مغاربة عبروا إلى سبتة.. حكايات لم تنته عند الحدود

مهاجرون أقاموا مخيمات مؤقتة بعد تقطع السبل بهم- جيتي
"هل ندمت على خروجك من سبتة؟".. لم يحتج صاحب أحد مقاطع "ريلز" على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أكثر من هذا السؤال لتأتيه إجابات متشابهة في نبرتها، وإن اختلف أصحابها: "نعم، ندمت كثيرا"، و"سأذهب هذه المرة ولن أعود مرة أخرى"، و"نعم، ندمت.. كثيرا ندمت".

خلف هذه الإجابات حكايات لا تظهرها الأرقام التي تعلنها السلطات. فالوصول إلى سبتة لم يكن نهاية الرحلة بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، كما لم يكن بالضرورة بداية الحياة التي تخيلوها.

في هذا التقرير، تتبّعت "عربي21" حكايات عدد من الشباب المغاربة ممّن وثّقوا تجاربهم في سبتة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحدثت إلى بعضهم لنقل رواياتهم عمّا عاشوه بعد الوصول، من صعوبات العثور على الطعام والمأوى، إلى إخلاء المخيمات وما فرضه عليهم من انتظار أو عودة إلى المغرب.

وبينما تتحدث السلطات الإسبانية عن تحسن الوضع في سبتة، بعد إخلاء مخيمات المهاجرين وتسريع وتيرة العودة إلى المغرب، تستعد المدينة لاستقبال الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا يومي 13 و14 تشرين الأول/ أكتوبر. غير أن اختفاء الخيام من الشواطئ لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: ماذا حلّ بمن كانوا يقيمون فيها، وأين وجدوا أنفسهم بعدما انتهت المساحات التي احتموا بها؟

في سبتة.. حياة على هامش المدينة

عبر بلال سباحة من مرتيل إلى سبتة، لكنه لم يجد نفسه أمام الحياة التي كان يأملها. وتابعت "عربي21" مقاطعه التي وثّق فيها، على مدى نحو شهرين، يومياته مع أصدقائه في مخيم أقاموه، ومحاولاتهم تدبير احتياجاتهم، من صيد السمك إلى الاستفادة من مساعدات غذائية كان يقدمها أشخاص يصلون إلى مكان تجمعهم، قبل أن تنتهي هذه المرحلة بتدخل السلطات الإسبانية لتفكيك المخيم.

ومن خلال المقاطع والصور التي نشرها شباب مغاربة آخرون على مواقع التواصل الاجتماعي، أمكن تتبّع جانب من الحياة داخل المخيمات، كما عاشها أصحابها ووثّقوها بأنفسهم. فقد أظهروا أماكن نومهم، والصعوبات التي واجهوها في تدبير الطعام والاحتياجات اليومية، وتابعوا عبر حساباتهم تطورات الأزمة، من تشديد الإجراءات الأمنية إلى قرارات إخلاء المخيمات.

وكان شاطئ "إل ترامبولين" من أبرز مواقع تجمع المهاجرين؛ إذ قدّرت صحيفة "إل باييس" عدد المقيمين فيه بنحو 3500 شخص في آب/ أغسطس. وفي مقاطع الشباب وما تداولوه من صور، تداخلت تفاصيل الحياة اليومية مع تطورات الأزمة، بينما بدأت السلطات الإسبانية، في 20 آب/ أغسطس، نقل نحو 1700 مهاجر إلى مراكز إيواء مؤقتة.

