أعاد المفكر
المغربي والرئيس السابق للاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين،
أحمد الريسوني، الجدل بشأن العلاقة بين المغرب
وموريتانيا، بعدما جدد في
تصريحات صحفية، تمسكه باعتبار
موريتانيا جزءا من المغرب
من الناحية التاريخية، قائلا إنه يقصد موقفه حرفيا لا مجازا، ومعتبرا أن فرنسا
أسهمت في إنشاء الدولة الموريتانية بصيغتها الحالية.
وأثارت التصريحات الجديدة ردود فعل
موريتانية سياسية وإعلامية، أعادت إلى الواجهة مسألة السيادة الوطنية وحدود
الاستدلال بالروابط التاريخية والبيعات القديمة في تحديد تبعية الدول المعاصرة.
وبينما دعا سياسيون وكتّاب موريتانيون إلى تفنيد ما وصفوه برواية غير ثابتة
تاريخيا، ذهب آخرون إلى المطالبة باعتذار رسمي مغربي، في حين شدد متدخلون على
ضرورة عدم الخلط بين تصريحات الريسوني والموقف الرسمي للرباط.
الريسوني: موريتانيا لم يكن لها وجود تاريخي
وعاد الريسوني إلى التصريحات التي أثارت
أزمة عام 2022، وقال إن موريتانيا لم تكن كيانا مستقلا في التاريخ باسمها الحالي
أو باسم "شنقيط"، وإن فرنسا هي التي صنعت الدولة الموريتانية الحديثة
ونصّبت المختار ولد داداه على رأسها، وفق روايته.
واستحضر الريسوني في حديثه موقف المغرب من
استقلال موريتانيا، مشيرا إلى أن الرباط تأخرت في الاعتراف بها، وأن الخلاف
السياسي انتهى لاحقا بالاعتراف المغربي باستقلالها، لكنه رأى أن ذلك لا ينهي، من
وجهة نظره، الخلاف بشأن القراءة التاريخية للعلاقة بين البلدين.
كما قال إن بعض الموريتانيين الذين يلتقيهم
يعبّرون، بحسب روايته، عن اعتقادهم بأن موريتانيا مغربية، مستشهدا بشخص لم يسمّه
قال إنه يسأله عند لقائه: "متى ستستعيدوننا؟".
وفي معرض رده على الانتقادات المحتملة، شدد
الريسوني على أنه لا يتحدث بصفته مسؤولا حكوميا أو دبلوماسيا، قائلا: :أنا لست
سفيرا ولا وزير خارجية"، ونفى أن يكون يدعو إلى اجتياح موريتانيا، مع تأكيده
تمسكه بما يعتبره قراءة تاريخية للمنطقة.
وتظل هذه التصريحات، بما تتضمنه من أحكام
بشأن نشأة موريتانيا وتاريخها، منسوبة إلى الريسوني وقراءته الخاصة؛ ولا تمثل بحد
ذاتها موقفا رسميا مغربيا، كما أن الاستشهاد بوقائع تاريخية أو ببيعات محلية لا
يحسم وحده مسألة السيادة السياسية والقانونية على دولة معاصرة.
محمد جميل منصور: التبعية التاريخية غير
ثابتة
وكان من أبرز الردود الموريتانية موقف
السياسي والمفكر الإسلامي محمد جميل منصور، رئيس حزب جبهة المواطنة والعدالة "جمع"،
الذي انتقد إصرار الريسوني على تكرار تصريحاته، متسائلا عن الأسس العلمية
والتاريخية التي يستند إليها.
وقال منصور، في تدوينة نشرها على منصة
"فيسبوك"، إن وجود موريتانيا الحالية بوصفها جزءا من الدولة المغربية
غير ثابت تاريخيا، مشيرا إلى أن البيعات التي قدمتها بعض المناطق الموريتانية
لسلاطين المغرب لا تكفي لإثبات تبعية البلاد بكاملها للسلطنة المغربية.
كما رفض منصور وصف الرئيس الموريتاني المؤسس
المختار ولد داداه بأنه "صنيعة استعمارية"، معتبرا أن إطلاق مثل هذا
الحكم مجازفة لا تنسجم مع التحري التاريخي. وأكد أن حداثة نشأة بعض الدول لا تنزع
عنها شرعيتها، مثلما أن القدم التاريخي لا يمنح دولة حقا تلقائيا في أراضي دولة
أخرى.
ودعا منصور إلى ترك البحث في هذه القضايا
لأهل الاختصاص في الجامعات وأقسام التاريخ، محذرا من حساسية تصريحات الشخصيات
العامة وما يمكن أن تتركه من آثار عندما تتداولها وسائل الإعلام.
ولد الفاضل يطالب باعتذار رسمي
وفي رد أكثر حدة، اعتبر الكاتب الموريتاني
محمد الأمين ولد الفاضل أن تجديد الريسوني تصريحاته بعد الجدل الذي أثارته عام
2022 يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها زلة لسان عابرة.
