نشرت صحيفة "نيويورك تايمز"
مقالا للصحفية نينا أغراوال تناول مفهوم "
الصحة الأيضية"، الذي أصبح مصطلحا شائعا في مجال الصحة ويصعب تجاهله.
وأشارت إلى أن وزير الصحة روبرت ف. كينيدي جونيور جعله ركنا أساسيا في برنامجه "لنجعل أمريكا صحية مرة أخرى"، كما ألّف الدكتور كيسي مينز، المرشح لمنصب الجراح العام، كتابا حقق أعلى المبيعات يشرح سبل تحقيق هذه الصحة، في حين يروج مؤثرون لها باعتبارها مفتاح طول العمر.
ويعد مفهوم الصحة الأيضية من المصطلحات التي يصعب ضبط تعريفها بدقة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنه يستخدم غالبا للدلالة على غياب متلازمة الأيض، وهي مجموعة من الاضطرابات الصحية المترابطة التي تعكس خللا في عملية
التمثيل الغذائي، أي الطريقة التي يستخدم بها الجسم الطاقة ويخزنها.
وتعرف متلازمة الأيض بتوفر ثلاثة أعراض على الأقل، تشمل زيادة محيط الخصر، وارتفاع الدهون الثلاثية، وانخفاض مستوى
الكوليسترول الجيد، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع مستوى
السكر في الدم، وهي حالات تزيد مجتمعة من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية وداء السكري من النوع الثاني.
اظهار أخبار متعلقة
وتشير التقديرات إلى أن الغالبية العظمى من الناس لا يتمتعون بصحة أيضية جيدة، إذ قدّرت جمعية القلب الأمريكية أن 90 بالمئة من البالغين في الولايات المتحدة يعانون من درجة ما من متلازمة القلب والأوعية الدموية والكلى والأيض، وهو مصطلح شامل عرّفته الجمعية عام 2023 بوصفه اضطرابا صحيا ناتجا عن تداخل السمنة مع داء السكري وأمراض الكلى المزمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية.
وتبرز الدهون الزائدة بدورها بوصفها أحد الأسباب الرئيسية لاختلال التمثيل الغذائي، إذ أوضحت الدكتورة لاثا بالانيابان، العميدة المساعدة للبحوث في كلية الطب بجامعة ستانفورد، أن السمنة، ولا سيما تراكم الدهون في منطقة البطن، تشكل عنصرا محوريا في هذا الخلل. ويعاني نحو ثلاثة أرباع البالغين الأمريكيين من زيادة الوزن أو السمنة.
تخزن الخلايا الدهنية الطاقة على هيئة دهون ثلاثية، وعند استهلاك سعرات حرارية تفوق ما يحرقه الجسم بشكل مزمن، تتجاوز هذه الدهون قدرة الخلايا الدهنية على التخزين، فتبدأ بالتراكم في أماكن غير مخصصة لها، مثل الكبد والعضلات، بحسب ما أوضح الدكتور بول كوهين، الأستاذ المشارك في جامعة روكفلر، الذي يركز مختبره على دراسة السمنة والأمراض الأيضية.
وتفرز الخلايا الدهنية جزيئات التهابية تعيق عمل الأنسولين، فيما تُسهم مقاومة الأنسولين بدورها في تفاقم السمنة، وهو ما وصفه الدكتور كوهين بحلقة مفرغة يصعب كسرها.
وتلعب العوامل الوراثية دورا كبيرا فيها، إضافة إلى شكل الجسم، إذ لا تقتصر السمنة على نوعية الغذاء أو مستوى النشاط البدني .
وأوضح الدكتور كوهين أن الأشخاص ذوي شكل الجسم التفاحي، الذين يخزنون الدهون في منطقة البطن، يكونون أكثر عرضة للإصابة بمشكلات أيضية مقارنة بذوي الشكل الكمثري الذين تتجمع الدهون لديهم في الوركين والفخذين.
وأرجع كوهين هذا الاختلاف إلى الفروق الجزيئية بين الدهون تحت الجلد والدهون الحشوية المحيطة بالأعضاء الداخلية، إذ تختلف طريقة تعبير الجينات وتأثيرها على الالتهاب بين النوعين.
تترافق زيادة الدهون غالبا مع اضطرابات صحية أخرى، إذ شبّهت الدكتورة بالانيابان السمنة بإشارة فحص المحرك في السيارة، باعتبارها علامة تحذير مبكرة لمخاطر أيضية أخرى قد تؤدي إلى أمراض القلب.
وأكدت أهمية فحص مستويات الكوليسترول والجلوكوز وضغط الدم عند ملاحظة زيادة الدهون، باعتبار ذلك الخطوة التالية لتحسين الصحة الأيضية.
