قال "لفين بوريدج"، مسؤول التواصل العلمي في المرصد الملكي غرينتش بالمملكة المتحدة، إن معظم الناس يرون لون
السماء الأزرق أمراً مسلّماً به، لكن لونها قد يتغير بشكل كبير عبر تاريخ
الأرض، وهو ما يشير إليه بعض العلماء.
ويوضح بوريدج أن هناك عاملين رئيسيين يجعلان السماء تبدو زرقاء خلال النهار، قائلاً:
العامل الأول "هو الشمس؛ ضوؤها العادي أبيض اللون، مما يعني أنه يحتوي على جميع ألوان الطيف: الأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق".
العامل الثاني "فهو تركيب الغلاف الجوي، فالسماء تحتوي على أعداد هائلة من الجسيمات الدقيقة مثل النيتروجين، إضافةً إلى الأكسجين وبخار الماء، وهذه الجسيمات تشتت الضوء في جميع الاتجاهات المختلفة".
ولفت بوريدج إلى أن الضوء الأزرق يمتلك طولاً موجياً أقصر من معظم الألوان الأخرى، ولذلك يتشتت بدرجة أكبر، مما يملأ السماء باللون الأزرق، وفق تحقيق نشرته شبكة "
بي بي سي".
مليار سنة قبل أن يتغير لون السماء
يقول بوريدج إنه لكي يحدث تغيّر دائم في لون سمائنا، سنحتاج إلى تحوّل جذري في تركيبة غلافنا الجوي.
ويضيف: "أي شيء بهذا الحجم لن يحدث على المدى القصير، إلا إذا كنا غير محظوظين للغاية وتعرّضنا لاصطدام نيزك هائل بنا"، مستدركاً: "لكن من غير المرجّح أن يحدث ذلك"، ويقدّر أن أمامنا ما لا يقل عن مليار سنة قبل أن تتوقف السماء عن كونها زرقاء.
ومع تقدم الشمس في العمر، ستزداد سطوعاً تدريجياً. يقول بوريدج إنه في غضون مليار عام تقريباً، ستُصدر ضوءاً أكثر بنسبة 10 في المئة تقريباً مما تُصدره اليوم.
ويضيف: "سيؤدي ذلك إلى تسخين الأرض، وسحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وفي النهاية سيبدأ بغليان محيطاتنا"، ويرى أنه من الممكن أن يؤدي هذا إلى إطلاق كميات كبيرة من الأكسجين في الغلاف الجوي، وربما يجعل السماء أكثر زرقة وعمقاً لفترة قصيرة.
اظهار أخبار متعلقة
لكن بمجرد نفاد هذا الأكسجين، يقول بوريدج إن السماء ستتحول إلى "غلاف جوي أبيض مصفر شديد الحرارة، أشبه بغلاف كوكب الزهرة"، وفي المستقبل البعيد بعد حوالي خمسة مليارات عام من الآن ستبدأ الشمس في النفاد من وقودها وتتحول إلى عملاق أحمر.
ويقول: "عندما تقترب الأرض من نهاية عمرها، سنفقد المكوّن الأول، وهو الضوء الأزرق القادم من الشمس"، ويضيف "مع بدء الشمس في الموت والانتفاخ لتصبح نجماً ضخماً شديد الاحمرار، فإن أي غلاف جوي متبقٍ على الأرض سيكتسب لوناً قرمزياً داكناً".
الوضع مع الكواكب الأخرى مختلف تماماً
يضيف بوريدج أن السماء الزرقاء الساطعة للأرض تُعد فريدة في النظام الشمسي؛ فبينما يُعتقد أن بعض الكواكب، مثل المشتري، تمتلك غلافاً جوياً علوياً أزرق باهتاً مشابهاً لغلاف الأرض الجوي، إلا أنه أقل سطوعاً بكثير.
وبسبب بُعد المشتري الأكبر عن الشمس، لا يتلقى هذا الكوكب سوى نحو 4 في المئة فقط من ضوء الشمس الذي يصل إلينا هنا على الأرض، "لذلك لا تحصل على تلك السماء الزرقاء القوية التي نراها هنا على الأرض".
أما على بعض الكواكب الأخرى، فالوضع مختلف تماماً؛ فكوكب المريخ يمتلك غلافاً جوياً رقيقاً فقط، لذلك لا يحدث تشتت رايلي بكثرة. وبدلاً من ذلك، فإن جسيمات الغبار العديدة فيه - وهي أكبر حجماً من جزيئات النيتروجين والأكسجين في غلافنا الجوي - تقوم بتشتيت الضوء بطريقة مختلفة.
ويوضح بوريدج أن هذه العملية تسمى "تشتت مي"، وتؤدي إلى سماء حمراء أو مائلة إلى الصفرة مع غروب شمس أزرق.
