سوريا بين "الترند" والمؤسسية

علاء خليل
"إعادة ترميم سلّم القيم السوري الذي نال منه الخراب"- الإخبارية السورية
"إعادة ترميم سلّم القيم السوري الذي نال منه الخراب"- الإخبارية السورية
شارك الخبر
ما بين شاشة الهاتف وواقع الشارع السوري، يتخلّق عالمٌ كامل من الوهم والهياج؛ عالمٌ تُمسك بزمامه خوارزميات صمّاء، وتتنافس فيه أجندات متباينة على بورصة الوعي العام. حين تفحص المشهد السوري اليوم، تجد نفسك أمام ظاهرة عاتية تجاوزت حدود التواصل الافتراضي لتستحوذ على القرار السياسي والمزاج المجتمعي: إنها سطوة "الترند".

تتداعى الموجات الرقمية وتتسارع، يميناً وشمالاً، فينساق خلفها الناس والمسؤولون على حدٍّ سواء، وكأن المجتمع سُلِب بوصلته، وصار يُقاد بحبال من الشائعات والاستنفار الشعوري اللحظي. قضية كبرى تُطمس في طيات نسيان خاطف، بينما تقوم الدنيا ولا تقعد من أجل مجرد سجال افتراضي عابر.

شرعية الغضب.. ومسارات الاستدراج

لا يمارس العقل مكابرةً حين يقرّ بأن كثيراً من هذه الفورات الرقمية ينبت في تربة من الوجع الصادق. فالمرارة التي تجرّعها السوريون، وضغوط المعيشة، والقصور الإداري المشهود؛ كلها تنبت في تربة مطالباتٍ حقّة وأشواق أصيلة نحو الكرامة والعدالة، إلا أن المحنة الجسيمة تكمن في المسار الذي تُستدرج إليه هذه الحقوق.

تقف على أطراف هذا الضجيج جهات تتربص بالبلاد، وأجندات تقتات على الدموع والعثرات. فتنشط جيوش إلكترونية وحسابات موجّهة لتصنيع الزيف، ولتحويل المطالب العادلة إلى وجبات دسمة من العدمية، أو لتصريف الضغط الشعبي في معارك جانبية لا تمسّ جوهر البلاء

تقف على أطراف هذا الضجيج جهات تتربص بالبلاد، وأجندات تقتات على الدموع والعثرات. فتنشط جيوش إلكترونية وحسابات موجّهة لتصنيع الزيف، ولتحويل المطالب العادلة إلى وجبات دسمة من العدمية، أو لتصريف الضغط الشعبي في معارك جانبية لا تمسّ جوهر البلاء. ويغدو الحق الصريح ذريعة، ويتوارى الأمل لصالح مزايدات لا تُبقي ولا تذر.

ارتباك الإدارة وانحسار المؤسسة

في الكفة الأخرى من الميزان، تتجلى الاستجابة الرسمية في صورة مداهنة مرتبكة وهشاشة تسعى لامتصاص الصدمة دون علاج السبب. إن مجرد الجري خلف المنشورات والعدو المتواصل لإطفاء الحرائق الرقمية يكشف عن غياب الرؤية الهيكلية، ويهوي بهيبة المؤسسة إلى حضيض انفعالي لا يليق بدولة ترنو نحو النهوض.

إن افتقار السلوك الحكومي إلى الهدوء المؤسسي، وحصر وظيفة المسؤول في الرد على هاشتاغ أو استرضاء موجة غضب افتراضية، ينحدر بالعمل العام إلى شعبوية مكشوفة. فالدولة الحصيفة لا تدار بالانفعالات ولا تخضع لغوغائية المنصات، وإنما تبني أركانها على الحكمة والتخطيط الرصين الذي يزن الأمور بموازين الثبات لا بأهواء الساعة.

طوق النجاة الوهمي: سطوة المؤثرين

على هامش هذا الارتباك، يتصدر المشهدَ جمعٌ من "المؤثرين" وصناع المحتوى. ولئن صفا لبعضهم القصد ورفعوا لواء النقد، فإن المنطق التفاهي الذي تحكمه قوانين المنصات يحوّلهم في كثير من الأحيان إلى عائق حقيقي يكبّل القرار الوطني.

لقد أضحى النقد السطحي والتكسب بالصراخ بديلاً عن الرأي الناضج والتحليل الرصين. وليس لأي سلطة تسعى لامتلاك المستقبل أن ترهن خياراتها لصوت مرتفع على شاشة، أو لبث مباشر يقتات على إثارة العواطف؛ فإصلاح الدول لا يُستجدى من نجوم الشبكات، بل يُنسج بأيدي أهل الخبرة والنظر العميق.

تجاوز هذه المحنة الافتراضية يتطلب حراكاً استراتيجياً متكاملاً، يعيد العقل إلى موقع الصدارة، ويضع المؤسسات في موقعها الطبيعي لقيادة المجتمع

نحو أفق جديد: بناء الوعي ورد الاعتبار للمؤسسة

إن تجاوز هذه المحنة الافتراضية يتطلب حراكاً استراتيجياً متكاملاً، يعيد العقل إلى موقع الصدارة، ويضع المؤسسات في موقعها الطبيعي لقيادة المجتمع. وتغدو الحاجة ملحّة لصياغة تكاتف وثيق بين المؤسسات المعنية بوعي الناس، وفي مقدمتها الإعلام والأوقاف والثقافة، وبين عقول الأمة ونخبها المخلصة.

يتوجب على الخطاب الإعلامي أن يتحرر من منطق الانفعال والدفاع الكسيح إلى رحابة التوجيه الواعي والهادف، وعلى المؤسسة الدينية والثقافية أن تستعيد دورها الأصيل في تحصين المجتمع من الانقسامات الخاوية، وفي إعادة ترميم سلّم القيم السوري الذي نال منه الخراب.

وهذا يقتضي، في الحد الأدنى، وحدة رصد متكاملة تنسّق بين الإعلام والأوقاف والثقافة، وميثاقاً مهنياً لصنّاع المحتوى، وإصلاحاً في خطاب المؤسسة الدينية.

وحين يستعيد العمل المؤسسي وقاره، وتنصرف الدولة إلى العمل الممنهج الصامت بعيداً عن صخب الشبكات ومزايدات الشاشات، حينها فقط ينجو المجتمع من أَسْر "الترند"، وتضع سوريا قدمها بثبات على طريق التعافي والكرامة والمستقبل.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)