اظهار أخبار متعلقة
أوضحت الدكتورة سعدية خان، المتخصصة في أمراض القلب الوقائية بكلية فاينبرغ للطب في جامعة نورث وسترن، أن السمنة لا تؤدي بالضرورة إلى ظهور جميع عوامل الخطر في الوقت ذاته، فقد يعاني بعض الأشخاص في البداية من ارتفاع ضغط الدم فقط، بينما يظهر لدى آخرين ارتفاع الكوليسترول أو السكري من النوع الثاني، إلا أن تفاقم الخلل الأيضي غالبا ما يقود إلى تعدد الحالات المرضية.
وشددت خان على أهمية مراقبة التغيرات التدريجية بمرور الوقت، مثل الارتفاع البطيء في ضغط الدم بين زيارات الطبيب، معتبرة أن الاتجاه التصاعدي لهذه المؤشرات يمثل علامة إنذار.
ويتسبب الخلل الأيضي، مع مرور الوقت، بأضرار جسيمة في الجسم، إذ يؤدي ارتفاع ضغط الدم إلى تلف الشرايين وتصلبها وزيادة تراكم الترسبات، ما يرفع خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية، كما يفرض ضغطا إضافيا على القلب والكليتين، ويزيد من احتمالات الإصابة بفشل القلب وأمراض الكلى.
ويؤدي داء السكري إلى تلف الشرايين ووحدات الترشيح في الكلى، فيما تسهم مقاومة الأنسولين وتراكم الدهون في الكبد في الإصابة بمرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب التمثيل الغذائي، المعروف اختصارا بـ MASLD، وهي حالة قد تتسبب بالتهاب وتندب لا رجعة فيه داخل الكبد.
وأشار الدكتور كوهين إلى أن ما لا يقل عن 13 نوعا من السرطان، من بينها سرطان الثدي والقولون وبطانة الرحم والكبد والبنكرياس، تنتشر بصورة أكبر بين من يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، موضحا أن ارتفاع مستويات الأنسولين قد يسرّع نمو الأورام.
ويركز الأطباء على الوقاية بوصفها الخطوة الأهم، إذ أوضح الدكتور جوشوا جوزيف، الأستاذ المشارك في علم الغدد الصماء والسكري والتمثيل الغذائي بكلية الطب في جامعة ولاية أوهايو، أن الوصول إلى وزن صحي يمثل خطوة أولى أساسية للوقاية من اضطرابات التمثيل الغذائي.
وينصح الأطباء بالبدء بتغييرات في نمط الحياة، تشمل الإقلاع عن التدخين، وزيادة النشاط البدني، واتباع نظام غذائي صحي للقلب مثل حمية البحر الأبيض المتوسط أو حمية DASH، إلى جانب الحصول على نوم كاف.
وترى الدكتورة خان أن الإقلاع عن التبغ يمكن أن يكون نقطة الانطلاق الأهم عند الشعور بصعوبة الالتزام بكافة التغييرات، نظرا لارتباط التدخين بزيادة الدهون الحشوية وإلحاقه أضرارا بالشرايين، إضافة إلى احتمال مساهمته في زيادة مقاومة الأنسولين.
وتنصح خان بمراجعة الطبيب لتحديد الجانب الأكثر تأثرا في الصحة الأيضية، سواء كان ضغط الدم أو الكوليسترول أو مستوى السكر في الدم، في حال تعذر الالتزام الكامل بتغييرات نمط الحياة.
اظهار أخبار متعلقة
ويشدد الدكتور جوزيف، مدير مركز المجتمع الصحي في كولومبوس، على ضرورة دمج التغييرات الصحية في الروتين اليومي، مثل طهي الطعام في المنزل بدلا من تناوله في المطاعم، للحد من استهلاك الصوديوم والسعرات الحرارية.
وتساعد الرياضة على إنقاص الوزن وتقليل مقاومة الأنسولين، إذ توصي جمعية القلب الأمريكية بممارسة 150 دقيقة على الأقل من التمارين الهوائية المعتدلة أسبوعيا، إلى جانب تمارين تقوية العضلات مرتين أسبوعيا، في حين لا يلتزم سوى ربع البالغين الأمريكيين بهذه التوصيات.
ويضيف جوزيف أن إدخال أنشطة بسيطة، كالمشي أثناء استراحة الغداء أو استخدام الدرج في مكان العمل أو ركن السيارة بعيدا قليلا عن المتجر، قد يحدث فرقا ملموسا.
ويبقى فقدان الوزن عبر تغييرات نمط الحياة وحدها أمرا صعبا في كثير من الحالات، إذ تُعد أدوية GLP-1 فعالة بدرجة كبيرة في علاج السمنة وتقليل مخاطر مضاعفاتها اللاحقة، مثل متلازمة التمثيل الغذائي والسكري وأمراض القلب.
وتؤكد الدكتورة خان أن المراحل المبكرة من السمنة تمثل فرصة مثالية للتركيز على علاجها أو الحد من تفاقمها.