من فوق أسطح
بيوت المدينة ارتفع أول نداء للصلاة، لا يشبه في وسيلته ناقوس النصارى، ولا بوق اليهود،
بل جاء من روح الأمة وعقيدتها ورسالتها.
بعد هجرة النبي
صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة، بدأ بتكوين شبكة العلاقات الاجتماعية
بين المؤمنين بالرسالة فيما بينهم، وبينهم وبين جيرانهم من غير المسلمين، وشرع في بناء
المسجد، حيث يجتمع المسلمون بحرية لأداء صلواتهم الجماعية. ومن المستجدات التي دعت
إليها حاجة المجتمع المسلم الجديد: كيفية النداء إلى الصلاة. وحيث لم ينزل بها وحي،
فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للتشاور.
توجَّه معظمهم
نحو التقليد، فقال أحدهم: نرفع راية كعادة عرب الصحراء في لفت النظر لأمر مهم، وقال
آخر: نستخدم ناقوسا مثل النصارى، وقال ثالث: نستخدم بوقا مثل اليهود.
لم يقبل النبي
صلى الله عليه وسلم أيّا من تلك المقترحات، وانفض المجلس على ذلك، وجعل الأمر قضية
عامة للجميع، حتى أتى أحد الصحابة بصيغة الأذان المعروفة، فصدَّق النبي صلى الله عليه
وسلم عليها، واعتمدها للنداء إلى الصلاة.
وهكذا، ومع
أول لبنات تكوين المجتمع المسلم، غرس النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ الإبداع والابتكار
والبعد عن التقليد والحلول الجاهزة. وإضافة إلى هذا المبدأ، كان الأذان بهيئته هذه
إعلانا متجددا بأن هذه الأمة امتداد دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وتلبية
لأذانه الأول في صحراء مكة برفع نداء التوحيد. كما كان توجيها للأمة نحو الاعتماد على
الذات والاستقلال الاقتصادي؛ فلا حاجة لاستيراد بوق أو ناقوس، بل اكتفاء ذاتي بالصوت
الإنساني. وكان في ذلك تربية للأمة على الجمع بين فاعلية الوسيلة وجمال الأداء، فكان
اختيار المؤذن الأول بلال رضي الله عنه لأنه الأندى صوتا.
وفضلا عن ذلك،
فإن الأذان يتناسب مع دين جعل من الأرض مسجدا وطَهورا، فأينما أدركت المسلمَ الصلاةُ
رفع النداء، دون حاجة لحمل ناقوس أو بوق.
ومع مرور الزمن،
احتاج الأذان إلى
مئذنة؛ فلم تعد أسطح المنازل وعتبات
المساجد تفي بحاجة المسلمين المتزايدين
عددا، والمنتشرين في مزيد من مساحة الأرض. وزادت الحاجة إلى مكان مرتفع ثابت يتيح وصول
الصوت إلى أبعد مدى. وهنا بدأت رحلة جديدة من الإبداع؛ إذ تحوَّل النداء من حنجرة بلال
على سطح بيت في المدينة، إلى بناء شامخ مخصص له، يرتبط ببناء المسجد ويصبح علامة تميّزه.
ومع اتساع
العمران الإسلامي في سنوات معدودة، من نقطة صغيرة على خريطة الأرض اسمها "المدينة
المنورة"، إلى دولة امتدت من الصين إلى إسبانيا، ومع تعدد الثقافات الداخلة في
الإسلام، واحترام الإسلام لخصوصية كل ثقافة في إطار ثوابت الدين، تنوَّع الإبداع العمراني.
كان للمئذنة
نصيب وافر من هذا التنوع:
• الشرق الإسلامي أبدع مئذنته المخروطية ذات القاعدة الضخمة والمنفصلة غالبا
عن الكتلة البنائية للمسجد.
• المماليك في مصر والشام أبدعوا المئذنة المملوكية ذات التدرجات والزخارف
المميزة.
• العثمانيون أبدعوا مئذنتهم الرشيقة المخروطية الطويلة المنتهية بسن مدبب
كالرماح.
• الأندلسيون ومعهم شمال أفريقيا أبدعوا المئذنة المربعة المزخرفة شاهقة الارتفاع.
• السلاجقة أبدعوا مئذنتهم الحجرية المنقوشة.
تتبعتُ تلك
النماذج في أسفاري، ووقفت منبهرا بعظمة مئذنة جامع كاليان في مدينة بخارى، التي يرجع
تاريخها إلى عام 1127م، وهي مئذنة مخروطية مقطعها الدائري في الأسفل قُطره عشرة أمتار
ويضيق تدريجيا حتى يصل إلى ستة أمتار، وترتفع خمسين مترا عن الأرض، ومنفصلة عن كتلة
المسجد.
حين رأى دليلي
السياحي انبهاري، قال:
- لقد وقف
موقفك هذا جنكيز خان.
فابتسمت وسألته:
- وما علاقة
القائد الدموي بهذا الجمال؟
فأجاب:
- حين دخل
بخارى بعد أن دمّرها وقتل أهلها، أراد إلقاء كلمة النصر، وبينما كانت الجثث متناثرة
في الساحة التي نقف فيها، وأعمدة اللهب والدخان تتصاعد من الجامع الكبير وما حوله،
وقع بصره على المئذنة الشامخة، فرفع رأسه ليرى قمتها، فسقطت قبعته عن رأسه، ومن دهشته
من عظمة وجلال المئذنة أمر بالإبقاء عليها وعدم هدمها. ومنذ ذلك الحين وهي واقفة تتحدى
عوادي الزمن.
وفي الأندلس،
ومن أعلى ربوة في مدينة إشبيلية، تكرر المشهد مع مئذنة جامع إشبيلية ذات المقطع المربع
المرتفع بثبات لنحو سبعة وتسعين مترا عن الأرض، والمزينة بروائع النقوش الأندلسية.
حين دخلها الإسبان وأقاموا محاكم التفتيش، وأمروا بهدم مظاهر العمران الإسلامي، قاموا
بهدم جامع إشبيلية وأقاموا مكانه كاتدرائية المدينة، ولكنهم أبقوا على مئذنة الجامع
كما هي، وحوَّلوها إلى برج أجراس الكاتدرائية.
صعدتُ إلى
قمتها عبر منحدر حلزوني يسمح بالوصول ماشيا، حتى نلت المكافأة: مشهد بانورامي للمدينة
كلها.
من بخارى إلى
إشبيلية، وقفتُ أمام المآذن التي تحدّت الزمن، أتذكر منبع الإبداع الذي نشأت منه، ونداء
التوحيد الذي انطلق منها لأرجاء المعمورة، ومسيرة أمة انطلقت من خصوصيتها العقائدية،
محافظة على الخصوصية الثقافية للأمم المنضوية تحت راية الإسلام، وأهدت للبشرية رموزا
حضارية وجمالية تعبر عن روح الإبداع والجمال الكامن في تعاليمها.