ملفات وتقارير

اتهامات لترامب باستنزاف المؤسسات وقيادة أمريكا نحو الحكم الفردي

تصدعات خطيرة في ركائز الديمقراطية الأمريكية في عهد ترامب وفق معهد بروكينغز- جيتي
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأ الإيفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه في حملته الانتخابية، وهو "الانتقام" ممن يعتقد أنهم أخطأوا في حقه، بعد أن أصدر أوامر بتفتيش منازل ومكاتب بعض خصومه وملاحقة آخرين قضائيا ضمن سلسلة من التحقيقات أصبحت تثير المخاوف من أن يمارس سلطته لترهيب منتقديه ومن يصفوه بالـ"سلطوي" بشكل غير مسبوق في التاريخ الأمريكي.

إعادة تشكيل مشهد السلطة
يسعى ترامب خلال رئاسته الحالية إلى توسيع سلطته والسيطرة على مؤسسات الولايات المتحدة الرئيسية، والتي تستهدف السلطة التنفيذية، كالقضاء، والإعلام، والكونغرس، إلى جانب التأثير على الأوساط الأكاديمية والشركات الكبرى، حيث استطاع خلال سبعة أشهر فقط من عودته إلى البيت الأبيض في أن يفرض هيمنة واسعة عبر السيطرة على المؤسسات التنفيذية، والتدخل في ساحات متنازع عليها مثل الجيش والكونغرس، ومحاولة إضعاف مؤسسات الرقابة المستقلة، بحسب مقال نشره موقع " أكسيوس "، سلط الضوء على كيفية عمل ترامب وفق استراتيجيات "السيطرة، المواجهة، والمعاقبة" لإعادة تشكيل مشهد السلطة في الولايات المتحدة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مستقبل استقلالية المؤسسات الديمقراطية وقدرتها على مقاومة ضغوط السلطة.


أما حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسوم، فقد حذّر مما وصفه بالخطر الداهم الذي يُهدّد الديمقراطية الأميركية، قائلاً إن:" البلاد على حافة الانزلاق نحو الاستبداد"، وفي كلمة ألقاها خلال مؤتمر "أجندة كاليفورنيا - قمة سكرامنتو" الذي نظّمته صحيفة بوليتيكو ، عبّر نيوسوم عن خشيته من أنّ الرئيس لا ينوي مغادرة السلطة طواعية، قائلاً: "لا أعتقد أنّ دونالد ترامب يريد انتخابات أخرى"، ورأى أنّ مؤسّسات الدولة الفيدرالية، وعلى رأسها أجهزة الهجرة والجمارك وحرس الحدود، باتت تتحرّك وفق أجندة ترامب الخاصة، لا للمصلحة العامّة، مشبّهاً إيّاها بـ"أكبر قوة شرطة خاصة في التاريخ"، لترهيب الداخل الأميركي.


وأكّد نيوسوم أنّ "حكم القانون يُستبدل بحكم الدون"، في إشارة إلى شخصية "الزعيم الفرد" التي يحاول ترامب تجسيدها، محذراً من إمكانية نشر عناصر فيدرالية في مراكز الاقتراع، في مشهد يعيد إلى الأذهان أساليب الأنظمة السلطوية، وكشف نيوسوم أنه تلقّى عشرين قبعة كُتب عليها "ترامب 2028"، في إشارة إلى الدعوات التي يتبنّاها أنصار ترامب لتولّي ولاية ثالثة، وبحسب "بوليتيكو"، قال نيوسوم:" إننا نخسر هذا البلد في الوقت الفعلي".

ثلثا الأمريكيين يعارضون ترشّح ترامب لولاية ثالثة
وفي مؤشّر يعكس تنامي القلق من مشروع التمديد في الحكم عبر وسائل قد تصعد من حدة العنف والجريمة في أمريكا، أظهر استطلاع للرأي أجرته (رويترز/إبسوس)، أنّ 75 بالمائة من الأمريكيين يعارضون ترشّح دونالد ترامب لولاية ثالثة، رغم حظر الدستور ذلك، وسط مخاوف من تراجع مصداقية الولايات المتحدة، كما أكد 57 بالمائة من المستطلعين أن الديمقراطية الأمريكية نفسها مهددة جراء بعض الممارسات في الحياة السياسية.

وفي وقت سابق، اتهم رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك وكالة "رويترز" بتلقي ملايين الدولارات من الحكومة الأميركية لتضليل جمهورها، في حين طالب ترامب الوكالة بإعادة الأموال التي تلقتها من الحكومة الأميركية، وخاصة من وزارة الدفاع.

"نحن لسنا ملكاً لترامب"
وفي مقال على نيويورك تايمز، يرى كاتبه جميل بوي أن الرئيس الأمريكي يتعامل وكأنه ملك للولايات المتحدة، قائلا: إن البيت الأبيض ليس ملكاً لدونالد ترامب، بل هو ملك للولايات المتحدة، والشعب الأمريكي، والرئيس مقيم مؤقت، ولا تدوم ملكيته للمبنى إلا مدة ولايته، وهو ما ينص عليه الدستور"، ويضيف الكاتب إن: "ادعاء ترامب بملكية السلع العامة والأماكن العامة ليس نزوة يمكن تجاهلها أو انتظارها، بل هو تعبير مباشر عن طموحاته الاستبدادية وعقليته الاستبدادية".

