية، لتوفير المواد الغذائية الأساسية، إلى جانب المستلزمات الضرورية لمواجهة الظروف المناخية الصعبة. ثمّ التنسيق مع السلطات المحلية وبعض الجمعيات المحلية، لتيسير الأمور في الميدان".

أطبّاء يمنحون الحياة


القافلة الطّبية شملت عدة تخصصات: طب الأسنان، القلب، النساء والأطفال، إضافة إلى فحوصات طبية أساسية. قال طبيب الأسنان والمتطوع، محمد الضياي: "كانت القافلة ناجحة، رغم أنّ الطريق في بدايته لم يكن سهلا؛ مررنا بمناطق تشهد ضبابا، خاصة حين وصولنا إلى أزيلال، ومع تقدمنا، بدأنا نشعر بتأثير الاضطرابات الجوية التي كانت متوقعة في المنطقة، ما تسبب في بعض التأخير، لكن عند وصولنا، كانت الأمور جيدة جدا".

"المركز الصحي لزاوية أحنصال الذي استقبلنا كان مجهّزا بشكل يفوق التوقعات بالنسبة لي" أوضح الضياي في حديثه لـ"عربي21"، مردفا: "أما بخصوص المستفيدين والمرضى، فقد قمنا هذه المرة بانتقاء خاص، ركّزنا فيه على الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و12 سنة، باعتبارهم الفئة الأكثر حاجة إلى الرعاية".




من جهته، طبيب الطوارئ، خالد الزاهري، أكّد في حديثه لـ"عربي21": "الناس في مثل هذه المناطق بحاجة ماسّة لمثل هذه المبادرات، وبالنسبة لي كطبيب أرى أنه من المهم أن نتطوّع حتّى يظل الجانب الإنساني حاضرا ومفتوحا، حيث أننا إذا ما ظللنا فقط في العمل، فإن قلوبنا تتحجّر".

وتابع الزاهري: "في مثل هذه المناطق، يكون معنا متطوع مهمته هي متابعة الحالات المرضية التي تحتاج إلى تتبّع طبي، أو نقل نحو مستشفى أكبر"، مبرزا في حديثه لـ"عربي21": "المستفيدين اليوم بين 250 و300 شخص، أغلبهم ليست حالات خطيرة لكنّها تتعلق بصعوبة الجو وبرودته، من زكام وروماتيزم، وأمراض لها علاقة بالميكروب والمسالك البولية خاصة لمرضى السكري".

أمّا ضحى وحيد، وهي طبيبة أسنان ومتطوعة، قد شدّدت على أهمية التوعية، بالقول: "بصراحة، لهذه القوافل الطبية أهمية كبيرة، خاصة في مجال طب الأسنان. في هذه المناطق، يظل طب الأسنان شبه منعدم، إذ يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إليه، وهو أمر صعب على الكثيرين، خصوصا كبار السن والأسر ذات الدخل المحدود".

"نلاحظ وجود عدد كبير من الحالات التي تعاني من مشاكل في اللثة والأسنان، كما أن الأطفال الصغار لديهم حاجة ملحّة للعلاج بسبب انتشار تسوّس الأسنان" أكّدت وحيد في حديثها لـ"عربي21" مبرزة: "أهمية هذه القوافل، ليست فقط في تقديم العلاج، ولكن أيضا لمساندة هؤلاء السكان وتقريب الخدمات الصحية منهم".

وتابعت: "في الوقت نفسه، نحرص على التوعية بصحة الفم والأسنان، لأن هناك أفكارا خاطئة ومخاوف منتشرة لدى الكثيرين، خاصة الخوف من طبيب الأسنان، أو الجهل بكيفية العناية الصحيحة بالأسنان. كما نولي اهتماما خاصا للأطفال، لأن بناء الوعي يجب أن يبدأ منذ الصغر. نعلّمهم كيف ينظفون أسنانهم، ومتى، ولماذا يُعدّ ذلك مهما لصحتهم".

