بعد نحو 15 عاماً من الغياب عن المسارح
السورية، تستعد الفنانة
أصالة نصري للعودة إلى دمشق، في حفل تحتضنه صالة الفيحاء
في 17 أيلول/سبتمبر الجاري، برعاية وزارة الثقافة السورية وتنظيم وإشراف شركة "أوغار
إيفنتس"، في عودة لا تبدو مجرد استئناف لمسيرة فنية انقطعت بفعل سنوات الحرب،
وإنما تحمل دلالة سياسية وثقافية خاصة، إذ تأتي أصالة إلى العاصمة التي غادرتها في
ظل موقفها الصريح المؤيد للثورة السورية، بعدما تحولت خلال سنوات القمع إلى واحدة
من أبرز الأصوات الفنية السورية التي رفضت النظام السابق ووقفت إلى جانب مطالب الحرية
والكرامة.
وتكتسب عودة أصالة هذه الرمزية من كونها
ابنة دمشق قبل أن تكون نجمة عربية واسعة الانتشار؛ فقد ولدت في العاصمة عام 1969،
ونشأت في عائلة فنية، وبدأت الغناء في سن مبكرة تحت رعاية والدها الفنان والملحن
مصطفى نصري. ومنذ بداياتها، ارتبط صوتها بالأغنية العربية بمساحات واسعة من الطرب
والتجربة العاطفية والوطنية، قبل أن تتحول خلال عقود إلى واحدة من أبرز المغنيات
السوريات في العالم العربي.
فنانة في مواجهة السلطة
لكن صورة أصالة في الذاكرة السورية المعاصرة
لا تختصر في الأغنية والطرب؛ فمنذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، أعلنت بوضوح
تأييدها للمحتجين ومطالبهم بالحرية والكرامة، ورفضت ممارسات النظام السابق، وهو
موقف وضعها في مواجهة مباشرة مع السلطة وأوساطها الإعلامية والفنية.
ولم يكن موقفها مجرد تصريح عابر، بل تحول
إلى جزء من حضورها العام خلال سنوات الثورة والحرب. وعبّرت عنه في مناسبات وأعمال
فنية مختلفة، من بينها أغنية "آه لو هالكرسي بيحكي"، التي حملت رسالة
سياسية واضحة ضد الاستبداد، كما شاركت في فعاليات فنية عبّرت فيها عن دعمها للثورة
السورية. وذكرت مصادر سورية أن موقفها أدى إلى تعرضها لحملات تخوين وضغوط، وشطبها
من نقابة الفنانين، فيما اضطرت إلى مغادرة
سوريا عام 2011.
وبذلك أصبحت أصالة واحدة من الفنانين
السوريين الذين لم يفصلوا بين حضورهم الثقافي وبين موقفهم من الحدث السياسي؛ فقد
دفعت ثمناً شخصياً ومهنياً لاختيارها الوقوف مع المحتجين، وظل غيابها عن دمشق طوال
سنوات الحرب مرتبطاً، في الوعي العام، بتلك القطيعة التي فرضها النظام السابق على
الفنانة كما فرضها على قطاعات واسعة من السوريين.
"سوريا جنة".. من الثورة إلى
إعادة البناء
وبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون
الأول/ديسمبر 2024، لم تكتفِ أصالة باستعادة خطابها القديم، بل اتجهت إلى صياغة
صورة مختلفة لسوريا، عنوانها الوحدة والتسامح وإعادة البناء.
ففي الشهر نفسه أطلقت أغنية "سوريا جنة"،
التي حملت رسالة واضحة حول تجاوز جراح الماضي والتطلع إلى إعادة بناء البلاد. وفي
كلمات الأغنية ومضمونها، حضرت مفردات الحرية والوحدة والانتماء إلى الأرض، بينما
أكدت أصالة في رسالتها المرافقة للعمل أن السوريين بحاجة إلى تجاوز الانقسام
والعمل معاً من أجل بلد أنهكته الحرب.
وهنا تبدو المسافة بين أصالة في بدايات
الثورة وأصالة اليوم ذات دلالة: ففي المرحلة الأولى كان صوتها موجهاً ضد القمع
والاستبداد، أما بعد سقوط النظام فأصبح صوتها أكثر انشغالاً بما بعد الثورة؛ أي
كيف يمكن تحويل نهاية حقبة القمع إلى بداية لحياة وطنية جديدة، وكيف ينتقل
السوريون من الذاكرة الدامية إلى إعادة بناء المجتمع والدولة.
عودة لا تختصرها الأغنية
ومن هذه الزاوية، تبدو رعاية وزارة الثقافة
للحفل ذات مغزى يتجاوز تنظيم أمسية غنائية. فالوزارة تقدم عودة أصالة باعتبارها
امتداداً لموقف وطني تمسكت به منذ الأيام الأولى للثورة، وتضع الحفل ضمن سياسة
أوسع للاحتفاء بالمبدعين السوريين وفتح المجال أمامهم للعودة إلى الحياة الثقافية
في البلاد.
