تواجه
إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة مع استمرار الحرب والحصار البحري الأمريكي على موانئها، ما أدى إلى تراجع صادرات النفط وخسارة مليارات الدولارات من الإيرادات، بالتزامن مع ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة ونقص الوقود والكهرباء. ومع ذلك، لا تظهر مؤشرات واضحة حتى الآن على أن الأزمة الاقتصادية دفعت القيادة الإيرانية إلى تغيير موقفها أو العودة إلى طاولة المفاوضات.
ونشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريرًا للصحافيتين سوزانا جورج وأصل عباسيان، قالتا فيه إن الحصار البحري الأمريكي، الذي أعيد فرضه قبل شهرين، أدى إلى خنق صادرات النفط الإيرانية وحرمان
طهران من إيرادات حيوية، كما هدد بتقليص احتياطيات العملة الصعبة اللازمة لتمويل الواردات.
وفي الداخل، يعاني الإيرانيون من نقص في البنزين والكهرباء، إلى جانب تضخم تجاوز 80% لعدة أشهر، فيما تراجع الريال إلى مستوى قياسي جديد هذا الشهر، متجاوزًا 2.3 مليون ريال مقابل الدولار الواحد.
ورغم ذلك، أشارت الصحيفة إلى عدم وجود دلائل تذكر على تحول الضغوط الاقتصادية إلى ضغط سياسي كافٍ لدفع القيادة الإيرانية إلى التفاوض وإنهاء الحرب.
اظهار أخبار متعلقة
وتواصل طهران التشدد بشأن مضيق هرمز، وهو موقف ساهم، بحسب التقرير، في انهيار محادثات كانت مقررة في سلطنة عمان الأسبوع الماضي، فيما تواصل القوات الإيرانية مهاجمة سفن تتجاهل تحذيراتها وتسلك المسار المدعوم أمريكيًا عبر المضيق.
ونقلت الصحيفة عن إيرانيين تحدثوا بشرط عدم الكشف الكامل عن هوياتهم خشية الانتقام، قولهم إن ارتفاع الأسعار بات يفرض ضغوطًا متزايدة على حياتهم اليومية. وقالت مينا، وهي عاملة في مقهى شرق طهران، إن الأسعار ترتفع بسرعة تحول دون قدرتها على الادخار أو التخطيط للمستقبل.
حصار وعقوبات
وأطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في آب/أغسطس حملة ضغط اقتصادي جديدة على إيران، تضمنت موجة من العقوبات تحت اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي"، بعد عدم تحقيق نصر حاسم عبر الوسائل العسكرية. لكن محللين نقلت عنهم الصحيفة يرون أن التدهور الاقتصادي الأخير يرتبط بصورة أكبر بالحصار البحري الذي أعيد فرضه في تموز/يوليو.
وتعهد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بقطع "كل شريان حياة اقتصادي" يربط إيران بالنظام المالي العالمي، عبر فرض عقوبات على شركائها التجاريين، فيما طالت إجراءات أمريكية كيانات في الإمارات وتركيا وروسيا.
وفي المقابل، قال إسفنديار باتمانغليج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "بورصة آند بازار" البحثية ومقرها لندن، إن إيران أجرت خلال العقود الماضية تغييرات هيكلية في اقتصادها بهدف الحد من تأثير الضغوط الخارجية.
وشبه باتمانغليج الاقتصاد الإيراني بملاكم يواجه خصمًا أقوى منه، لكنه يحاول الصمود على مدى 12 جولة، مؤكدًا أن السلطات تدرك حجم الضربات التي يتلقاها الاقتصاد، لكنها تراهن على البقاء والصمود ثم الرد في الوقت المناسب.
ويرى مياد مالكي، الذي عمل سابقًا في ملف سياسة العقوبات بوزارة الخزانة الأمريكية ويعمل حاليًا في مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات"، أن العقوبات وحدها كانت ستحتاج إلى سنوات لإلحاق ضرر كبير بالقيادة الإيرانية، مضيفًا أن الحصار البحري "يسرّع بشكل فعلي من تأثير العقوبات".
خسائر النفط وضغوط العملة
وتضرر الاقتصاد الإيراني بشدة جراء أشهر من الحرب مع
الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ لحقت أضرار بآلاف المباني أو دُمرت بفعل عشرات الآلاف من الغارات الجوية، كما أثرت الهجمات على البنية التحتية في معدلات البطالة. وكان صندوق النقد الدولي قد توقع في تموز/يوليو انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% خلال العام المقبل.
