أبهر المنتخب
المغربي عشاق كرة القدم فجر الأحد بأدائه الكبير أمام البرازيل في مستهل مشواره بمونديال
كأس العالم 2026، لكن واحدة من أبرز قصص المباراة لم تكن النتيجة فقط، بل الظهور اللافت للموهبة الصاعدة أيوب
بوعدي.
اللاعب البالغ من العمر 18 عاما، والذي يحمل الجنسية الفرنسية ومثل المنتخبات السنية لـ"الديوك" لسنوات، خاض مباراته الرسمية الأولى بقميص "أسود الأطلس" بعد أقل من شهر على حسم قراره الدولي واختيار تمثيل المغرب بشكل نهائي.
ولم يكن نجاح الاتحاد المغربي لكرة القدم في كسب خدمات أيوب بوعدي مجرد انتصار في ملف لاعب موهوب، بل امتدادا لاستراتيجية طويلة المدى بدأت قبل أكثر من عقد، وحولت المغرب إلى واحدة من أكثر الدول نجاحا في استقطاب مواهب المهجر حول العالم.
ومنذ تولي فوزي لقجع رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في نيسان/ أبريل 2014، تحول ملف استقطاب المواهب مزدوجي الجنسية من جهود مبعثرة إلى استراتيجية وطنية ممنهجة.
بنى لقجع شبكة كشافة دولية واسعة، وركز على الاستقطاب المبكر وعلى بناء علاقة عاطفية مع اللاعبين وعائلاتهم، مما جعل المغرب نموذجاً عالمياً في هذا المجال."
شبكة كشف مبكرة تمتد عبر أوروبا
لم يعد الاتحاد المغربي ينتظر بروز اللاعبين في الدوريات الكبرى أو وصولهم إلى المنتخبات الأولى الأوروبية، بل يعتمد منذ سنوات على شبكة واسعة من الكشافين والمتابعين المنتشرين في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وإيطاليا.
وتعمل هذه الشبكة على متابعة اللاعبين من أصول مغربية منذ مراحل عمرية مبكرة جدا، أحيانا قبل بلوغهم الثانية عشرة من العمر، بهدف بناء علاقة مبكرة معهم ومع عائلاتهم، وإبقائهم ضمن دائرة اهتمام المنتخبات المغربية بمختلف فئاتها.
وتحولت هذه السياسة إلى عنصر حاسم في العديد من الملفات التي شهدت منافسة شرسة مع اتحادات أوروبية كبرى، خاصة فرنسا وبلجيكا وإسبانيا.
اظهار أخبار متعلقة
العائلة شريك في القرار
لا تقتصر المقاربة المغربية على الجانب الرياضي فقط، بل تشمل بعدا اجتماعيا وإنسانيا يقوم على التواصل المباشر مع عائلات اللاعبين.
ويحرص مسؤولو الاتحاد والأجهزة الفنية على عقد لقاءات دورية مع أسر المواهب الصاعدة في أوروبا، وتقديم تصور متكامل لمسار اللاعب الرياضي داخل المنتخبات المغربية.
وتشير تقارير إعلامية مغربية وفرنسية إلى أن هذا النهج لعب دورا مهما في حسم ملفات عديدة خلال السنوات الأخيرة، من بينها ملف أيوب بوعدي، الذي فضل مشروع المنتخب المغربي رغم الاهتمام الكبير الذي حظي به من الاتحاد الفرنسي.
وحرص رئيس الاتحاد فوزي لقجع على الاجتماع مع عائلات مواهب، في مقدمتهم لامين يامال، حيث اجتمع قبل سنوات معه ومع والده، إلا أن النجم العالمي فضل اللعب لصالح إسبانيا.
معركة قانونية غيرت قواعد اللعبة
يُنظر إلى لقجع، باعتباره أحد أبرز المساهمين في الدفع نحو تعديل لوائح تغيير الجنسية الرياضية داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".
وجاء ذلك بعد قضية منير الحدادي الشهيرة عام 2014، حين فقد اللاعب حقه في تمثيل المغرب بسبب مشاركته لدقائق معدودة مع المنتخب الإسباني الأول.
وبعد سنوات من التحركات القانونية والضغط داخل أروقة "فيفا"، أُقرت تعديلات مهمة عام 2020 سمحت للاعبين بتغيير جنسيتهم الرياضية وفق شروط أكثر مرونة، وهو ما استفاد منه لاحقا عدد من اللاعبين مزدوجي الجنسية.
وساعدت هذه التعديلات المغرب على تعزيز حضوره في سوق المواهب الدولية، وفتح الباب أمام
أسماء بارزة للالتحاق بمنتخب "أسود الأطلس".
اظهار أخبار متعلقة
من خسارة النجوم إلى كسب المعارك الكبرى
قبل إطلاق المشروع الحالي، عانى المغرب من فقدان عدد من أبرز المواهب ذات الأصول المغربية لصالح منتخبات أوروبية مختلفة.
فقد اختار مروان فيلايني تمثيل بلجيكا، كما لعب خالد بولحروز لهولندا، وعادل رامي لفرنسا، وناصر الشاذلي لبلجيكا، في وقت كان فيه العمل المؤسساتي داخل الاتحاد المغربي محدودا مقارنة بما هو عليه اليوم.
واللافت في تلك الحقبة أن بعض هؤلاء النجوم لم يترددوا في عرض أنفسهم على "أسود الأطلس"، بل طرقوا أبواب الاتحاد المغربي بحثاً عن فرصة، لكنهم قوبلوا بصدمات إدارية غريبة؛ ففيلاني العملاق سافر بنفسه إلى المغرب للانضمام لمعسكر منتخب الشباب، لكن الأجهزة الفنية حينها رفضته وأبلغته صراحة بأن "بنيته الجسمانية الطويلة وثقيلة الحركة لا تصلح لأسلوب لعب الأسود".
أما ناصر الشاذلي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك وارتدى قميص المغرب بالفعل في مباراة ودية عام 2010، إلا أن غياب المشروع الرياضي الواضح والاحتواء الإداري جعله يتراجع ويستغل الثغرات القانونية القديمة ليتحول نحو بلجيكا، قبل أن يصبحا من أعمدة المنتخب الذي تألق في مونديال 2018.
لكن المشهد تغير بصورة كبيرة خلال العقد الأخير، إذ نجح المغرب في استقطاب أسماء مؤثرة مثل حكيم زياش وأشرف حكيمي ونصير مزراوي وعبد الصمد الزلزولي وأمين عدلي وإبراهيم دياز وإسماعيل الصيباري وبلال الخنوس، وصولا إلى أيوب بوعدي.
ورغم خسارة بعض الملفات البارزة، وفي مقدمتها لامين يامال، فإن الاتحاد المغربي واصل العمل وفق سياسة تقوم على توسيع قاعدة المواهب بدلا من التركيز على لاعب واحد أو ملف واحد.
أكاديمية محمد السادس.. الضلع الثاني للمشروع
لم يكتف المغرب بالاعتماد على مواهب المهجر، بل عمل بالتوازي على تطوير قاعدة إنتاج محلية من خلال أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز مراكز تكوين اللاعبين في أفريقيا والعالم العربي.
وخرجت الأكاديمية عددا من اللاعبين الذين وصلوا إلى الاحتراف الأوروبي والمنتخبات الوطنية، ما خلق توازنا بين مواهب الداخل ومواهب الخارج.