أعلن رئيس الوزراء
المصري
مصطفى مدبولي، خلال الاجتماع الأسبوعي لحكومته الأربعاء الماضي، من العاصمة الصيفية
لمصر مدينة العلمين الجديدة، عن إجراءات حكومية محتملة بشأن إدارة
المطارات والمنشآت
والمشروعات المصرية في قطاعات هامة.
ونفى مدبولي، نية حكومته
طرح المطارات المصرية للبيع أمام مستثمري القطاع الخاص المحلي أو العربي والأجنبي،
قاطعا الطريق على انتقادات الخبراء الرافضين لتوجه الدولة ببيع الأصول العامة وخاصة
المطارات والموانئ، وقلل من مخاوف المتابعين المصريين في هذا الإطار، والذين اعتبروه
خبرا جيدا.
وأعلن، في المقابل،
أن حكومته تعمل حاليا مع "مؤسسة التمويل الدولية" لطرح عدد من المطارات المصرية
أمام شركات إدارة وتشغيل عالمية، كاشفا عن توجيهه وزير الطيران سامح الحفني، بإبرام
عقود مع شركات عالمية متخصصة لإدارة وتشغيل جميع المطارات، مستندا إلى تجارب دولية
ناجحة وبدول مماثلة مثل تركيا والأردن.
تخارج حكومي وإسناد
للخاص عقب التطوير
وفي حديثه، الأسبوعي
لوسائل الإعلام المحلية، أكد رئيس الوزراء المصري أن التوجه الحكومي لطرح المطارات
أمام إدارات شركات خاصة، قد يمتد ليشمل عددا من المنشآت الأخرى، مبررا الأمر بأنه رغبة
حكومية للحفاظ على ملكية الدولة للأصول، ولضمان تقديم خدمات أفضل وتفادي الانتقادات
الموجهة للمنظومة الحالية.
لكن إعلان مدبولي أن
مطار "برج العرب"، (شمال غرب البلاد) -48 كيلومترا من الإسكندرية، و86 كيلومترا
من العلمين- سيكون بعد تطوير بنيته التحتية من المطارات المطروحة لإدارة غير حكومية،
يثير التساؤل حول خسائر مصر من الإسناد الذي سبقه تطوير بأموال قروض خارجية تزيد الضغوط
على موازنة البلاد.
بين 2015، و2025، يشهد
المطار تطويرا شاملا لرفع كفاءته وزيادة طاقته الاستيعابية، من 1.2 إلى 4 ثم إلى 6
ملايين راكب سنويا، مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي "جايكا"، فيما جرى
افتتاح المبنى الجديد نهاية 2023، بتكلفة 2 مليار جنيه.
وفي 28 حزيران/ يونيو
الماضي، وجه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي باستكمال تطوير 11 مطارا، داعيا إلى طرح
مطار "الغردقة" للشراكة مع القطاع الخاص بنهاية العام.
ويساهم قطاع النقل الجوي
بنحو 7 مليارات دولار سنويا في الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل 2.1 بالمئة.
تطوير المطارات والموانئ
وبالسنوات الأخيرة قامت
الحكومة بعمليات تطوير للبنية التحتية لمطارات، وموانئ، وخطوط وقطارات السكك الحديدية
ومترو الأنفاق، وأنفقت مليارات الدولارات بمشروعات النقل الجديدة مثل القطار الكهربائي،
والمونوريل، والأتوبيس الترددي، بتمويل من قروض خارجية، وأسندت إداراتها لشركات أجنبية،
أو تنوي فعل ذلك.
وجرى تطوير 15 مطارا
رئيسيا وداخليا، أهمها "القاهرة"، "شرم الشيخ"، "الغردقة"،
"برج العرب"، "سفنكس"، "الأقصر"، و"أسوان"،
وبناء مطار "العاصمة الإدارية"، و"العلمين الجديدة"، بهدف زيادة
الإيرادات ودعم السياحة.
يُقدر حجم الإنفاق على
تطوير المطارات بالسنوات الثلاث المقبلة 31.3 مليار جنيه (نحو 627 مليون دولار)، وفق
مجلس الوزراء المصري في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، فيما جرى تطوير وإنشاء عدة مطارات،
بتكلفة إجمالية تخطت 145.8 مليار جنيه حتى منتصف 2023، كان أبرزها مشروعات إنشاء مطارات
"العاصمة"، "سفنكس"، "برنيس"، "البردويل"
و"العلمين".