لكن الاكتظاظ ومحدودية أماكن الاستقبال دفعا بعض المقيمين إلى العودة إلى الشواطئ والخيام، لتواصل "عربي21" تتبّع أوضاعهم من خلال ما نشروه عبر حساباتهم، بما في ذلك الأخبار الرسمية وتحركات السلطات وقرارات إخلاء المخيمات، إلى جانب ما وثّقوه من تفاصيل حياتهم اليومية بعد الوصول.

https://www.instagram.com/reel/Dc_IwxQI-ip/?psln=Z3c4eGlxMXM4cGpk

ومع مطلع تشرين الأول/ أكتوبر، عادت عمليات إخلاء المخيمات إلى الواجهة، بمشاركة وحدات التدخل التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية، وأكثر من 30 شاحنة للشرطة، إلى جانب عربات مدرعة من طراز (BMR) ومركبة (VAMTAC)، في انتشار أمني واسع. وظهرت في ما نشره الشباب أخبار تشديد الإجراءات الأمنية وإزالة أماكن التجمّع، بالتزامن مع استعدادات المدينة لاستقبال الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا يومي 13 و14 تشرين الأول/ أكتوبر.

وفي 5 تشرين الأول/ أكتوبر، أعلن وزير السياسة الإقليمية الإسباني، أنخل فيكتور توريس، العمل على إعادة الشاطئ إلى وضعه السابق، فيما تداولت وسائل الإعلام صورا للموقع بعد إزالة الخيام.

https://x.com/avtorresp/status/2105321524685152516

سفيان.. من الغابة إلى الشارع


أربعة أيام بلا طعام، وصعوبة في الحصول على الماء، ثم ليالٍ قضاها بحثا عن مكان ينام فيه. هذه بعض تفاصيل تجربة سفيان في سبتة، التي لا يرويها لـ"عربي21" في شهادة خاصّة فحسب، وإنّما يوثّق جوانب منها أيضا عبر مقاطع "ريلز" ينشرها على حسابه في "إنستغرام"، ناقلا تفاصيل الحياة بعد العبور.
بدأت رحلة سفيان بمحاولة عبور لم تكتمل؛ إذ قضى الليل على متن دراجة نارية بالقرب من الحدود، مترقّبا فرصة للوصول إلى سبتة. انتظر حتى الخامسة صباحا، قبل أن يعود إلى تطوان. وبعدما علم بفتح المعبر، أعاد المحاولة وتمكّن من الدخول.

اتجه إلى الغابة، حيث أمضى ستة أو سبعة أيام، أربعة منها من دون طعام. وفي شهادته الخاصة لـ"عربي21"، يروي كيف واجه ومن كانوا معه صعوبة في الحصول على الماء، وسط الجوع والعطش وارتفاع درجات الحرارة. وكانوا يعتمدون على ما قد يحصلون عليه من أشخاص يصادفونهم؛ ويتذكر أنهم تمكنوا، في إحدى المرات، من الحصول على الخبز والحليب والتونة.

https://www.instagram.com/reel/DeAbRqoieDj/?srtk=Y3NtZXhxaWMzdmsx

لاحقا، استضافه أحد أصدقائه، كما تمكّن بعدها من استئجار مكان لنحو شهرين، قبل أن يجد نفسه مجدّدا في الشارع بسبب تكاليف الإيجار والمعيشة وغياب مصدر دخل ثابت. ويقول سفيان لـ"عربي21" إنه قضى نحو ستة أيام من دون مكان مستقر للمبيت، واضطر إلى الاحتماء داخل السيارات، حيث أمضى يومين في إحداها، منتظرا فرصة للعثور على مأوى آخر.

"رغم وجود أشخاص يقدمون المساعدة، فإنها لا تضمن تلبية الاحتياجات اليومية. حتى الخبز، الذي يتراوح ثمنه أحيانا بين ستة وسبعة دراهم، يدخل ضمن حسابات المعيشة" يتابع سفيان حديثه، مبرزا أنّه لا يعمل حاليا، رغم ممارسته الحلاقة سابقا، ويأمل في العودة إليها لتحسين ظروفه. غير أن معدات الحلاقة التي يملكها تعمل بالكهرباء، ولا يتوفر على مكان ملائم يمكّنه من استئناف عمله.