صعوبات وواقع السكان


قبل وصول القافلة الطبّية لجمعية "المتطوعون الرحّل" التي حملت اسم "قافلة الأطلس"، كان السكان يتنقلون لمسافات طويلة عبر الثلوج للوصول إلى أقرب مركز صحّي، نادرا ما يتوفّر على طبيب.

الصعوبات اليومية بالنسبة إلى السكان، في زاوية أحنصال أو ما يحيط بها من دواوير صغيرة (قرى) لا تتوقف عند نقص المعدّات أو قساوة الطريق، بل تمتد لتشمل قسوة البرد ونقص التدفئة، وضعف النشاط الفلاحي الذي يعد المصدر الأساسي للعيش، ما يجعل الناس يعتمدون على أعمال بسيطة تكاد لا توفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

وأوضح رئيس جمعية المتطوعون الرحل، محمد العبودي: "عملنا خلال قافلة الأطلس على تقديم المساعدات الطبية في عين المكان. شملت طب الأسنان، والقلب، وطب النساء، والأطفال، إضافة إلى فحوصات وخدمات صحية لفائدة الأطفال والنساء والرجال..".

"في الحالات التي تتطلب تدخّلا طبيا متقدما، نحرص على توجيه المرضى نحو المستشفيات المتوفرة بإقليم أزيلال قصد تلقي العلاج اللازم" أردف العبودي، مشيرا في الوقت نفسه: "قمنا أيضا بتوزيع مساعدات ضرورية، بينها ملابس شتوية لمساعدة الساكنة على مواجهة قساوة البرد".
ولفت العبودي إلى أنّه: "في ظل هذه الظروف الجوّية الصّعبة، تصبح المبادرات التضامنية والعمل التطوعي ضرورة ملحّة، ويظل الإيمان بقيمة التضامن والاستمرارية هو الدافع الحقيقي لنا، من أجل مواصلة الطريق".

مساعدات وورشات.. الحياة تعود 


فيما كان المركز الصحّي لزاوية أحنصال، ينبض بالحياة، انطلق متطوّعون آخرون نحو دوّار "امي نتغانمين" حيث تحوّل الفضاء القروي إلى ورشات جمعت الأطفال للرسم والإنشاد، كما وزّعت الملابس الشتوية على نحو 60 طفلا؛ وتمّ توزيع المواد الغذائية الأساسية على نحو 120 أسرة، شملت دقيقا وزيتا وسكرا وشاي وعسل وغيرها من المواد في دوار "تاغية".

كل شخص كان يأتي يحمل "الخنشة" -كيسا محليا- ليملأه بالمواد الغذائية، فيما كانت وجوه السكان تتباين بين الشكر والدهشة والارتياح، وكأنّ كل كيس يُحمل هو رسالة أمل جديدة وصلت إلى أيديهم؛ خاصّة مع صعوبة الطقس الذي يشهدونه هذه الأيام، وانقطاع الطّرق لأسابيع طويلة.





إلى ذلك، إنّ الواقع اليومي للسكان يكاد يكون قصّة صمود مستمرة. البرد، الثلوج، صعوبة الوصول للمراكز الصحية، وقلّة النشاط الفلاحي يجعل حياتهم معقدة. أحمد، من سكّان المنطقة، قال في حديثه لـ"عربي21": "ننتظر مثل هذه القوافل شهورا، وأي تأخير يعني معاناة إضافية، خصوصا للأطفال وكبار السن".

رئيس جمعية المتطوعون الرحل، محمد العبودي، أشار إلى حجم الجهد المبذول: "استطعنا تقديم مساعدات طبية لحوالي 800 مستفيد، منهم 400 تلقوا تدخلات مباشرة، و60 طفلا حصلوا على ملابس شتوية، و112 أسرة تلقت المساعدات الغذائية. كل هذا يتم بالتنسيق مع السلطات المحلية ودعم من جمعيات المجتمع المدني".

