"قبل أسبوع من انطلاق كأس إفريقيا، جهّزت عدّتي
من أعلام وطنية، وقبّعات بها أعلام الدّول المشاركة، وأدوات تخصّ التّشجيع، لبيعها
بالقرب من نقط تجمّعات المشجّعين في الرباط" هكذا تحدّث محسن، ذو 25 عاما، لـ"عربي21"،
كيف استعد لكسب الرزق من خلال الحدث القاري الذي تحتضنه
المغرب.
على غرار محسن، فئة
واسعة من الشباب وجدوا في هذا الحدث القاري فرصة لابتكار مهن مؤقتة، وتأمين دخل سريع،
في سياق اقتصادي واجتماعي يضيق فيه هامش العمل المستقر.
ورصدت "عربي21"
من خلال هذا التقرير عدد من المهن التي انتشرت في أرجاء المغرب من تجمع شباب مغاربة،
بين مدرجات الملاعب، ومناطق المشجعين، والأسواق الشعبية، وعلى الأرصفة القريبة من المقاهي
والساحات الكبرى، منهمكين ببيع كلّ ما يخص المشجّعين، على الرّغم من صعوبة الجو، الذي
يسيطر عليه البرد والأمطار الغزيرة.
أسواق تنتعش.. وشباب
في الواجهة
في سوق باب الأحد بالعاصمة
المغربية الرباط، تبدو ملامح الانتعاش واضحة منذ مطلع شهر دجنبر. محلات الألبسة الرياضية
تشهد حركة غير معتادة، مع تزايد الطلب على أقمصة المنتخبات الإفريقية المشاركة، والأعلام
الوطنية، وملحقات التشجيع.
وأبرز أيمن، صاحب محل
لبيع الألبسة الرياضية، أنّ: "استضافة المغرب لكأس إفريقيا دفعت عددا من التجار
إلى توسيع عروضهم، وإدخال منتجات جديدة بمستويات مختلفة من الجودة والأسعار، بهدف استقطاب
شرائح واسعة من الزبائن".
وأكّد في حديثه لـ"عربي21"
أنّ: "الإقبال لا يقتصر على قمصان المنتخب المغربي، بل يشمل منتخبات إفريقية بارزة،
مثل السنغال ونيجيريا والكاميرون، خاصة من طرف الجاليات الإفريقية المقيمة بالمغرب،
التي تحرص على اقتناء رموز منتخبات بلدانها".
"قمصان لاعبين بعينهم، مثل: أشرف حكيمي، ياسين
بونو، سفيان أمرابط وإبراهيم دياز، تتصدر قائمة الأكثر طلبا، مع تسجيل حضور لافت للنساء
من مختلف الأعمار ضمن الزبائن" بحسب البائع نفسه.
أسعار الأقمصة وفق
الشباب الذين حادثتهم عربي21 تتراوح بين 70 و400 درهم (بين 7 و40 دولار) حسب الجودة
والنوع، فيما تتراوح أسعار الأعلام الوطنية بين 5 و100 درهم، وهو ما يتيح هامش ربح
متفاوت، لكنه يظل محفزا في ظرفية تعرف ركودا في قطاعات تجارية أخرى.
فضاءات بيع في الشارع
بعيدا عن المحلات النظامية،
باتت الملاعب والمقاهي الكبرى تعيش على إيقاع انتشار واسع للباعة الجائلين، جلّهم من
الشباب، ممّن وجدوا في كأس إفريقيا مناسبة لتحقيق دخل ظرفي.
أقمصة، وأعلام، والقبعات
والصفارات، ترسم مشهدا تجاريا غير رسمي، غير أنّه يعكس قدرة الشباب على التكيف السريع
مع الطلب الموسمي. ويسلط الضوء في الوقت نفسه على واقع بطالة مقنّعة، تدفع الشباب إلى
اقتناص كل فرصة عابرة.
في المقابل، انتقل
جزء من هذا النشاط إلى الفضاء الرقمي، حيث انتشرت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي
تعرض أقمصة ومعدات تشجيع بأثمنة متفاوتة.
