حاورت قبل سنوات
دبلوماسيا عربيا تبوأ سابقا منصبا دوليا حول "نظرية المؤامرة". تبسم
ونظر لي نظرة العارف، وقال لي "لا يوجد نظرية مؤامرة"، فالمؤامرة حقيقة
واقعة!
أتذكر هذا الحوار وقد
أصبحت المؤامرة "الإسرائيلية" المدعومة من القوى العالمية وعلى رأسها
الولايات المتحدة ليس مجرد نظرية، بل صارت واقعا لا تعبر عنه الأحداث فقط، بل
التصريحات العارية التي تصدر عن مسؤولين في دولة
الاحتلال، وفي الغرب.
حرب دينية؟
في ثنايا هذه المؤامرة
التي كانت نظرية وأصبحت شعارات معلنة، تبرز طبيعة الحرب الدينية ضد المنطقة.
لطالما ركز كثير من المحللين والكتاب العرب -ومن بينهم العبد لله كاتب هذه السطور-
على التحليل السياسي الواقعي لفهم الأحداث، واعتبار الدوافع الدينية هامشا في
خلفية الأحداث، ولكن إدارة الرئيس ترامب وحكومة الصهيونية الدينية- الليكود بقيادة
نتنياهو، تصران على العكس!
لقد قال رئيس الوزراء العلماني لـ "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"! إن حربه على غزة ثم إيران هي للقضاء تماما على "العماليق" الذين ورد ذكرهم كأعداء لليهود في التوراة، ناهيك عن تصريحات الحاخامات وسياسيي الصهيونية الدينية التي لا تعد ولا تحصى بهذا الخصوص!
يجمع ترامب
القيادات
الدينية والروحية المسيحية واليهودية في الولايات المتحدة في البيت الأبيض
ليباركوه ويدعو له بالنصر على إيران، فيما يقول السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام إن هذه الحرب دينية، وستحدد مستقبل
الشرق الأوسط لألف عام قادمة. أما مارك روبيو وزير الخارجية الأمريكي، فقد أكد في
خطابه أمام مؤتمر ميونخ للأمن على الطبيعة المسيحية لكل من أوروبا وأمريكا. ومن
الجيد هنا قراءة مقال الدكتور
جوزيف مسعد في "عربي21" عن
التأصيل التاريخي للحروب الدينية المسيحية التي شنها الأوروبيون "البيض"
على مختلف دول وشعوب العالم غير البيضاء.
ومنذ اندلاع حرب الإبادة
الجماعية ضد غزة في أكتوبر 2023، لم يخف نتنياهو وأركان حكومته الأصول الدينية
للحرب.
لقد قال رئيس الوزراء العلماني لـ "الديمقراطية الوحيدة في الشرق
الأوسط"! إن حربه على غزة ثم إيران هي للقضاء تماما على "العماليق"
الذين ورد ذكرهم كأعداء لليهود في التوراة، ناهيك عن تصريحات الحاخامات وسياسيي
الصهيونية الدينية التي لا تعد ولا تحصى بهذا الخصوص!
يؤكد هذه الطبيعة
الدينية للحرب ضد شعوب المنطقة، تصريحات سفير واشنطن في دولة الاحتلال، مايك
هاكابي، الذي عجز عن فهم سؤال الصحافي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون حول أحقية
البولندي نتنياهو في القدس، فقال إنه لا يعرف إلى ماذا يريد السائل أن يصل، لأن الرب
قد أعطى اليهود الأرض الواقعة بين الفرات والنيل، وبالتالي فإن من حق إسرائيل أن
تسيطر عليها، ولا يصبح لسؤال المذيع -والحال هذه- أي معنى!