وبينما تمتلك مصر
18 ميناء تجاريا، تنفذ الحكومة بها 80 مشروعا بتكلفة 200 مليار جنيه، شملت محطات الحاويات
والأرصفة وزيادة القدرة الاستيعابية، منها:
موانئ "شرق بورسعيد"، "الإسكندرية"،
"دمياط"، "السخنة"، "سفاجا"، و"نويبع"، فيما
بلغ إجمالي تكلفة التطوير من (2014- 2024) نحو 129 مليار جنيه.
إسناد الموانئ وخطوط
النقل
قابل ذلك التطوير إسناد
الحكومة إدارة وتشغيل عدد كبير من الموانئ والمحطات البحرية لشركات خاصة، ما يجعله
القطاع الأكبر في هذا الإطار، بعقود لا تقل عن 3 عقود تعتمد على نظام المُشاركة بالإيرادات،
لكن تظل تفاصيل القيمة المالية التي تتقاسمها الشركات والحكومة غير معلنة بشكل كامل.
ويدير ميناء شرق بورسعيد،
شركة "APM Terminals" التابعة لمجموعة ميرسك الدنماركية،
وشريكتها الصينية "شنغهاي الدولية للموانئ"، بعقد لمدة 30 عاما، فيما يتولى
تحالف عالمي بقيادة "هاتشيسون" الصينية، مع شركات أخرى إدارة ميناء الإسكندرية
(محطة تحيا مصر)، بعقد مدته 30 عاما.
وإلى جانب إدارة
"موانئ دبي" لميناء العين السخنة منذ عام 2008، بعقد 35 عاما، حصلت
"موانئ أبوظبي" على امتياز تشغيل وإدارة المنطقة الصناعية واللوجستية
"كيزاد شرق بورسعيد"، في أيار/ مايو الماضي، مع ما لها من استحواذات وعقود
بموانئ الإسكندرية، والغردقة، وسفاجا، وشرم الشيخ، والعين السخنة، والغردقة، وبورسعيد،
ودمياط، والعريش وأيضا في رأس الحكمة.
ومنذ 2020، يدير الخط
الثالث لمترو أنفاق القاهرة تحالف يضم الشركة الفرنسية "RATP Dev" مع شركة "المصرية
للتشغيل وصيانة المترو" (EMO)، في تعاقد لمدة 15 عاما بقيمة تُقدر بنحو 1.14 مليار يورو مقابل الإدارة
والصيانة.
وبلغت التكلفة الإجمالية
للخط الثالث بكامل مراحله حوالي 97 مليار جنيه (أكثر من 5 مليارات يورو)، وتم تمويله
جزئيا من خلال قروض ميسرة من دول أوروبية مثل فرنسا.
وفي نيسان/ أبريل
2021، أعلن وزير النقل كامل الوزير، تعاقد الهيئة القومية للأنفاق مع شركة "RATP" الفرنسية لإدارة وتشغيل الخط الثالث لمترو الأنفاق والقطار الكهربائي "LRT" (السلام/ العاصمة الإدارية الجديدة/ العاشر من رمضان).
وأكد التعاقد مع شركات
عالمية لإدارة وتشغيل خطي "مونوريل" العاصمة الإدارية و6 أكتوبر، وتشغيل
"القطار الكهربائي السريع" (العين السخنة/ مرسى مطروح)، والأتوبيس الترددي "BRT" على الطريق الدائري.
الإيرادات وتحويل الأرباح
للخارج بالعملة الصعبة
وتُحقق الشركات الأجنبية
العاملة في مصر أرباحها من عقود الإدارة والتشغيل، وعقود الامتياز، وتُنقلها للخارج
عبر آليات مالية وقانونية محددة.
في حالة الخط الثالث
للمترو، تحصل الشركة الفرنسية على رسوم ثابتة مقابل خدمات الإدارة، بالإضافة إلى نسبة
من إيرادات التشغيل من بيع التذاكر والخدمات الأخرى.
وعبر عقود الامتياز
التي تنطبق على الموانئ، تقوم الشركة بالاستثمار في البنية التحتية مقابل الحصول على
حق تشغيل واستغلال المرفق لفترة زمنية طويلة وتُحقق أرباحها من رسوم المناولة أو الخدمات
التي تُقدمها، مع دفع رسوم امتياز أو نسبة من الإيرادات للحكومة المصرية.