من الميدان إلى التجارة
الرقمية
عبد الكريم، شاب مغربي،
ذو 32 عاما، يروي لـ"عربي21" تفاصيل يومه الطويل، بين تصميم الأقمصة الخاصة
الحاملة لأسماء أصحابها صباحا، وطباعتها، مرورا بالتجارة الرقمية عبر منصات التواصل
الاجتماعي؛ إلى التجوّل مساء بين مناطق المشجّعين لبيع باقي الأقمصة والأعلام.
خلال البطولة القارّية
نفسها، أصبحت خدمات طباعة الأقمصة تشهد ازدهارا لافتا. حيث يحرص عدد من المشجّعين على
تخصيص قمصانهم بأسمائهم أو بأسماء وأرقام لاعبيهم المفضلين.
هذا النشاط، الذي لا
يتطلب استثمارا كبيرا، جذب عددا من الشباب، خصوصا ممن يشتغلون أصلا في الطباعة أو التصميم،
أو ممن اقتنوا معدات خصّيصا لهذا الموسم، على أمل تعويض تكلفتها خلال فترة قصيرة.
كذلك، شباب آخرين،
اختاروا بيع منتوجات الصناعة التقليدية داخل مناطق المشجعين (Fan
Zones)،
لتتشكّل بذلك خريطة اقتصادية موازية، يحركها الطلب الجماهيري، وتغذيها البطولة القارية
الممتدة من 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026.
في تسع ملاعب موزعة
على ست مدن: الرباط، الدار البيضاء، مراكش، فاس، أكادير وطنجة، شباب اختاروا مهنة مؤقّتة،
بحثا عن مدخول مادي يستفيدون منه، في خضمّ نقص فرص الشغل بالنسبة إليهم.
الصناعة التقليدية..
استثمار رسمي للدينامية
إلى جانب المبادرات
الفردية، تحضر الصناعة التقليدية المغربية ضمن فعاليات كأس إفريقيا، إذ تم إحداث فضاءات
خاصة بالصناعة التقليدية داخل مناطق المشجعين في مدن الرباط، طنجة، فاس، الدار البيضاء،
مراكش وأكادير، بمشاركة أزيد من 300 صانع تقليدي وتعاونية ومقاولة حرفية من المغرب
ومن بلدان إفريقية أخرى.
وتعرض بهذه الفضاءات
منتجات متنوعة تشمل الزرابي، النسيج، الملابس التقليدية، الفخار، الخزف، النحاسيات،
الخشب، الحلي، الجلد، والأحذية التقليدية، مع اعتماد الولوج المجاني وفق شروط بطاقة
المشجع (FAN ID).
فرص مؤقتة.. وأسئلة
مؤجلة
رغم الحركية الاقتصادية
التي تخلقها كأس إفريقيا، يطرح هذا الواقع أسئلة حول طبيعة هذه الفرص، ومدى قدرتها
على التحول إلى إدماج اقتصادي مستدام. فغالبية المهن المرتبطة بالبطولة تظل موسمية،
مرتبطة بزمن الحدث، تنتهي بانتهائه، تاركة الشباب أمام فراغ مهني جديد.
كما يبرز تفاوت واضح
بين الاقتصاد المنظم وغير المنظم، حيث يستفيد بعض الفاعلين من أطر رسمية ودعم مؤسساتي،
في مقابل فئات أخرى تشتغل في الهامش، دون حماية اجتماعية أو أفق استمرارية.
إلى ذلك، تكشف كأس
إفريقيا بالمغرب عن وجه آخر للبطولة، لا يُقاس فقط بعدد الأهداف أو الجماهير، بل بقدرة
الشباب على تحويل حدث رياضي عابر إلى مورد رزق، ولو مؤقت، في انتظار سياسات عمومية
أوسع، تجعل من هذه الديناميات الظرفية مدخلا لإدماج اقتصادي دائم، بدل أن تبقى مجرد
"فرص موسمية" سرعان ما تنطفئ مع صافرة النهاية.