وكانت وكالة الأنباء السورية "سانا"
قد أشارت إلى أن عودة أصالة تأتي ضمن مرحلة جديدة في المشهد الثقافي والفني
السوري، معربة عن الأمل في أن تفتح الباب أمام عودة مزيد من الفنانين السوريين
والعرب إلى ممارسة نشاطاتهم في سوريا. كما أعلنت أن الحفلين المقررين في دمشق يومي
17 و19 أيلول/سبتمبر ترعاهما وزارة الثقافة ونقابة الفنانين.
وهكذا، فإن استقبال أصالة في دمشق من مؤسسة
رسمية في سوريا الجديدة يحمل معنى معاكساً تماماً لما عرفته سنوات النظام السابق:
فالفنانة التي تعرضت للتخوين والضغط بسبب موقفها من الثورة، تعود اليوم إلى المسرح
برعاية المؤسسة الثقافية الرسمية، في صورة تختصر، ولو رمزياً، تحوّل العلاقة بين
الدولة والفنان الذي اختار الانحياز إلى المجتمع في لحظة تاريخية فاصلة.
من "ابنة الشام" إلى صوت سوري
عابر للحدود
ولا تنفصل هذه العودة عن المكانة التي
راكمتها أصالة خلال أكثر من ثلاثة عقود في المشهد الغنائي العربي. فقد بدأت
مسيرتها في دمشق، ثم اتسعت تجربتها لتشمل مختلف اللهجات العربية، وخصوصاً الخليجية
والمصرية، واستطاعت بناء جمهور واسع خارج الحدود السورية.
لكن ارتباطها بدمشق ظل حاضراً في أعمالها
وفي صورتها الفنية؛ فهي ابنة مدينة عرفت تاريخياً بتعدد مدارسها الموسيقية
والغنائية، وجاءت من عائلة فنية كان والدها مصطفى نصري جزءاً من المشهد الموسيقي
السوري. ومن ثم فإن عودتها إلى المسرح الدمشقي لا تعني فقط عودة مطربة إلى جمهورها
الأول، بل استعادة علاقة بين فنانة ومدينة ظلت حاضرة في ذاكرتها رغم سنوات الغياب.
وفي هذا السياق، يأتي عنوان الحفل "عودة
الأصالة" محملاً بلعب واضح على اسم الفنانة، لكنه يتجاوز ذلك إلى معنى رمزي:
عودة صوت سوري غاب عن مسارح بلده سنوات طويلة، وعودة فنانين كان المنفى أو
الابتعاد عن المؤسسات الرسمية واحداً من أثمان مواقفهم السياسية.
الثقافة في سوريا الجديدة.. من الإقصاء إلى
الاستعادة
وتضع عودة أصالة وزارة الثقافة أمام اختبار
أوسع من مجرد إقامة حفل جماهيري. فإعادة بناء الحياة الثقافية السورية بعد عقود من
هيمنة السلطة الأمنية والحزبية تقتضي، إلى جانب ترميم المسارح والمؤسسات، إعادة
الاعتبار إلى فكرة الثقافة بوصفها مساحة عامة تتسع للاختلاف، وتستعيد الفنانين
والمبدعين الذين أُبعدوا أو قُمعوا بسبب مواقفهم.
ومن هنا يمكن قراءة تكريم أصالة بوصفه جزءاً
من مسار الاعتراف بأصوات الثورة وروادها، لا باعتبارهم شخصيات سياسية فحسب، وإنما
باعتبارهم جزءاً من الذاكرة الثقافية السورية خلال سنوات الحرب. فالثورة لم تكن
حدثاً سياسياً وعسكرياً فقط؛ كانت أيضاً لحظة أعادت تعريف علاقة الفنان بجمهوره،
ودفعت عدداً من المبدعين إلى الاختيار بين الصمت أو الانحياز إلى مجتمعهم.
وإذا كانت أصالة واحدة من أبرز هؤلاء
الفنانين، فإن عودتها إلى دمشق تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تستطيع سوريا
الجديدة أن تجعل الثقافة مجالاً للمصالحة الوطنية واستعادة الطاقات المهاجرة، وأن
تكرّم من وقفوا مع السوريين في سنوات المحنة، من دون تحويل الثقافة إلى أداة جديدة
للاستقطاب؟
دمشق تستعيد صوتاً غاب طويلاً
بعد سنوات من المنفى والغياب، ستقف أصالة في
صالة الفيحاء أمام جمهور سوري لم تستطع أن تلتقيه على مسرح بلده طوال سنوات الثورة
والحرب. ولن يكون المشهد منفصلاً عن الذاكرة التي صنعتها تلك السنوات؛ فالصوت الذي
غادر دمشق في 2011 احتجاجاً على القمع، يعود إليها اليوم في بلد تغير نظامه
السياسي، وتبحث مؤسساته الجديدة عن سردية ثقافية مختلفة.
وقد يكون المعنى الأهم في هذه العودة أن
أصالة لا تعود إلى دمشق بوصفها فنانة شهيرة فحسب، بل بوصفها واحدة من الأصوات التي
اختارت، في لحظة شديدة القسوة، أن تنحاز إلى السوريين ومطالبهم. ولذلك فإن الحفل
المنتظر يمكن أن يتحول من أمسية غنائية إلى لحظة رمزية في مسار استعادة سوريا
لأصوات أبنائها، وفتح مسار جديد تكون فيه الثقافة جزءاً من بناء الذاكرة الوطنية،
لا أداة لإسكاتها.