هرمز يخنق الخليج.. من يملك خطة (ب) لتصدير النفط ومن يُحاصر؟

الكويت وقطر فتعتمدان بدرجة أكبر على حلول مؤقتة - جيتي
الكويت وقطر فتعتمدان بدرجة أكبر على حلول مؤقتة - جيتي
شارك الخبر
لم يعد حصار مضيق هرمز مجرد أزمة تعطل طريقًا رئيسيًا لنقل النفط والغاز، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة دول الخليج على تصدير طاقتها إذا طال اضطراب الملاحة، ومع استمرار القيود على حركة السفن وارتفاع المخاطر في الخليج والبحر الأحمر، بدأت الفروق بين الدول التي بنت خلال السنوات الماضية طرقًا بديلة لتصدير النفط، وتلك التي لا تزال تعتمد بصورة أكبر على المضيق، تظهر بوضوح.

لكن التطورات الأخيرة حملت مفارقة جديدة، فحتى البدائل التي بدت أكثر أمانًا لم تعد بمنأى عن الهجمات، ففي أحدث تطور حتى 14 أيلول /سبتمبر، أُغلقت مؤقتًا منظومة خط النفط السعودي شرق-غرب بعد هجوم بطائرات مسيرة، في وقت يواجه فيه البحر الأحمر وباب المندب بدورهما تهديدات متزايدة، ودفعت هذه التطورات أسعار النفط إلى أكثر من 107 دولارات للبرميل، فيما تراجعت حركة السفن في هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى مستويات أقل كثيرًا من متوسط الأيام العشرة السابقة.

وهكذا، أصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد تحديد الدول التي لديها أنابيب بديلة: من يستطيع إخراج نفطه بعيدًا عن هرمز، وهل يستطيع الحفاظ على هذا الطريق إذا امتدت الحرب إلى الممرات البديلة؟

السعودية.. أقوى بديل تعرض للاختبار

كانت السعودية تبدو في مقدمة دول الخليج القادرة على تجاوز أزمة هرمز بفضل خط شرق-غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتبلغ الطاقة التصميمية للمنظومة نحو 5 ملايين برميل يوميًا، بينما أعلنت أرامكو في 2025 رفع الطاقة إلى 7 ملايين برميل يوميًا، مع بقاء التساؤلات حول قدرة المنظومة على المحافظة على هذا المستوى بصورة مستدامة.

وقدرت وكالة الطاقة الدولية في وقت سابق من 2026 أن هناك ما بين 3 و5 ملايين برميل يوميًا من الطاقة الاحتياطية القابلة للاستخدام، بحسب ظروف التشغيل وقدرة منشآت التصدير على الساحل الغربي.

اظهار أخبار متعلقة


وكان هذا الخط قد لعب دورًا مهمًا بالفعل منذ بداية أزمة هرمز، فقد رفعت السعودية صادراتها من ميناء ينبع من نحو مليوني برميل يوميًا قبل الحرب إلى أكثر من 5 ملايين برميل يوميًا في أوائل حزيران / يونيو، بحسب وكالة الطاقة الدولية، في محاولة لتعويض جانب من التدفقات التي لم تعد قادرة على المرور عبر المضيق.

لكن الصورة تغيرت خلال الأيام الأخيرة، فقد أدى هجوم بطائرات مسيرة إلى إغلاق خط شرق-غرب مؤقتًا، وسط تقديرات بأن الخط كان ينقل نحو 4 ملايين برميل يوميًا قبل الهجوم، أي ما يعادل نحو 4 بالمئة من الإمدادات العالمية.

وقالت رويترز إن المخزونات الموجودة في ينبع ومواقع التخزين الأخرى على ساحل البحر الأحمر والمتوسط محدودة، وقد لا تكفي سوى لعدة أيام إذا استمر توقف الخط، بينما تتراوح تقديرات إصلاح الأضرار بين أيام وستة أسابيع.

وهنا تظهر المشكلة الجديدة: السعودية لديها خطة ب، لكن الطريق البديل نفسه أصبح عرضة للخطر، فحتى إذا خرج النفط من شرق المملكة إلى ينبع، يبقى أمامه البحر الأحمر وباب المندب للوصول إلى الأسواق الآسيوية، في وقت أعلنت فيه جماعة الحوثي تقدمها في مناطق قريبة من باب المندب، الأمر الذي يزيد تكلفة التأمين والشحن ويجعل الطريق الغربي أقل أمانًا مما كان يُفترض.

الامارات.. طريق الفجيرة يمنحها مساحة للمناورة

الامارات تتمتع بوضع مختلف نسبيًا، بفضل خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام الذي ينقل النفط من حقول حبشان إلى الفجيرة على خليج عمان، خارج مضيق هرمز.

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن الطاقة الحالية للخط تقترب من 1.8 مليون برميل يوميًا، فيما تصدر الامارات نحو 1.1 مليون برميل يوميًا من خامها المحلي عبره، ما يترك مجالًا يصل إلى نحو 700 ألف برميل يوميًا من التدفقات الإضافية في حال إغلاق المضيق.

