نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" مقالا للصحفي جون باسي قال فيه
إن انهيار برجي مركز التجارة العالمي قبل 25 عاما، أحدثت موجة زلزالية بدت وكأنها تحطم
النظام العالمي.
قالت صحيفة وول ستريت جورنال، إن
النظام العالمي تعرض للتحطيم بعد هجمات 11 سبتمبر، ليس بفعل العمليات نفسها، لكن
بفعل رد الولايات المتحدة.
وأشارت إلى أن الهجوم الناجح والصادم
وفق قولها، والذي نفذته مجموعة صغيرة نسبيا، قابلته أمريكا برد عسكري هائل، بمهاجمة
دولتين، إحداهما لم تكن ضالعة بالأمر، واستعار خطاب واشنطن لغة من حقبتي الحرب
العالمية الثانية والحرب الباردة.
اظهار أخبار متعلقة
وتابعت: "نظرا لانشغالها التام بالحرب على الإرهاب، تضاءلت قدرة
الولايات المتحدة على التعامل مع أولويات عالمية أخرى، مثل الصعود المحوري للصين وروسيا
التي تزداد عدائية. وكان هذا الإهمال للقوى العالمية المتغيرة هو ما غير العالم حقا".
وقال ويليام بيرنز الذي خدم في عدة إدارات وتولى لاحقا منصب مدير وكالة
الاستخبارات المركزية (CIA)- في عام 2019: "لقد تشتت انتباه القادة الأمريكيين بالتأكيد، وكنا
نجد أنفسنا باستمرار نسحب مجددا إلى مستنقع مغامراتنا الخاسرة في الشرق الأوسط".
وأضاف: "تخيل لو أن جزءا أكبر من الوقت والطاقة والموارد التي أُنفقت
على الحرب العالمية على الإرهاب قد وجه بدلا من ذلك نحو صياغة رؤية إيجابية لدور أمريكا
في آسيا".
وفي عام 2008، كتب الباحث روبرت كاغان أن "الصين وروسيا رحبتا"
بالحرب على الإرهاب، "لأنها صرفت التركيز الاستراتيجي للولايات المتحدة بعيدا
عنهما".
القوة والتفاؤل
قبيل أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر؛ كان وقتا اتسم بالقوة والتفاؤل
في أمريكا. كانت الولايات المتحدة قد خرجت منتصرة من الحرب الباردة وتتمتع بهيمنة دولية،
ولا تزال أصداء انتصارها على العراق في حرب الخليج الأولى تتردد بقوة؛ إذ أثبتت الآلة
العسكرية الأمريكية أنها قادرة على سحق التهديدات البعيدة في وقت وجيز وبأقل قدر من
الخسائر البشرية الأمريكية.
لقد صاغت تلك العقلية المتفائلة الاستراتيجية الأمريكية السائدة قبل أحداث
11 أيلول/ سبتمبر؛ إذ اعتقد العديد من القادة الأمريكيين أن دمج الدول في الاقتصاد
العالمي سيجعلها أكثر شبها بالغرب وأقل ميلا لخوض الحروب، وكانت الصين وروسيا ركيزتين
أساسيتين في هذه الخطة.
قال الرئيس بيل كلينتون: "كلما أدخلنا الصين أكثر إلى العالم، زادت
قدرة العالم على جلب التغيير والحرية إليها".
وأشارت الصحيفة، إلى أنه "وبعد فترة وجيزة من الهجمات أطلقت الولايات
المتحدة الحرب على الإرهاب وشنت غزوا لأفغانستان للقضاء على تنظيم القاعدة، المسؤولة
عن تنفيذ تلك الهجمات وفي واقعة تعد فشلا استخباراتيا تاريخيا، غزت الولايات المتحدة
العراق أيضا، وكان أحد أسباب ذلك السعي لمصادرة أسلحة دمار شامل تبين أنها غير موجودة
من الأساس".
