ما سر استعانة منظمات أممية بوزراء مصريين سابقين أخفقوا في بلادهم؟

محللون قالوا إن خدمات بعض المسؤولين للمؤسسات الدولية قد تكون وراء اختيارهم- موقع الرئاسة المصرية
محللون قالوا إن خدمات بعض المسؤولين للمؤسسات الدولية قد تكون وراء اختيارهم- موقع الرئاسة المصرية
شارك الخبر
أثارت استعانة منظمات دولية وأممية بمسؤولين مصريين ووزراء سابقين بمجرد خروجهم من العمل الحكومي ببلادهم، التساؤلات حول أسباب الحضور السريع والمتتالي دوليا، رغم فشل أغلبهم في مهامهم بل واتهام البعض لهم بمفاقمة الأزمات الاقتصادية والتأثير سلبا على المصريين بقرارات غير مدروسة وعشوائية.

وقبل أيام اختار أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي المصرية السابقة رانيا المشاط، -غادرت منصبها الحكومي بالتعديل الوزاري الأخير في شباط/فبراير الماضي- وكيلا للأمين العام للأمم المتحدة، وبمنصب الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، بالعاصمة اللبنانية بيروت.

المشاط، التي بقيت في منصبها الوزاري مدة 8 سنوات، كانت قد شغلت منصب وكيلة محافظ البنك المركزي المصري للسياسة النقدية، وعملت كأصغر خبيرة اقتصادية بصندوق النقد الدولي وهي في سن 25 عاما، وشغلت منصب مستشار كبير الاقتصاديين بالصندوق، إلى جانب عضوية مجالس إدارة عدد من كبرى بنوك التنمية الأفريقية والأوروبية.

اظهار أخبار متعلقة



وعلى الرغم مما شهده اقتصاد مصر خلال ولايته التي امتدت لنحو 6 سنوات، وبمجرد خروجه من منصبه كوزير لمالية مصر منتصف العام 2024، جرى اختيار الدكتور محمد معيط، في تشرين الأول/أكتوبر 2024، لشغل منصب المدير التنفيذي، وعضو مجلس المديرين التنفيذيين، وممثل المجموعة العربية والمالديف، بصندوق النقد الدولي.

وهو المنصب الذي شغله وزير الاستثمار الأسبق في عهد حسني مبارك الدكتور محمود محيي الدين، والذي حاز مهاما دولية رفيعة وعديدة بينها: نائب رئيس البنك الدولي، ثم مديرا تنفيذيا لصندوق النقد الدولي، فيما يشغل حاليا منصب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية.

وبعد 7 سنوات في منصب وزير البيئة المصرية، غادرت الوزيرة ياسمين فؤاد موقعها في مصر، لتتولى في أيار/مايو 2025، منصب السكرتير التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في بون، بألمانيا.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2019، ومع مغادرتها منصبها كوزيرة للتضامن الاجتماعي تولت الدكتورة غادة والي منصب وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة، والمدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ومديرة مقر المنظمة الدولية في العاصمة النمساوية فيينا.


وفي السياق، وبرغم ما شهدته فترة  وزير الآثار المصري خالد العناني من اعتداء على التراث والآثار المصرية جرى اختياره مديرا لليونسكو في تشرين الأول/أكتوبر 2025.

وفي ذات السياق، فاز الأربعاء، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية ورئيس البورصة المصرية السابق، إسلام عزام، برئاسة لجنة الأسواق النامية والناشئة التابعة للمنظمة الدولية لهيئات أسواق المال (IOSCO)  حتى 2028، ليصبح نائب رئيس مجلس إدارة المنظمة الدولية.

وفي آب/أغسطس 2022، اختارت شركة "شيميرا الإماراتية" زوجة محافظ البنك المركزي المصري السابق طارق عامر وزيرة الاستثمار المصرية السابقة داليا خورشيد لتتولى منصب العضو المنتدب التنفيذي لشركة "بلتون"، وذلك بعد أسبوع من استحواذ التابعة لطحنون بن زايد على 55.9 بالمئة من أسهم "بلتون".

تختار من خدمها

وفي إجابته على السؤال: "برغم الانتقادات الموجهة لأدائهم في الداخل المصري، لماذا تستعين المنظمات الدولية بالوزراء والمسؤولين المصريين؟، قال رئيس تحرير موقع " International Investigative Centre" الاستقصائي ناجي عباس، إن "المنظمات الدولية تختار من يخدمها جيدا لا من خدم بلاده جيدا".

الصحفي المصري المعارض أضاف لـ"عربي21": "وهذا يطرح تساؤلا مشروعا عن طبيعة العلاقة بين بعض المسؤولين وهذه المؤسسات طوال فترة توليهم مناصبهم الحكومية: هل كانوا يخدمون مصر أم يبنون سيرتهم الذاتية الدولية؟"، ملمحا إلى أن تلك المناصب قد تكون تكريما وردا للجميل لتلك الشخصيات.

