كشف المؤشر العربي 2024/2025، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، عن استمرار الموقف العربي الرافض للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب تحولات عميقة في علاقة المجتمعات العربية بالفضاء الرقمي، تجمع بين توسع غير مسبوق في الاستخدام وتراجع متصاعد في الثقة بالمحتوى المتداول، مع بروز ملامح رقابة ذاتية واجتماعية متزايدة.
وأظهرت نتائج
الاستطلاع أن 87% من المستجيبين يرفضون اعتراف بلدانهم بـ“إسرائيل”، مقابل 6% فقط قالوا إنهم يقبلون بهذا الاعتراف، فيما اشترط نحو نصف الموافقين أن يتم ذلك حصريا في إطار إقامة دولة
فلسطينية مستقلة، وهو ما يعكس رسوخ الموقف الشعبي العربي المناهض للتطبيع خارج سياق حل عادل للقضية الفلسطينية.
اتساع غير مسبوق لاستخدام الإنترنت
على المستوى الرقمي، بين المؤشر أن 79% من المستجيبين يستخدمون الإنترنت بدرجات متفاوتة، مقابل 18% لا يستخدمونه، بينما أكد 65% أنهم يستخدمونه يوميا أو شبه يومي.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها عند مقارنتها بالسنوات السابقة، إذ تراجعت نسبة غير المستخدمين من 55% عام 2013 إلى 18% في 2025، ما يؤشر إلى تحول الإنترنت إلى مكون أساسي في الحياة اليومية العربية، بعد أن كان مقتصرا على فئات محدودة.
وسجلت منطقة وادي النيل أعلى نسب عدم الاستخدام، مقابل أدنى نسب في المشرق العربي، ما يعكس استمرار فجوة رقمية ذات أبعاد إقليمية.
العربية تتصدر لغة التصفح
خلافا للاعتقاد السائد، أظهرت النتائج أن 90% من مستخدمي الإنترنت يتصفحون بالعربية، في مؤشر على اتساع تعريب المحتوى الرقمي، وقدرة اللغة العربية على ترسيخ حضورها كلغة معرفة وتواصل في المجال العام الرقمي.
أفاد 98% من مستخدمي الإنترنت بامتلاكهم حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، مع استمرار واتساب وفيسبوك في صدارة المنصات استخداما في مختلف الأقاليم. أما منصة إكس، فلا تتجاوز نسبة مستخدميها نصف المستخدمين إلا في دول الخليج، حيث يمتلك 69% حسابات عليها.
وفي ما يتعلق بتفضيلات المحتوى، تصدر الفيديو بنسبة 47%، يليه النص المكتوب (27%) ثم الصورة (15%)، ما يعكس صعود المرئي بوصفه اللغة الأكثر تأثيرا في الأخبار والترفيه والتعبير السياسي.
أخبار بلا ثقة
ورغم كثافة الاستخدام، كشفت النتائج عن تراجع ملحوظ في الثقة، إذ قال 59% من المستجيبين إنهم لا يثقون بالأخبار والمعلومات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل 41% فقط يثقون بها. وتعد هذه النسبة أقل من تلك المسجلة في استطلاعات سابقة.
وسجل المؤثرون والمشاهير أدنى مستويات الثقة (32%)، في حين حازت الصفحات الحكومية الرسمية أعلى مستوياتها (56%)، في مفارقة تعكس فجوة بين الانتشار الواسع للمحتوى الفردي وضعف مصداقيته، مقابل ثقة نسبية بالمصادر الرسمية.
السياسة بين التفاعل والحذر
وأفاد 57% من المستخدمين بأنهم يستخدمون وسائل التواصل للتعبير عن آرائهم السياسية، إلا أن 11% فقط يفعلون ذلك بشكل يومي أو شبه يومي. كما قال 54% إنهم يتفاعلون مع قضايا سياسية عبر المنصات، مقابل 42% لا يستخدمونها لهذا الغرض، مع تسجيل السعودية والأردن أدنى مستويات المشاركة السياسية الرقمية.
وتشير هذه النتائج إلى أن الفضاء الرقمي بات ساحة سياسية “مسموحا بها جزئيا”، تستخدم عند تصاعد الأحداث، دون أن تتحول إلى ممارسة يومية ثابتة.
مراقبة ورقابة ذاتية
وأظهر المؤشر أن نصف المستخدمين لا يتابعون المؤثرين أساسا، وأن 57% من متابعيهم لا يرون أنفسهم متأثرين بهم. في المقابل، يعتقد 37% أن نشاطهم على وسائل التواصل مراقَب، ويرى 44% أن الشركات المالكة للمنصات تراقبهم، مقابل 34% يعتقدون أن الحكومات تفعل ذلك، فيما قال 76% إنهم لا يعرفون بوجود “جيوش إلكترونية”.
وعلى مدى أكثر من عقد، يرصد المؤشر تحولا تدريجيا في مصادر الأخبار السياسية. فقد تراجع الاعتماد على التلفزيون من 78% في 2012/2013 إلى 42% في 2024/2025، مع احتفاظه بموقعه كمصدر أول.
في المقابل، صعد الإنترنت ليقترب من التلفزيون لأول مرة، مسجلًا 38% كمصدر رئيسي للأخبار السياسية.
أما الصحف اليومية، الورقية والإلكترونية، فتراجعت إلى 2% فقط، بينما بقي الراديو والأخبار المتداولة عبر العائلة والأصدقاء في هامش محدود.
ويخلص المؤشر إلى مفارقة لافتة: فبينما يتحول المجال الرقمي إلى المصدر الرئيسي للأخبار والمعلومات، لا تتحرك الثقة بالوتيرة نفسها، بل يتعمق الشك وتتوسع الرقابة الذاتية في سلوك المستخدمين، في مشهد يعكس توترا متزايدا بين وفرة المعلومات وندرة المصداقية في الفضاء العام العربي.