لم يتأخر زعيم المعارضة
"الإسرائيلية" العلماني هو الآخر! يائير لابيد بالتعليق على تصريحات
هاكابي، ليقول إنه يدعم مخطط "إسرائيل الكبرى" الذي يتبنى الاستيلاء على
المنطقة العربية من نهري الفرات إلى النيل، بزعم أن "الحدود التوراتية لأرض
إسرائيل واضحة"، مضيفا أن "عقد ملكيتنا على أرض إسرائيل هو الكتاب
المقدس، وبالتالي فإن الحدود هي حدود الكتاب المقدس"!!
سايكس بيكو جديد!
لطالما لعن كثير من
العرب من القوميين والإسلاميين خصوصا
سايكس بيكو، واعتبروها -محقين- نهاية للرابطة
التي يؤمنون بها أساسا بين شعوب المنطقة، سواء كانت الإسلام أو العروبة. نفتح قوسا
هنا لرأي المؤرخ العربي بشير نافع، الذي يؤكد أن ترتيبات تأسيس دول المنطقة
العربية صنعتها فعليا اتفاقية
سان ريمو في المؤتمر الذي عقدته -عام 1920- مجموعة الدول
المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، ولكن على أية حال تبقى سايكس بيكو تحمل أهمية
تاريخية في المخيال الشعبي العربي، باعتبارها تمثل "التعريف الكلاسيكي"
للمؤامرة! كما أنها البذرة الأولى لتقسيم المنطقة ديمغرافيا وجغرافيا ومشروعا
حضاريا.
لم تخف دولة الاحتلال اهتمامها باللعب في ورقة "الأقليات"، ولكنها أصبحت أكثر صراحة وعلنية بعد السابع من أكتوبر. ولطالما دعمت مشاريع التقسيم سواء كان ذلك في السودان، أو ليبيا واليمن بعد إسقاط القذافي وعلي عبد الله صالح، فيما انفتحت شهيتها بشكل واضح وفاضح بعد سقوط نظام الأسد في سوري
ولئن كانت مؤامرة سايكس
بيكو قد تسجل بداية التخطيط لما يعرف بالدولة القطرية في
العالم العربي، بما حملته
من فرقة وخلافات بين هذه الدول من جهة، وبين الشعوب العربية وشعوب المنطقة الأخرى
وخصوصا الكرد من جهة أخرى، فإن دولة الاحتلال باتت تسعى إلى تكرار هذه المؤامرة من
جديد، ولكنها -للمفارقة- لا تقوم بذلك بالخفاء كما كان الحال مع سايكس بيكو، بل إنها
تعلن ذلك يوميا على لسان مسؤولين وكتاب وصحفيين.
ماذا تعني إعادة تشكيل
الشرق الأوسط التي صرح بها نتنياهو عشرات المرات حتى قبل بدء حرب الإبادة على غزة؟
وماذا تعني المقالات التي تنشر يوميا والتصريحات السياسية بهذا الخصوص؟ ليس لهذه
المخططات من معنى سوى إعادة تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات أصغر مما هو عليه
الحال، واستغلال ورقة "الأقليات" وضعف الدولة القومية -وفشلها أحيانا-
عن مقاومة المخططات-المؤامرة "الإسرائيلية".
لم تخف دولة الاحتلال
اهتمامها باللعب في ورقة "الأقليات"، ولكنها أصبحت أكثر صراحة وعلنية
بعد السابع من أكتوبر. ولطالما دعمت مشاريع التقسيم سواء كان ذلك في السودان، أو
ليبيا واليمن بعد إسقاط القذافي وعلي عبد الله صالح، فيما انفتحت شهيتها بشكل واضح
وفاضح بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، حيث أصبحت التصريحات العلنية تتوالى على لسان
مسؤولين "إسرائيليين" عن ضرورة دعم الدروز والكرد، بل إن جيش الاحتلال
شارك فعليا في قصف السويداء ودمشق دعما لمجموعات "درزية" تسعى للانفصال
عن الدولة السورية.