وأبرز طبيب الأسنان، خالد الضياي: "كان العدد يفوق ثلاثين مستفيد، فيما كنّا نتوقع أن يتجاوز عدد المرضى 50 حالة، إلا أن الظروف الجوية الصعبة والتأخير في الوصول ساهما في انخفاض العدد.
وكانت أغلب الحالات التي تم استقبالها تُصنَّف ضمن الحالات العادية، من التسوّس إلى القلع".

ضحى وحيد، وهي طبية أسنان ومتطوّعة، أكّدت أيضا في حديثها لـ"عربي21": "حتّى لو كانت عيادتنا متنقلة وتقتصر على الأدوات الأساسية، إلا أن الحضور والتفاعل المباشر مع الأهالي يصنع فرقا كبيرا. نحاول قدر الإمكان تقديم الرعاية، والتعليم، والتوعية، وهي تجربة فريدة لكل متطوع".

"نحن جئنا إلى هذه المناطق ليوم واحد فقط، وواجهنا خلاله صعوبات كبيرة، لكن ما يجب أن نتوقف عنده هو أن هؤلاء الناس يعيشون هذه الظروف كل يوم. كنت أتخيّل أحيانا كيف يمكن أن تكون حياتهم دون وجود قوافل طبية، أو دون أي فحوصات أو تدخل صحي. صادفنا حالات صعبة ومعقّدة، وحاولنا أن نعالج ما استطعنا علاجه، وما لم نتمكن من علاجه، على الأقل قدّمنا التوجيه الصحيح والنصائح اللازمة".

"من حيث التجهيز، لم تكن هناك مشكلة في العيادة نفسها، لأننا نتوفر على عيادة متنقلة مجهّزة بالأدوات الأساسية، لكن رغم ذلك تبقى هناك حدود" أوضحت وحيد، مسترسلة في حديثها لـ"عربي21": "لا يمكننا جلب كل الأجهزة، ولا كل الإمكانيات، لأن تنقّل المعدات الطبية الثقيلة عبر الطرق الوعرة أمر صعب جدا. حاولنا قدر الإمكان توفير ما نستطيع، لكن من المستحيل أن تكون العيادة المتنقلة مجهّزة بنسبة مائة في المائة".

وفي رسالته إلى زملائه، أكّد طبيب الطوارئ، خالد الزاهري: "رسالتي هي أن تتطوع في مثل هذه المناطق، لأنهم في أمس الحاجة لكل شيئ، الناس تتألم بالشهور فإن شخّصت حالته أو أعطيته مسكّنا فإنك تكون قد مددت له يد العون".

ختام اليوم.. شعور بالإنجاز والأمل


مع انتهاء اليوم الطويل، بدا التعب واضحا على وجوه المتطوّعين، لكن شعور الإنجاز كان يغمرهم. القافلة أعادت إلى زاوية أحنصال بصيص أمل طال انتظاره، لتكون لحظة حيّة من التضامن والإنسانية، تؤكد قدرة المبادرات المجتمعية على الوصول إلى المناطق النائية وتخفيف معاناة السكان بشكل مباشر وملموس.

وعند اقتراب موعد مغادرة القافلة، كانت زوجة ابن رقيّة قد أنهت فحصها، وجلست قرب باب المركز الصحي تُلفّ معطفها الصوفي بإحكام، وتراقب المتطوّعين وهم يعيدون ترتيب معداتهم استعدادا للرحيل. ابتسمت وهي تقول بهدوء: "الله يجازيكم بالخير.. اليوم حسّينا أننا ما منسيّينش (غير منسيّون)".

لم تكن كلماتها مجرد شكر عابر، بل تلخيصا ليوم كامل من التضامن والإنسانية. في زاوية أحنصال، حيث يفرض البرد والعزلة إيقاعهما القاسي، لم تكن "قافلة الأطلس" مجرد مساعدات طبية وغذائية، بل رسالة وصلت في وقتها: أن هناك من لا يزال يعبر الجبال والثلوج، فقط ليقول لهؤلاء السكان إنهم ليسوا وحدهم.