وبشأن رغبة ترامب الملحة في الحصول على جوائز مثل نوبل للسلام، قال الكاتب فرانك بروني في مقال بصحيفة نيويورك تايمز، حمل عنوان ساخرًا "أعطوا ترامب جوائز نوبل وإيمي وأوسكار"، حيث اقترح الكاتب إشغال ترامب بـ"الجوائز والكؤوس والميداليات والشهادات، كي لا يجد وقتاً لتجريد الفقراء من تأمينهم الصحي، والمهاجرين من إنسانيتهم، والقضاء من نزاهته، وأمريكا من الديمقراطية".

الانزلاق باتجاه حكم الفاشية
وفي مقال رأي نشرته مجلة "نيوزويك" الأمريكية بعنوان "البيت يحترق، وقيادة الديمقراطيين ما زالت تناقش لون الطلاء"، حذّر رائد الأعمال التقنية الأمريكي كريستوفر بوزي من أن العالم يراقب أمريكا وهي تسقط، وتنزلق باتجاه حكم الفاشية خلال أقل من سبعة أشهر من حكم الرئيس دونالد ترامب، وبلا أي مقاومة تُذكر دفاعا عن الدستور.

وقال بوزي إن وزارة العدل الأمريكية أصبحت سلاحًا موجهًا من إدارة ترامب ضد كل من يجرؤ على المعارضة، حيث يتم استهداف المسؤولين المنتخبين الذين يُعبّرون عن آرائهم، وتُجبر شركات المحاماة على الخضوع، وشبكات التلفزيون على الركوع تحت وطأة التهديدات.

وشدد الكاتب على أن ما يجري ليس تهديدا محتملا، بل واقع قائم، وأن ترامب استغل مؤسسات الدولة الفدرالية سلاحا لتجميد منح بمليارات الدولارات، ومهاجمة الحرية الأكاديمية، وإسكات الأصوات المعارضة، في حين يكتفي الديمقراطيون بالبيانات القوية على الورق، لافتا إلى أن زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز اعترف علنا بأنه لا يعرف ما الأدوات المتاحة لمواجهة ترامب.

ترامب يتغذى على مخاوف البيض
ومع طموح ترامب بعهد جديد "ثالث" في البيت الأبيض، حرص على انتقاء الدائرة المحيطة به عبر اختيار شخصيات تتسم بالتطرف والعنصرية، خاصة وأن نفوذ ترامب يتغذى على مخاوف البيض الديموغرافية من فقدان وضعهم كأغلبية وما يمنحهم ذلك من نفوذ، وهم بالتالي يدعمون سياسات الرئيس دونالد المناهضة للهجرة وفق ما جاء بمقال للصحفي جيمس رايزن نشره موقع إنترسبت، وأشار فيه إلى أن مخاوف البيض وسلطتهم هي نفس الدوافع التي سبق وأشعلت الحرب الأهلية.

مخاوف دفعت بالبعض لتأييد خطابه ترامب أمام الكونغرس في 4 آذار/مارس 2025، حين أعلن عما سماه بـ"العصر الذهبي لأمريكا"، متباهياً بإجراءاته الحدودية وإلغاء سياسات "الصحوة"، ودعوته لجعل الإنكليزية اللغة الرسمية، وإعادة تسمية خليج المكسيك بـ"خليج أمريكا"، خطابات وصفت بالشعبوية، وارتبطت بزيادة جرائم الكراهية بنسبة 20 بالمائة في مناطق تجمعاته الانتخابية.


الصعود للكونغرس على سلم الكراهية
بعض السياسيين الراغبين في الوصول إلى الكونغرس، أدركوا بأن أقصر طريق لحجز مقعد نائب في البرلمان الأمريكي، هو التصعيد من نبرة خطاب الكراهية، فالنتينا جوميز، المؤيدة لترامب والمشجعة لحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا"، والمرشحة الجمهورية للكونغرس من تكساس، مثال على ذلك، ففي 25 آب/أغسطس 2025، نشرت فيديو تظهر فيه وهي تحرق نسخة من القرآن الكريم بمدفع لهب، مصحوبة بتصريحات مثل "يجب إيقاف الإسلام نهائياً" و"أمريكا أمة مسيحية"، سبقتها بمواقف أكثر عنصرية عبر مهاجمتها للمهاجرين بلغة مهينة، كما بثت مقطعا مصورا تحاكي فيه إعدام مهاجر من خلال إطلاق النار على رأس دمية، وهو ما أثار موجة من الاستهجان بحسب صحيفة الإندبندنت البريطانية، حيث رفض كثيرون استخدام الكراهية العمياء للترويج سياسيا.


أما وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، فقد تم ترشيحه لمنصب وزير الدفاع جاء كجزء من رؤية ترامب لتعيين شخصيات متشددة في إدارته الجديدة بحسب صحيفة نيويورك تايمز، التي وصفت هذا التعيين بمثابة استعراض قوة، رغم الجدل الكبير بشأن مؤهلاته وتاريخه المثير، فيما تعمد هيغسيث على ما يبدوا، الكشف عن وَشم على ذراعه وقد كتب كلمة "كافر" باللغة العربية خلال مشاركته في التدريبات مع الجنود أثناء زيارته إلى قاعدة بيرل هاربر-هيكام في أواخر آذار/مارس الماضي، كما يحمل وشمًا ذو رمز تاريخي مرتبط بالحروب الصليبية بحسب ما أوردته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.


وبغض النظر عما تسببت به الولايات المتحدة من مآسي في العالم جراء شنها حروبا على الدول أسفرت عن مقتل مئات الآلاف, إلا أنها على ما يبدوا تتجه نحو خسارة أبرز ما يميزها، ألا وهو الـ"ديمقراطية" التي باتت في خطر الاندثار بحسب مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية للأكاديمية الأميركية كيمبرلي كرينشو.