لكن تظل عملية تحويل
الأرباح للخارج إحدى النقاط المزعجة للحكومة المصرية التي يتوجب عليها توفير العملة
الصعبة لتلك الشركات، خاصة وأن تحويل الأرباح بالعملة الصعبة إحدى نقاط الضغط على الاحتياطي
من النقد الأجنبي، ويؤثر على سعر صرف العملة المحلية.
وتُعتبر عملية تحويل
الأرباح أحد أهم الضمانات التي يكفلها قانون الاستثمار (رقم 72 لسنة 2017)، للمستثمرين
الأجانب، الذين يحق لهم تحويل كامل أرباحهم أو رأسمالهم للخارج بالعملة الأجنبية.
وواجهت الدولة المصرية
خلال الأعوام الخمسة الماضية أزمات في توفير العملة الصعبة للشركات ما أعاق تحويل أرباحها
إلى الخارج.
بين الخسائر والمكاسب
ومفارقة الدين والربح
وأكد الخبير الاقتصادي
والإستراتيجي الدكتور علاء الدين سعفان، لـ"عربي21"، على أهمية "إدارة
أصول الدولة المصرية واستراتيجيتها الاقتصادية"، معتبرا أنها "قضية متشعبة
الأبعاد، تتجاوز حدود الاقتصاد لتمس مفاهيم السيادة الوطنية، والقدرات الإدارية، والأمن
القومي".
وفي رؤيته التحليلية
تحدث عن "المكاسب والخسائر الاقتصادية، ومفارقة الدين والربح"، مبينا أن
"اللجوء إلى إسناد إدارة وتشغيل البنى التحتية الكبرى (مطارات، موانئ، قطارات)
لشركات أجنبية بعد تطويرها بقروض ضخمة، يضعنا أمام مفارقة اقتصادية معقدة".
استشاري تطوير وتمويل
المشاريع والأوقاف الاستثمارية، لفت إلى أن "المكاسب المحتملة (من وجهة نظر الحكومة)،
تتمثل في جذب الخبرة العالمية، واستيراد كفاءة تشغيلية عالمية، وتطبيق أحدث النظم التكنولوجية
والإدارية، ما يرفع جودة الخدمات ويعزز القدرة التنافسية لهذه المرافق على الصعيدين
الإقليمي والدولي".
وتابع "تتضمن العقود
بنودا تضمن للدولة حصة من الإيرادات بالعملة الصعبة، يوفر مصدرا مستقرا نسبيا للنقد
الأجنبي دون تحمل أعباء التشغيل المباشرة، مع تحسين الصورة أمام المستثمرين، حيث يُنظر
لوجود مشغلين عالميين كعلامة على الانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر
لقطاعات أخرى".
الخسائر والتحديات الجوهرية..
الأعمق أثرا
رئيس "كونسورتيوم
رؤية تي جي إس 2035 "لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تحدث عن "تحميل الدين
على الدولة وجني الربح للأجنبي"، موضحا أنها "نقطة أكثر خطورة"، مبينا
أن "الدولة المصرية (أي الشعب) تتحمل عبء سداد أقساط وفوائد القروض التي تم بها
تطوير هذه الأصول".
ولفت إلى أنه
"في المقابل، الشركة الأجنبية تبدأ عملها من (أرض ممهدة) وبنية تحتية حديثة، وتجني
أرباح التشغيل الصافية"، معتقدا أنه "كان من المنطقي أن توجه هذه الأرباح
التشغيلية، لو أُديرت بكفاءة وطنية، لخدمة الدين نفسه وتخفيف العبء عن الموازنة العامة".
وأشار إلى "استنزاف
العملة الصعبة"، مؤكدا أن "السؤال المحوري عن مصير الإيرادات"، مجيبا
بقوله: "بطبيعة الحال، ستقوم الشركات الأجنبية بتحصيل الإيرادات بالجنيه من السوق
المحلي، ثم تحويل صافي أرباحها إلى عملات صعبة (دولار/يورو) لإرسالها إلى مقارها الرئيسية".
ويرى أنه "في ظل
أزمة شح الدولار التي تعاني منها مصر، فإن هذا الإجراء يمثل ضغطا إضافيا على ميزان
المدفوعات، ويستنزف موارد الدولة من النقد الأجنبي بدلا من أن يضيف إليها".
ولفت ثالثا إلى
"فقدان أصول استراتيجية مدرة للدخل"، مشدد على أن "المطارات والموانئ
ليست مجرد بنى تحتية، بل أصول استراتيجية ذات ربحية عالية ومستمرة، والتنازل عن إيراداتها
التشغيلية لسنوات طويلة (قد تمتد لعقود) مقابل حصة قد تكون محدودة، بمثابة التنازل
عن مصدر دخل سيادي كان يمكن أن يساهم ببناء احتياطيات نقدية قوية".