أعقب ذلك حربان طويلتان أسفرتا عن مقتل أكثر من 7000 جندي أمريكي في كل
من أفغانستان والعراق، وذلك وفقا لدراسة أجرتها جامعة براون وقد كبدت هذه الصراعات
الولايات المتحدة تريليونات الدولارات، كما أحدثت اضطرابات واسعة في منطقتي جنوب آسيا
والشرق الأوسط.
كما استحوذت هذه الحروب على اهتمام الإدارات الأمريكية المتعاقبة، رغم
استمرار العمل بالسياسة الخارجية على جبهات متعددة. ولكن مع انزلاق العالم مجددا نحو
حقبة التنافس بين القوى العظمى، بدت الولايات المتحدة وكأنها أُخذت على حين غرة.
وعندما غزت روسيا جورجيا ثم استولت على شبه جزيرة القرم أخفقت الردود
الغربية في الحيلولة دون المزيد من التوسع الروسي ولاحقا، شنت روسيا حربا شاملة ضد
أوكرانيا ويرى العديد من المحللين أن الغرب كان ينبغي عليه فرض عقوبات أشد صرامة على
روسيا إلى جانب اتخاذ تدابير أخرى.
أما بالنسبة للصين، فقد كان قد طرأ بحلول ذلك الوقت تحول جيوسياسي جذري،
لم تكن له أي علاقة بالإرهاب.
وقد وقع هذا التحول في 11 كانون الأول/ ديسمبر 2001، في الوقت الذي كانت
فيه الولايات المتحدة تقصف كهوف "تورا بورا" في أفغانستان، بينما كان الرئيس
بوش يترأس مراسم إحياء ذكرى مرور ثلاثة أشهر على هجمات 11 أيلول/ سبتمبر.
في ذلك اليوم، انضمت الصين رسميا إلى منظمة التجارة العالمية، أدى انضمام
الصين إلى المنظمة -وهي خطوة حظيت بدعم واشنطن وقطاع الأعمال الأمريكي وغيرهما- إلى
زيادة انفتاح الاقتصاد الصيني على التجارة العالمية ومنح الصين فرصا أكبر للوصول إلى
الأسواق الخارجية. وسرعان ما ظهرت آثار ذلك.
اظهار أخبار متعلقة
وتصاعدت حدة الاتهامات الموجهة من الشركات والحكومات؛ حيث اتهمت الصين
بسرقة الملكية الفكرية، والضغط على الشركات الأجنبية لنقل التكنولوجيا مقابل السماح
لها بدخول السوق، والتلاعب بعملتها لدعم نمو الصادرات، وتقديم الدعم المالي لصناعاتها
الحكومية لمنحها ميزة غير عادلة في الأسواق العالمية، فضلا عن انتهاك التزامات أخرى
تجاه منظمة التجارة العالمية أو التحايل عليها.
لقد أذهلت سرعة الصعود الصيني اللاحق دول العالم؛ إذ قفزت قيمة الصادرات
السلعية السنوية من 266 مليار دولار في عام 2001 لتصل إلى 3.58 تريليون دولار في عام
2024، كما ارتفعت حصة الصين من الصادرات السلعية العالمية من 4 بالمئة إلى 15 بالمئة. وقد أطلق الاقتصاديون على
هذا التحول الجذري اسم "صدمة الصين".
ومع الثراء الاقتصادي، تعززت القوة العسكرية؛ فقد عسكرت الصين بحر الصين
الجنوبي، وأنشأت جزرا اصطناعية ومواقع عسكرية، وتحدت جيرانها. كما دخلت أول حاملة طائرات
صينية الخدمة في عام 2012، تلتها الثانية في 2019 والثالثة في 2025. وخلال اجتماعهما
الأخير في بكين، حذّر الزعيم الصيني شي جين بينغ الرئيس دونالد ترامب من مخاطر ما يُعرف
بـ "فخ ثوسيديدس" وهو الميل لاندلاع الحرب عندما تهدد قوة صاعدة قوة مهيمنة
قائمة.