كما تمتلك الامارات بنية تخزين كبيرة في الفجيرة، من بينها منشأة تخزين تحت الأرض تبلغ طاقتها نحو 42 مليون برميل، وهو ما يمنحها مرونة إضافية في التعامل مع اضطراب الصادرات، وكانت وكالة الطاقة الدولية قد رصدت ارتفاع صادرات الامارات الإجمالية إلى نحو 4.3 ملايين برميل يوميًا في أوائل حزيران / يونيو، مقارنة بنحو 1.9 مليون برميل يوميًا في مارس، مع استخدام مجموعة من المخزونات وخطوط الأنابيب والمسارات البحرية البديلة.

لكن الامارات ليست بمعزل عن المخاطر، فالفجيرة نفسها تعرضت خلال الأزمة لتهديدات وهجمات، كما أن جزءًا من صادراتها لا يزال يعتمد على المرور البحري في بيئة إقليمية مضطربة.

لذلك يمكن القول إن الامارات تمتلك واحدًا من أفضل المخارج من هرمز، لكنها لا تمتلك طريقًا محصنًا بالكامل من تداعيات الحرب.

الكويت.. نفط كثير ومخرج محدود


الوضع الكويتي أكثر حساسية، فبيانات وكالة الطاقة الدولية عن 2025 تظهر أن نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من الخام الكويتي، إضافة إلى 970 ألف برميل يوميًا من المنتجات النفطية، كانت تمر عبر هرمز. وهذا يعني أن المضيق كان جزءًا أساسيًا من منظومة تصدير الطاقة الكويتية.

ولا تمتلك الكويت خط أنابيب نفطيًا تشغيليًا مماثلًا لخط السعودية إلى البحر الأحمر أو خط الامارات إلى الفجيرة، ولذلك لجأت خلال الأزمة إلى حلول أكثر تعقيدًا، بينها عمليات نقل من سفينة إلى أخرى خارج المضيق، إضافة إلى الاستفادة من التحسن الجزئي في حركة السفن.

وأظهرت بيانات نقلتها مصادر متخصصة في أيلول سبتمبر أن صادرات الكويت من الخام اقتربت من مليون برميل يوميًا، أي نحو ثلثي مستوى ما قبل الحرب البالغ قرابة 1.6 مليون برميل يوميًا، مع اعتماد جزء من هذه التدفقات على عمليات نقل خارج المضيق.

لكن هذه الآلية ليست بديلًا دائمًا عن وجود خط أنابيب، فهي تعتمد على توفر ناقلات ومساحات آمنة لإجراء عمليات النقل، كما تظل معرضة لتغير الظروف الأمنية.

ولهذا تبدو الكويت من أكثر الدول التي تحتاج إلى حل إقليمي طويل الأجل، سواء عبر ربط صادراتها بمسارات سعودية أو عراقية أو إنشاء بنية تصدير جديدة.

قطر.. المشكلة ليست النفط فقط بل الغاز

إذا كانت الكويت تواجه أزمة في إخراج النفط، فإن قطر تواجه مشكلة أكثر حساسية بسبب اعتمادها الكبير على تصدير الغاز الطبيعي المسال.

تظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن نحو 93 بالمئة من صادرات قطر من الغاز المسال كانت تمر عبر هرمز، وأن صادرات قطر والامارات مجتمعة تمثل قرابة 19 بالمئة من تجارة الغاز المسال العالمية، والأهم أن وكالة الطاقة الدولية تؤكد عدم وجود طريق بديل حقيقي يمكن من خلاله نقل كميات الغاز المسال القطرية إلى الأسواق العالمية من دون المرور بالمنظومة البحرية القائمة.

اظهار أخبار متعلقة


وقد انعكست الأزمة بالفعل على قطر، ففي آب / أغسطس، قالت رويترز إن صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية انخفضت بنسبة 96 بالمئة خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، بعد تضرر منشآت رأس لفان واضطراب حركة السفن، بينما بدأت قطر للطاقة في البحث عن عقود طويلة الأجل مع منتجين أمريكيين لتعويض جزء من الإمدادات المتضررة وتأمين التزاماتها تجاه العملاء.

وفي تطور لافت، شهد أيلول / سبتمبر عمليات نقل للغاز المسال من سفينة إلى أخرى خارج مضيق هرمز، في محاولة للحفاظ على بعض التدفقات إلى أسواق مثل الهند واليابان. لكن هذه العمليات تظل استثنائية ولا تعني أن قطر وجدت بديلًا كاملًا عن المضيق.

وهكذا، فإن قطر ربما تكون أكثر حساسية للوقت لأن توقف النفط يمكن تعويض جزء منه من مناطق أخرى، لكن استبدال كميات ضخمة من الغاز المسال القطري يحتاج إلى طاقات إنتاجية وبنية تحتية لا يمكن توفيرها سريعًا.

العراق.. بدائل على الورق أكثر منها في البحر

العراق يملك موارد نفطية ضخمة، لكنه من أكثر الدول تعرضًا لاختناق طرق التصدير، في 2025، كان نحو 3.32 مليون برميل يوميًا من الخام العراقي يمر عبر هرمز، إضافة إلى نحو 310 آلاف برميل يوميًا من المنتجات النفطية، وفق وكالة الطاقة الدولية.