تآكل الخبرات الوطنية
وصورة مصر الدولية
يرى الخبير المصري أن
"التوجه المستمر نحو الإسناد للأجانب يطرح أسئلة مقلقة حول ثقة الدولة في كوادرها
ومؤسساتها"، مؤكدا أن "مصر تمتلك تاريخا عريقا في إدارة مؤسساتها الكبرى".
وانتقد "المناخ
الطارد للكفاءات، والبيئة الإدارية والبيروقراطية والمناخ العام الذي لا يشجع على بقاء
أفضل الخبرات، التي يهاجر جزء كبير منها ويحقق نجاحات باهرة بالخارج"، مضيفا:
"وبدلا من معالجة أسباب الهجرة واستعادة الكفاءات، يبدو الحل الأسهل باستيراد
الإدارة الجاهزة"، مبينا أن "هذا لا يعالج المشكلة، بل يؤدي إلى تآكل تدريجي
للخبرات المتبقية ويخلق حالة من التبعية الإدارية".
ولفت إلى أن ذلك يصنع
"صورة سلبية عن الكوادر المصرية، ويبعث برسالة سلبية إلى العالم مفادها أن المنظومة
التعليمية والجامعية والتدريبية في مصر غير قادرة على تخريج كوادر تستطيع إدارة أصولها
السيادية بكفاءة، وهو حكم غير دقيق، فالكوادر المصرية تدير بنجاح منقطع النظير مؤسسات
عملاقة بالخليج وأوروبا وأمريكا، والمشكلة إذن ليست (الكفاءة) بل (البيئة)".
ويعتقد أن "تفضيل
الشركات المصرية، كان الأجدى، وإذا كانت هناك رغبة بتطبيق نماذج القطاع الخاص، يتم
إسناد المهام لشركات مصرية وطنية كبرى، أو تحالفات مصرية، مع إمكانية استعانتها بخبراء
أجانب بشكل فردي لنقل المعرفة، وليس تسليم الإدارة بالكامل، فهذا يبقي الأرباح داخل
الاقتصاد ويعزز قوة الشركات الوطنية".
الإدارة الأجنبية والأمن
القومي
ومضى يلفت السيد، إلى
"البعد الأخطر في القضية"، موضحا أن "المطارات والموانئ ليست مجرد مشاريع
اقتصادية، بل بوابات الدولة ونقاط عبورها السيادية، وإسناد إدارتها التشغيلية لشركات
أجنبية يثير مخاوف أمنية واستراتيجية عميقة".
وحول "أمن المعلومات
والبيانات"، تساءل: "من سيتحكم ببيانات المسافرين والبضائع وأنظمة المراقبة؟"،
ملمحا إلى "السيادة على نقاط الدخول والخروج، في أوقات الأزمات السياسية أو الأمنية،
التي قد تتعارض مصالح الشركة الأجنبية (أو الدولة التي تنتمي إليها) مع المصلحة القومية
العليا لمصر"، إلى جانب "التحكم اللوجستي"، مبينا أن "السيطرة
على تشغيل هذه المرافق الحيوية تمنح الطرف الأجنبي التحكم بحركة الأفراد والبضائع،
وهو أمر يمس صميم الأمن القومي".
الأولى بالحكومة
وخلص للقول إن
"سياسة تطوير الأصول بقروض يتحملها الشعب، ثم تسليم إدارتها لشركات أجنبية تجني
الأرباح وتحولها للخارج، استراتيجية محفوفة بمخاطر اقتصادية وسيادية جسيمة، قد تحقق
مكاسب شكلية أو قصيرة المدى في كفاءة التشغيل، لكنها على المدى الطويل تفرّغ الدولة
من أحد أهم مصادر إيراداتها بالعملة الصعبة، وتضعف خبراتها الوطنية، وتثير تساؤلات
مشروعة حول السيادة على أصولها الحيوية".
ويرى أنه "كان
الأولى العمل على إصلاح المناخ الاستثماري والإداري المحلي لخلق بيئة جاذبة للكفاءات
المصرية المهاجرة، وتمكين الشركات الوطنية، مع الاستعانة بالخبرات الأجنبية بشكل انتقائي
ومدروس لنقل المعرفة وليس لتسلم الإدارة".