وتخسر إيران، وفق التقرير، مليارات الدولارات من الإيرادات شهريًا بسبب الحصار. وبعدما واصلت تصدير ملايين براميل النفط يوميًا خلال المراحل الأولى من الحرب، تقتصر قدرتها حاليًا على تصدير نحو 250 ألف برميل يوميًا عبر الطرق البرية والسكك الحديدية، وفق بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في بيانات الشحن البحري.
وفي محاولة لتعويض جزء من خسائر الإيرادات، أعلنت طهران هذا الشهر خططًا لتقليص الدعم المخصص للبنزين المستورد، ما أدى إلى مضاعفة تكلفة بعض أنواع الوقود للمستهلكين، ودفع مواطنين إلى التهافت على محطات الوقود قبل تطبيق الزيادة.
وأفاد مواطنون بانتشار أمني مكثف في محطات الوقود ومواقع أخرى عقب الإعلان، فيما تخشى السلطات من تجدد احتجاجات اقتصادية سبق أن اندلعت قبل الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وقال حميد، وهو سائق لدى خدمة "سناب" الإيرانية لطلب سيارات الأجرة، إن الحكومة لا تقدم المساعدة للسكان، بل "تتسبب في زيادة تكلفة كل شيء".
طهران ترفض الرضوخ
وصفت وزارة الخارجية الإيرانية الإجراءات الأمريكية بأنها "إرهاب اقتصادي"، وتعهدت بعدم الرضوخ للضغوط. وفي الوقت نفسه، واصلت إيران مهاجمة السفن في مضيق هرمز، بينما صعد الحوثيون في اليمن، حلفاؤها، هجماتهم على السعودية وتقدموا في محيط مضيق باب المندب، بحسب التقرير.
اظهار أخبار متعلقة
وقال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، عبر منصة "إكس"، إن واشنطن إذا أرادت الخروج من "المأزق الذي أوجدته لنفسها" وتجنب مزيد من التورط، فعليها قبول حقوق إيران وشروطها.
كما أبدى مسؤولون إيرانيون استعدادهم للعودة إلى مذكرة تفاهم وقعها ترامب ونظيره الإيراني في حزيران/يونيو، وتفسرها طهران باعتبارها اعترافًا بسيطرتها على مضيق هرمز.
وحافظت إيران على جزء من إيراداتها من خلال بيع النفط الذي سبق أن صدرته. وبين منتصف حزيران/يونيو ومنتصف تموز/يوليو، وخلال هدنة استمرت 60 يومًا، صدرت أكثر من 60 مليون برميل من النفط عبر موانئها، وفق تقديرات محللين متخصصين في سوق النفط.
ومنذ ذلك الحين، تراجع المخزون إلى نحو 30 مليون برميل موجودة في صهاريج تخزين عائمة، وتبيعها إيران تدريجيًا بمعدل نحو نصف مليون برميل يوميًا، وفق إحصاءات يتابعها مالكي.
هل تقود الأزمة إلى انهيار اقتصادي؟
مع تراجع عائدات النفط، تتقلص قدرة إيران على تمويل الواردات ونفقات الدولة، بما في ذلك رواتب قوات الأمن، وفق غريغوري برو، المحلل المختص بالشأن الإيراني في مجموعة "أوراسيا".
وقال برو إن إيران "تتجه نحو أزمة حادة" في احتياطيات النقد الأجنبي، وإن غياب عائدات النفط قد يؤدي إلى أزمة كبيرة في ميزان المدفوعات، لكنه أشار إلى أن وقوع هذه الأزمة ليس حتميًا.
ولفت التقرير إلى أن صادرات النفط الإيرانية اقتربت من الصفر عام 2019، بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي وفرضه عقوبات ضمن حملة "الضغط الأقصى". ورغم توقعات المحللين آنذاك بانهيار اقتصادي وشيك، تعافى الاقتصاد الإيراني لاحقًا واستأنف النمو بحلول 2023.
وقال برو إن النظام الإيراني "تأقلم مع مثل هذه الأزمات الاقتصادية في الماضي".
لكن الضغوط باتت تنعكس بوضوح على حياة الإيرانيين، إذ قالت هيفا، وهي صانعة محتوى تبلغ 40 عامًا من غرب طهران، إن ارتفاع الأسعار دفع أسرتها إلى تقليص مشتريات المواد الغذائية، والتوقف عن شراء اللحوم الحمراء والفواكه.
وأضافت أن كيس القهوة أصبح يكلف أربعة أضعاف سعره قبل عام، فيما ارتفع سعر خبز "السنغك" الإيراني التقليدي إلى ستة أمثال سعره السابق، معتبرة أن العقوبات "تستهدف سبل عيش الناس أكثر مما تضغط على أصحاب السلطة".