أما عن الشرطة والسلطات الإسبانية، فيقول سفيان لـ"عربي21": "أنا أتفهم أن لكل جهة مهامها، وأن عملها يقتضي تطبيق القوانين". مسترسلا: "لكننا، من جانبنا، نحاول أن نجد طريقنا ونبني حياة أفضل".
https://www.instagram.com/reel/DeFlLbciaiZ/?dlrf=bmU1b2twYTAyc2Fw

ورغم من أن وضعه أصبح، بحسب وصفه، أفضل بعض الشيء ممّا كان عليه في الأيام الأولى. فما زال العمل والسكن وتدبير المصاريف تشغل حيزا من يومياته. إذ يأمل في تجاوز هذه المرحلة وتكوين أسرة وبناء حياة مستقرة، في انتظار أن تتاح له الظروف التي تمكنه من تحويل هذا الأمل إلى واقع.
إلى ذلك، من خلال شهادته لـ"عربي21" ومقاطع "ريلز" التي ينشرها على إنستغرام، تظهر تجربة سفيان وجها آخر للحياة في سبتة بعد العبور: فمغادرة المخيمات أو العثور على سكن مؤقت لا يعنيان بالضرورة الوصول إلى الاستقرار، ما دام تأمين الطعام والمأوى مرتبطا بمساعدة الآخرين أو بموارد مالية لا تتوفر بصورة منتظمة.

هبة.. شهران وستة أيام في سبتة

"لعلّه خير".. بهذه العبارة لخّصت هبة تجربتها في سبتة، عقب شهرين وستة أيام قضتها في المدينة، وثّقت خلالها جوانب من يومياتها عبر مقاطع فيديو نشرتها على حسابها في "إنستغرام". وتصف تلك الفترة بأنها كانت مليئة بالعذاب، بعدما وجدت نفسها أمام واقع لم ترَ فيه مخرجًا سوى العودة إلى المغرب.

وتروي هبة أنها لم تتقدّم بطلب لجوء حتى تنتظر صدور قرار برفضه، وإنّما قررت العودة مباشرة بعد أن ضاقت بها السبل. وتقول إنها خافت على مستقبلها، ورأت أن الرجوع إلى المغرب هو الخيار الأسلم بالنسبة إليها، في ظل ما عاشته من صعوبات خلال تلك الفترة.

وتستعيد هبة أيامها في سبتة بوصفها تجربة مرّت بحلوها ومرّها وشقائها، قبل أن تنتهي بقرار العودة. وهكذا، عادت إلى المغرب بعدما لم تجد في البقاء ما يطمئنها على مستقبلها، ليبقى حلم الوصول إلى أوروبا مؤجّلًا.

https://www.instagram.com/reel/DeMZfcRtKAu/?exln=MXZ2eWZreTdwMjU4Mg==

هشام.. عدّاء مغربي بين حلم الهجرة وتجربة العودة

يروي حساب هشام على "إنستغرام" مسارا مختلفا عن يوميات الهجرة وحدها؛ إذ يوثّق أيضا مشاركاته في سباقات العدو بالمغرب، ومقاطع يظهر فيها وهو يركض لمسافات طويلة تتجاوز أحيانا 15 كيلومترا. وبين صور التدريبات والسباقات، يبرز حلم آخر ظل حاضرا في يومياته: الوصول إلى أوروبا بحثا عن ظروف أفضل.

ووفق ما رواه هشام لـ"عربي21"، فقد أمضى 30 يوما في سبتة، وصفها بالعذاب، قبل أن تعيده الشرطة الإسبانية إلى المغرب. وبعد عودته، نشر مقاطع مصورة تحدث فيها عن تجربته، متناولا الأسباب التي دفعته إلى محاولة الهجرة، وما يراه من صعوبات تواجه الشباب المغربي في البحث عن فرص للعمل وبناء مستقبل مستقر.