هل كانت السماء زرقاء دائماً؟
يقول مسؤول التواصل العلمي في المرصد، إن السماء الزرقاء التي نعرفها اليوم على الأرض تُعد تطوراً حديثاً نسبياً في التاريخ الطويل للكوكب.
ورغم أنه لا توجد طريقة مؤكدة لمعرفة شكل السماء في الماضي، إلا أن العلماء يتوقعون أن لونها ربما تغيّر تبعاً للغازات التي كانت موجودة في الغلاف الجوي في ذلك الوقت.
فقبل نحو 4.5 مليار سنة، كان سطح الأرض عندما تشكّلت في معظمه منصهرًا. ومع تبريد الكوكب، تشير إحدى النظريات إلى أن الغلاف الجوي المبكر كان يتكوّن أساسًا من غازات ناتجة عن الانفجارات البركانية وأنشطة جيولوجية أخرى - مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين وكميات صغيرة من
الميثان - مع وجود القليل جدًا من الأكسجين.
ومع مرور الزمن، أضافت البكتيريا التي تشكّلت على الأرض كميات كبيرة من غاز الميثان إلى الغلاف الجوي. وعندما اصطدم الضوء بهذا الميثان، تحوّل إلى مركّبات عضوية أكثر تعقيدًا شكّلت ضبابًا برتقاليًا في السماء، يشبه إلى حد ما الضباب الدخاني.
أوضح بوريدج أن حدث الأكسدة العظيم جاء قبل نحو 2.4 مليار سنة، عندما بدأت كائنات بدائية تُسمّى البكتيريا الزرقاء باستخدام عملية التمثيل الضوئي لتحويل ضوء الشمس إلى طاقة، مطلِقةً كميات كبيرة من الأكسجين في هذه العملية.
عندها، بدأ الأكسجين يتراكم إلى مستويات ملحوظة في الغلاف الجوي، ما أدى في النهاية إلى اختفاء ضباب الميثان. ومع تَشَكُّل غلافنا الجوي الحديث، أصبحت السماء باللون الأزرق الذي نعرفه اليوم.
هل ستبقى السماء زرقاء للأبد؟
يقول بوريدج، إنه على المدى القصير، لن تختفي السماء الزرقاء للأرض في أي وقت قريب. ورغم أن التلوث وحرائق الغابات والانفجارات البركانية والعواصف الترابية يمكن أن تغيّر لون السماء مؤقتاً، فإن هذه التأثيرات تكون قصيرة الأمد.
وأضاف، بعد الانفجار الهائل لبركان كراكاتوا في إندونيسيا عام 1883، شوهدت غروب شمس حمراء مذهلة، بل وحتى غروب شمس أخضر وأقمار زرقاء. ويُعتقد أن السبب كان وجود جُسيمات مثل الكبريتات والرماد في الغلاف الجوي، والتي تُشتّت الضوء بطريقة مختلفة عما اعتدنا عليه.
تقول الدكتورة كلير رايدر، الأستاذة المشاركة في علم الأرصاد الجوية بجامعة ريدينغ في المملكة المتحدة، إن: "التأثير اللوني العام للهباء الجوي - وهو عبارة عن جزيئات صلبة أو شبه صلبة في الغلاف الجوي - يعتمد على أحجامها النسبية".
وتضيف: "نحصل عادةً على تأثيرات لونية قوية جداً، خاصة عند الغروب، إذا كانت جسيمات الهباء الجوي كلها بالحجم نفسه"، لأن ذلك يعزز عملية التشتت بالطريقة نفسها.
كما توضح قائلة: "عندما يكون لديك نطاق متنوع من أحجام الجسيمات، فإن كل جسيم بحجم مختلف سيتفاعل مع أطوال موجية مختلفة بطرق مختلفة، مما ينتج مزيجاً من الألوان". وإذا حدثت هذه التأثيرات في الوقت نفسه، فقد تمتزج لتكوّن "ضباباً مائلاً إلى البياض أو البني".
اظهار أخبار متعلقة
ويمكن أن يحدث هذا أحياناً مع الانفجارات البركانية أو العواصف الترابية، وكذلك مع تلوث الهواء. وتشير إلى أنه من الجدير التفكير في كيفية تأثير تغيّر المناخ على لون سمائنا مستقبلاً.
وتقول أيضاً: "سنضيف مزيداً من بخار الماء إلى الغلاف الجوي مع ارتفاع درجات الحرارة"، ما قد يسمح لجسيمات الهباء الجوي بأن تنتفخ بفعل الرطوبة، وهو ما يزيد من قدرتها على تشتيت الضوء ويعزز تأثير تبييض السماء.
وتضيف: "وعلى العكس، إذا انخفضت انبعاثات التلوث في المستقبل، فقد نحصل على سماء أكثر زرقة"، لكن كل هذه التغيرات قد لا تكون ذات أهمية تُذكر على المقياس الزمني الفلكي.