وفي مقال نشره موقع "أقلام" في 25
تشرين الأول/أكتوبر بعنوان "هذه لم تعد زلة لسان، ولا بد من اعتذار رسمي"، رأى ولد
الفاضل أن تأكيد الريسوني تمسكه بموقفه القديم يضفي على التصريحات طابعا متعمدا،
وطالب باعتذار رسمي من جهة مغربية رسمية عن التصريحات القديمة والجديدة.
كما ربط الكاتب توقيت التصريحات بما وصفه
بحملة إعلامية تستهدف موريتانيا في بعض الأوساط المغربية، محذرا من أن تكرار
الحديث عن تبعية البلاد قد يشجع الخطاب المتشدد ويزيد التوتر بين البلدين. وهذه
القراءة تمثل موقف الكاتب وتقديره السياسي، ولا تثبت بمفردها وجود حملة منظمة أو
تبني مؤسسات مغربية رسمية لتلك التصريحات.
زينب التقي وأحمد سالم ولد ما يأبى: السيادة
والعلاقات الثنائية
وامتدت ردود الفعل إلى النائبة الموريتانية
زينب التقي، التي انتقدت تصريحات الريسوني واعتبرتها مساسا بسيادة موريتانيا
وإساءة قد تضر بالعلاقات بين البلدين، داعية إلى وضع حد لتكرارها.
من جهته، انتقد الكاتب والأكاديمي والمحامي
أحمد سالم ولد ما يأبى إثارة مطالب تاريخية بشأن أراضٍ قال إن الدولة المغربية
نفسها لا تطالب بها. وفي الوقت ذاته، دعا إلى الحفاظ على
علاقات الجوار بين
موريتانيا والمغرب والجزائر، وعدم السماح لمواقف فردية بتقويض العلاقات بين الشعوب.
وتكشف هذه المواقف عن اتجاهين متداخلين في
الرد الموريتاني: الأول يركز على تفنيد رواية الريسوني تاريخيا ورفض المساس بشرعية
الدولة وسيادتها، والثاني يحذر من انتقال السجال إلى مستوى يضر بالعلاقات
الثنائية، مع التأكيد على أن تصريحات الأفراد لا ينبغي أن تُحمّل تلقائيا للدول
التي ينتمون إليها.
من أزمة 2022 إلى تجدد السجال في 2026
ولا تأتي تصريحات أكتوبر 2026 من فراغ؛ ففي
آب/أغسطس 2022 أثار الريسوني جدلا واسعا بعدما وصف وجود موريتانيا بأنه "غلط"،
وربطها تاريخيا بالمغرب، في تصريحات صدرت عندما كان رئيسا للاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين.
وأعقبت ذلك ردود موريتانية غاضبة، قبل أن
يعلن الريسوني استقالته من رئاسة الاتحاد في نهاية الشهر نفسه، مع تمسكه بمواقفه.
وفي التصريحات الجديدة، عاد إلى تلك المرحلة، وقال إن الضغوط التي أعقبت تصريحاته
بشأن موريتانيا والصحراء والحدود التاريخية للمغرب كانت من أسباب مغادرته الاتحاد،
متحدثا عن دور قال إن جهات جزائرية اضطلعت به للضغط عليه.
بين السجال التاريخي والسيادة القائمة
وتتمثل نقطة الخلاف الجوهرية في محاولة
الانتقال من الروابط التاريخية والبيعات التي شهدتها بعض مناطق المنطقة إلى
استنتاجات بشأن تبعية سياسية معاصرة. غير أن تلك الوقائع، حتى حين تكون موثقة،
تحتاج إلى وضعها في سياقها التاريخي، ولا تشكل وحدها دليلا حاسما على أن دولة
حديثة كانت جزءا من دولة أخرى.
فقد أعلنت موريتانيا استقلالها عن فرنسا في
28 تشرين الثاني/نوفمبر 1960، وانضمت إلى الأمم المتحدة في 1961، فيما اعترف
المغرب باستقلالها عام 1969 بعد سنوات من الخلاف السياسي. وهذه الوقائع تضع
تصريحات الريسوني في سياق خلاف حول تفسير التاريخ، لكنها لا تغير الوضع الدولي
القائم لموريتانيا بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة.
وبينما يصر الريسوني على الفصل بين قراءته
التاريخية والواقع السياسي القائم، يرى منتقدوه أن تكرار الحديث عن أن موريتانيا
جزء من المغرب يتجاوز النقاش الأكاديمي إلى مسألة تمس شرعية الدولة وسيادتها. ويضع
هذا التباين العلاقات بين البلدين أمام اختبار حساس: كيف يمكن احتواء تصريحات
فردية مثيرة للجدل، مع الحفاظ على حق النقاش التاريخي من جهة، واحترام الحدود
والسيادة والعلاقات الثنائية من جهة أخرى؟
اظهار أخبار متعلقة