وحول مدى معرفة أو غياب تلك الرؤية عن صناع القرار في مصر وعن الأجهزة الرقابية والمخابراتية، أكد أن الكل يبحث عن "مصالحه الشخصية"، مذكرا باستعانة الإمارات بزوجة محافظ البنك المركزي الأسبق طارق عامر، وزير الاستثمار الأسبق داليا خورشيد، وتعيينها مديرا تنفيذيا بشركة تابعة لطحنون بن زايد.

وفي قراءته، قال الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية وعضو "تكنوقراط مصر" الدكتور سعيد عفيفي: "علينا أولا تلمس عوامل الفشل المصري بكل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية عصب أي نظام بأي دولة".

عفيفي، وفي حديثه لـ"عربي21"، يعتقد أن "الاستعانة بشخصيات مصرية بالخارج يرجع لمكانة مصر التاريخية والحضارية ولمستوى تعليم هذه الشخصيات، بغض النظر عن فشلهم بمصر"، موضحا أن "هذا بيت القصيد، فالفشل لا يرجع للأشخاص بل لعوامل هامة أخرى".

وأشار إلى ما دعاه بـ"النظام المهترئ بعد عام ١٩٥٢، والذي تم تأسيسه على سمع وطاعة رأس السلطة، مهما كانت الأخطاء، وكما هو المتبع بالجيوش عليك التنفيذ دون السؤال"، معربا عن أسفه "من استفحال الأخطاء مع مرور الوقت دون أن يفكر أحد بتغيير نموذج عسكرة فكر المجتمع، والفكر الذي تم بناؤه على أخطاء أدت إلى أن الفكاك منها يحتاج ثورة تشريعية وتنظيمية جديدة".

نظرية الهدم وإعادة البناء


وأوضح أن "هذا لو تم سيؤدي لفقدان أصحاب الدولة العميقة الذي يعتبرون أنفسهم متحكمون بكل شيء لسلطاتهم وتحكمهم بالمسار العام لهيكلة الدولة"، مشيرا إلى أن "هناك نظرية بالعلوم السياسية تسمى (الهدم وإعادة البناء لأجل التغيير"، مؤكدا أنه "بدون هدم لن يكون هناك بناء، وأية إصلاحات على الأسس القديمة ستعمق الأخطاء لأنها تعتبر عملية ترقيع".

وقال: "لذلك تتبنى مجموعة (تكنوقراط مصر)، مفهوم الهدم وإعادة البناء الدستوري والتشريعي، قبل كل شيء، إذا أردت تغييرا حقيقيا، وذلك بسبب التضخم والترهل الحكومي الذي بنيت قواعدها على أسس قديمة وبمرتكزات تخالف التطورات المجتمعية والسياسية والاقتصادية ومواكبة العلم والعصر".

ويعتقد أن "أي فشل في الادارة لا يرجع للمدير بل إلى الأساس القانوني لسلطات المدير، ومدى تدخله وتدخل من يليه في سلطة القرارات؛ فالدول المتقدمة والتي تسعى للنهوض تضع العلم بمقدمة ما يتم الاستعانة به لحل المشكلات، وليست الأمنيات والكلام المعسول الذي يتفوه به ليل نهار رأس النظام عبدالفتاح السيسي".

ويرى أن "مصر يتحكم فيها مريض جاهل يساعده جوقة تردد ما يقوله ويشيدون بحكمته وندرة أفكاره ويلحنون أنفاسه كالكورال الموسيقي الذي يردد دون وعي"، موضحا أنه "لهذه الأسباب وغيرها ينجح المصري الكفء خارج مصر لأنه متعلم ومتمكن في تخصصه، ولأنه يعمل بالخارج ضمن منظومة لا يتم التحكم فيها جهلة".

وختم بالقول: "مصر لا ينقصها الكفاءات، بل ينقصها تغيير جذري بأعمال نظرية الهدم وإعادة البناء الدستوري والتشريعي، قبل تغيير النظام ورأسه الذي أفسد المجتمع بطروحاته وعدم العمل لمصلحة المجتمع".

هل ينفذون سياسات خارجية؟


وفي رؤيته، قال رئيس حزب الخضر المصري المهندس محمد عوض: "كنت من أوائل المسجلين لملاحظاتهم حول تولي مسؤولين مؤخرا مناصب ووظائف الدولية، بالتزامن مع حالة غضب تسود ومتنامية من تدني الخدمات الحكومية وضيق الشارع بهؤلاء المسؤولين وبوقت حرج عن الاقتصاد الوطني ووزارة المالية والبنوك الوطنية والتخطيط والاستثمار والتنمية، وحتى البيئة الوزارة الثرية بما تتلقاه من منح ومعونات دولية".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "توليهم مناصب دولية ظاهرة تحتاج البحث خاصة وأنهم تولوا المسئولية التنفيذية بمصر، ولم يكشف أداؤهم عن تميز معين ولم يلمس الشعب تحسنا اقتصاديا".