وعندما تعطلت حركة المضيق، تراجعت صادرات العراق بشدة، لكن بغداد تحاول الآن إعادة بناء مسارات بديلة عبر تركيا وسوريا، مع خطط لزيادة القدرة التصديرية خارج الخليج.

وفي أيلول / سبتمبر، قال وزير النفط العراقي إن بلاده تمكنت من رفع صادراتها إلى أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا، مع خطط لرفع القدرة مستقبلًا إلى 5 ملايين برميل يوميًا بعد استكمال مشروعات الأنابيب الاستراتيجية التي تربط حقول الجنوب بالشمال وبموانئ خارج منطقة الخليج.

لكن الفارق هنا بين الخطة والقدرة التشغيلية الحالية فالدراسات المتعلقة بالبنية التحتية العراقية تشير إلى أن المسارات البديلة القائمة لا تستطيع حتى الآن استبدال صادرات الجنوب عبر هرمز، بسبب مشكلات فنية وسياسية وأمنية، بينما تظل طاقة خط العراق-تركيا الفعلية أقل بكثير من احتياجات البلاد.

ولهذا يظل العراق بحاجة إلى هرمز في المدى القريب، حتى مع تسارع الحديث عن البدائل.

إيران.. تملك الساحل لكن لا تملك بديلًا جاهزًا

قد يبدو وضع إيران مختلفًا لأنها تملك ساحلًا طويلًا على بحر عمان، لكن امتلاك الساحل لا يعني امتلاك طريق تصدير فعال.

أنشأت طهران محطة جاسك وخط أنابيب غورِه-جاسك بهدف نقل النفط إلى خليج عمان بعيدًا عن هرمز. وتبلغ الطاقة النظرية للخط نحو مليون برميل يوميًا.

لكن وكالة الطاقة الدولية تقول إن خط الأنابيب والمحطة لا يزالان فعليًا غير عاملين كخيار تصدير منتظم، رغم تجربة تحميل في 2024، ولم تستمر صادرات النفط من جاسك بعد ذلك. ولذلك لا تعتبر الوكالة المحطة حاليًا خيارًا عمليًا قادرًا على تعويض صادرات إيران عبر هرمز.

وتزداد صعوبة الوضع الإيراني مع استمرار القيود الأمريكية على حركة النفط، إذ قالت رويترز إن صادرات الخام الإيرانية توقفت فعليًا منذ منتصف يوليو في ظل الحصار المفروض على الشحن المرتبط بايران.

وبالتالي، فإن ايران التي تملك القدرة على التأثير في هرمز هي نفسها من أكثر الدول التي تتضرر اقتصاديًا من استمرار تعطيل صادرات النفط.

البحرين.. ليست خارج الأزمة


البحرين تختلف عن بقية دول الخليج من حيث حجم صادرات الخام، وتظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن صادرات البحرين التي مرت عبر هرمز في 2025 بلغت نحو 210 آلاف برميل يوميًا من المنتجات النفطية، مقابل عدم وجود صادرات خام كبيرة مسجلة عبر المضيق.

لذلك لا يمكن وضع البحرين في الخانة نفسها مع السعودية أو الكويت أو العراق عند الحديث عن خسائر صادرات الخام.

لكن موقعها الجغرافي واقتصادها المرتبط بمنظومة الخليج يجعلانها شديدة التأثر بأي اضطراب طويل في التجارة والطاقة. ومع ارتفاع تكلفة الوقود والشحن والتأمين، فإن التأثير على البحرين لا يحتاج بالضرورة إلى توقف صادراتها النفطية حتى يظهر في الاقتصاد.

إذن.. من يملك "خطة ب"؟

إذا كانت المقارنة على أساس وجود بنية تصدير بديلة فعلية، تبدو السعودية والامارات في المقدمة بفضل خطي شرق-غرب وحبشان-الفجيرة.

لكن أحداث أيلول / سبتمبر أظهرت أن هذا التفوق ليس مطلقًا، فالسعودية نفسها فقدت مؤقتًا أهم طريق بديل لديها بعد الهجوم على خط شرق-غرب، بينما أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءًا من المعادلة الأمنية.

أما الكويت وقطر، فتعتمدان بدرجة أكبر على حلول مؤقتة وإعادة ترتيب الشحنات، بينما يحتاج العراق إلى سنوات ومشروعات بنية تحتية حتى تتحول البدائل من خطط إلى قدرة تصديرية واسعة، وفي حالة ايران، توجد بنية نظرية مثل جاسك، لكنها ليست جاهزة حاليًا لتوفير بديل فعال.

وبذلك، فإن "خطة ب" الخليج لم تعد تعني فقط: كيف نتجاوز هرمز؟ بل أصبحت تعني سؤالًا أصعب: هل توجد منظومة تصدير تستطيع الصمود إذا أصبحت هرمز والبحر الأحمر وباب المندب جميعها ساحات ضغط في الوقت نفسه؟
التعليقات (0)