وفي حديثه، لا يقدم هشام تجربته باعتبارها رفضا لبلاده، وإنّما يربط قرار الهجرة بما يصفه بغياب الفرص وضعف الثّقة في المسؤولين. ويقول إن المشكلة لا تتعلق بالفقر وحده، وإنما أيضا بالإحساس بأن الطريق نحو الاستقرار يظل صعبا، حتى بالنسبة إلى من يحاول العمل والاجتهاد.



ويستحضر هشام تجربته الرياضية لتوضيح جانب من هذه الصعوبات. فالرياضة، كما يقول، في حديثه لـ"عربي21" لا تقتصر على الميداليات والصور والتصفيقات، وإنما تتطلب سنوات من التدريب والتضحيات والمصاريف، في وقت يجد فيه الرياضي نفسه أمام إمكانات محدودة، دون دعم يتيح له مواصلة مساره أو ضمان مستقبل مهني بعد سنوات من العمل.

ويرى أن هذا الوضع قد يدفع بعض الرياضيين إلى التفكير في الهجرة، خصوصا عندما يشعرون بأن الفرص المتاحة أمامهم لا تضمن لهم الاستقرار المادي أو إمكانية مواصلة تحقيق طموحاتهم.

https://www.instagram.com/reel/DeMqlrmCl41/?vrfl=b3Z1ZTN5N2xuMnJm

وفي حديثه لـ"عربي21" يوجّه هشام حديثه إلى المسؤولين والبرلمانيين والحكومة والجماعات الترابية، مطالبا بتوفير فرص عمل حقيقية، وحماية حقوق العمال، ودعم الرياضيين، وتحسين الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والتكوين.

ويشدد على أن المطالبة بالإصلاح لا تتعارض، في نظره، مع حب الوطن، قائلا إن الشباب الذين يحاولون الهجرة لا يفعلون ذلك بالضرورة لأنهم لا يحبون المغرب، وإنما لأنهم يريدون العيش بكرامة والعثور على الفرص التي تساعدهم على تحقيق أحلامهم.

ويختتم هشام حديثه لـ"عربي21" بالتساؤل عن المسؤولية التي ينبغي مناقشتها في ملف الهجرة: هل تكمن المشكلة في الشباب الذين يقررون المغادرة، أم في الظروف والفرص التي تدفعهم إلى التفكير في مستقبلهم خارج البلاد؟

وبحسب أرقام أعلنها توريس في تشرين الأول/ أكتوبر، سُجلت 11,026 حالة عودة أو إبعاد إلى المغرب منذ آب/ أغسطس، بينها 10,513 عودة وصفها بالطوعية و513 حالة إبعاد. ومع ذلك، بقي تقدير عدد الأشخاص الموجودين في سبتة متفاوتا؛ إذ تحدثت الحكومة الإسبانية عن نحو تسعة آلاف شخص، مقابل تقدير رئيس الحكومة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، العدد بنحو 15 ألفا.

https://youtu.be/qKnGJ8G96Hc?si=JZzTvxu-v1XI-zvy

وبين من وجدوا أنفسهم في مواجهة قسوة الحياة داخل المخيمات، ومن اصطدموا بعد الوصول بصعوبات العمل والسكن وتدبير أبسط الاحتياجات اليومية، لم تكن كل حكايات العبور تنتهي بالعودة إلى المغرب أو بمحاولة البدء من جديد. فهناك أيضا مهاجرون مغاربة انتهت رحلتهم بالموت، ودُفنت جثامين بعضهم في مقبرة سيدي مبارك بسبتة من دون أن تُعرف هوياتهم.

إلى ذلك، فيما يواصل النّاجون البحث عن طريق إلى حياة أكثر استقرارا، بقيت عائلات أخرى تنتظر معرفة مصير أبنائها. هكذا، لم تكشف موجة العبور نحو سبتة عن المسافة بين حلم الوصول والواقع الذي ينتظر المهاجرين فحسب، وإنّما كشفت أيضا عن مصائر لم تصل إلى الضفة التي كان أصحابها يأملون بلوغها.