وضرب المثل بـ"نجاح وزير التموين والتجارة الأسبق الدكتور أحمد جويلي، بملفات كثيرة تخص التنمية الاقتصادية والإدارة المحلية وأصبح أحد أركان المجموعة الاقتصادية التي شهدت أول برنامج للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي عام ١٩٩٦، وبدايات برنامج الخصخصة، وفي ظل أزمة بطالة قاسية، ومع ذلك لم يحظى بمنصب دولي رفيع".

وأكد أن "هذا يثير تساؤلا: هل الذين يحظون بمناصب دولية عقب ما شغلوه من مناصب حكومية كانوا ينفذون سياسات وطنية أم سياسات مفروضة على مصر؟، وهل حين كانوا يشغلون مناصبهم المحلية برز منهم أحد وحاز قبولا شعبيا مثل أحمد جويلي، مثلا؟، وإذا كان ذلك لم يحدث ولمسنا تراجع الأداء الحكومي بالعقد الأخير بكل القطاعات والمناصب والمرافق والهيئات والوزارات الاقتصادية، فما المزايا التي تغري المؤسسات الدولية للاستعانة بمن فشلوا ببلادهم؟".

معايير الداخل


وأشار إلى أن "معايير الاختيار للمناصب التنفيذية بمصر، محل انتقاد سياسي وشعبي، فلا نعلم لماذا رحل وزير وأتى آخر؟، ما يثير نقطة تتعلق بحرية المسؤول التنفيذي في تنفيذ رؤيته لتطوير وإدارة المرفق أو الوزارة، وهل وظيفته تنفيذ وتمرير رؤية القيادة السياسية؟، وهي قضية ترتبط بمقدار الممارسات الديمقراطية بالبلاد".

ولفت إلى أنها "ليست المرة الأولى التي يُعين فيها مسئولين مصريين سابقين بمناصب تنفيذية بمنظمات ومؤسسات دولية، لكن كانت مصر من ترشح وتزكي وتدعم مسؤوليها دوليا"، معربا عن تخوفاته من مجيء الاختيارات أحيانا دون علم الدولة، ملمحا إلى أن "وزير المالية كان يقود مفاوضات صندوق النقد الدولي، ولديه خبايا وأسرار الشئون المالية وفجأة ينتقل لمقعد تنفيذي بالصندوق وبوظيفة تتطلب الوصول للمعلومات والأوضاع الاقتصادية"، مضيفا: "كيف سيكون موقفه في إدارة المفاوضات مع الصندوق بالجولات القادمة؟".

اظهار أخبار متعلقة



وتساءل: "من المسؤول عن هذا الوضع؟، وكيف وصلنا له؟"، ملمحا إلى "أحد الظواهر السلوكية المنتشرة بالعقد الأخير، باستغلال ذوي المناصب مهام عملهم بجهات ومرافق اقتصادية للاتفاق على شغل مناصب بمؤسسات أخرى لها مصالح مع تلك الجهات"، مطالبا بـ"إخضاع ذلك السلوك لتحريات الأجهزة الرقابية، وتجريم بعض تلك السلوكيات، كونها تتعلق بالأمن القومي".

وختم بالقول: "لا أشكك في الانتماء الوطني لأحد، ولكن في ظل العولمة هناك مفاهيم عديدة تغيرت وعلينا إدراك ذلك، للتعايش مع تلك التغيرات بذكاء وبأداء يكشف قوتنا دون تفريط في مقدراتنا".

منفذون لسياسات الهيمنة


وتساءل خبير الحوكمة الاستراتيجية المصري رضا حلمي: "لماذا يُكافأ مَن فشل في خدمة المواطن المصري بمناصب رفيعة بالأمم المتحدة؟"، مضيفا عبر "فيسبوك": "كيف يُكافأ من تبنوا سياسات صندوق النقد المجحفة، والذين لم يحققوا نتائج ملموسة لصالح المواطن، بمناصب مرموقة بالأمم المتحدة؟"، متابعا: "هل المنصب الدولي جائزة نهاية الخدمة للولاء لأجندة الخارج على حساب وجع الداخل؟".

وأشار إلى أسماء وزير مالية عهد حسني مبارك، يوسف بطرس غالي، وتسببه في ضياع مدخرات التأمينات، والوزير محمود محي الدين، مهندس خصخصة الشركات العامة، والوزير محمد معيط، وإغراق مصر في الديون، ورانيا المشاط، وجلب القروض، موضحا أنهم في مصر "منفذون طيعون"، مضيفا: "والمنظمات الدولية تبحث عن تكنوقراط تابعين يضمنون تمرير سياسات الهيمنة المالية، لا عن خبراء وطنيين يتبنون السيادة الوطنية الحقيقية".
التعليقات (0)