ومع بداية العدوان
الأمريكي- "الإسرائيلي" الأخير على إيران، ازداد الحديث عن "إعادة
تشكيل الشرق الأوسط"، وبدأ العمل فعليا على ذلك من خلال تحريض الزعماء الكرد
في "كردستان العراق" على إرسال قوات كردية تتبع للكرد الإيرانيين للتسلل
إلى إيران وشن حرب على الدولة.
لا يخفى على المحرضين
على دخول الكرد لحرب برية على إيران طبيعة التداعيات الممكنة لمثل هذه الحرب، بل
هي جزء من أهدافهم، وهي تقسيم إيران، حيث يمكن -إذا ضعفت الدولة المركزية- أن يؤدي
تمرد الكرد إلى تشجيع القوميات الأخرى في إيران من فرس وأذريين وعرب وبلوش لحماية
أنفسهم وخلق كيانات خاصة بهم.
إذا نجحت مثل هذه الخطة
في ظل الضربات الجوية الهائلة التي تتعرض لها إيران، فإننا أمام واقع جديد، يخلق
سايكس- بيكو جديدا، يقسم الدول المقسمة أصلا. وإذا نجح الكرد في إيران بالحصول على
إقليم خاص بهم فإن هذا سيشجع إقليم كردستان العراق على السعي للانفصال التام عن
بغداد، وسيشجع الكرد في سوريا وتركيا وربما قوميات وأقليات طائفية أخرى في كل دول
المنطقة على السعي للانفصال.
في
مقال نشر قبل يومين للكاتب الصهيوني مائير
سويسا في "يديعوت أحرنوت"، دعا الكاتب صراحة لصياغة سايكس- بيكو جديد،
وقال إن تصدع القوة العسكرية لإيران "يجعلنا" نشاهد -على المباشر- تشكيلا
جديدا للشرق الأوسط. وبطبيعة الحال، لجأ الكاتب العنصري إلى تحليلات
"استشراقية" ترى أن شعوب المنطقة هي مجموعة من القبائل والعرقيات والعشائر
المنقسمة، واعتبر أن هذا الواقع سيجعل الحرب تقود إلى تفكك الدول القُطرية إلى
دويلات تتوزع بين هذه القبائل والأقليات، مضيفا أنه "وسط هذا الفوضى، هناك
مجموعة واحدة تمتلك ميزة لا يملكها أحد آخر في المنطقة: الأكراد الذين لديهم رواية
قومية متماسكة، وأرض متصلة، وإصرار حديدي. وهم الفاعلون الوحيدون في الشرق الأوسط
الناشئ الذين لا يعتمدون على أيديولوجية دينية متطرفة أو على حدود استعمارية
عشوائية. وقد يكونون هم من يحقق الاختراق الحقيقي نحو تغيير الأنظمة في إيران
وسوريا".
وبعيدا عن العنصرية
الاستشراقية في رؤية الكاتب، إلا أنها تعبر عن أوهام دولة الاحتلال في صناعة
مؤامرة جديدة ضد المنطقة، تتمثل في "سايكس-بيكو" جديدة، تقسم الدول
العربية لعشائر وقبائل سابقة على الدولة الحديثة.
القصف على إيران، والهدف جميع دول المنطقة!
لا يعني سرد هذه الأفكار
الرؤى التآمرية لدى قطاع كبير من السياسيين والمحللين "الإسرائيليين"
أنها ستتحقق، إذ أن المنطقة تعيش في حالة صراع مع المشاريع الاستعمارية منذ أكثر
من قرن ونصف، وسيستمر هذا الصراع ما دامت الأوهام الاستعمارية الغربية والصهيونية
قائمة. ولكن، كيف ستكون نتيجة هذا الصراع؟ هذا يعتمد على إدراك دول وشعوب المنطقة
على أنها جميعها مستهدفة من نفس الأوهام والمشاريع الاستعمارية، المدججة بروايات
دينية تبرر القتل والتدمير، تحت غطاء شعارات حضارية وإنسانية!
القصف على إيران، والهدف
جميع دول المنطقة!