"إخلاء.. إخلاء".. عودة الحرب في غزة لكن بصمت

قدّر تقييم حديث لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية ارتفاع عدد المباني المدمّرة بنسبة 9% منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025- جيتي
لم يكن أحمد حسن، النازح في مخيم الشاطئ، يملك حتى الوقت الكافي لجمع أغراضه الشخصية، عندما دوّى صوت أحد جيرانه في المكان: "إخلاء.. إخلاء.. في قصف".

في لحظات، نادى أحمد شقيقيه ووالدته، وخرجوا على عجل من المنزل الذي استأجروه في المنطقة، تاركين وراءهم كل ما يملكون، بحثًا عن النجاة من قصف وشيك. 

ترك حسن شقة مستأجرة في منزل مدمر جزئيا في مخيم الشاطيء الأربعاء، قبيل وقت قليل من قصف عنيف للغاية نفذته قوات الاحتلال على منزل مدني مأهول بالسكان يعود لعائلة المصري، هرب سكانه أيضا بفارق دقائق للنجاة بحياتهم. وفق ما قاله لـ"عربي21".

قرار بين الحياة والموت

وخلال الأسابيع والأشهر الماضية، اعتاد السكان في المناطق المتبقية من قطاع غزة على تلقي تهديدات وأوامر بالإخلاء قبل دقائق معدودة من استهداف منازل ومناطق سكنية.

ولا يقتصر أثر هذه الأوامر على الخوف والرعب الذي يعيشه السكان، بل تفرض عليهم معاناة أخرى، إذ يجد مئات الفلسطينيين أنفسهم مضطرين إلى مغادرة منازلهم تحت وطأة التهديد، من دون أن يتمكنوا من جمع ملابسهم أو مقتنياتهم أو حتى أبسط أغراضهم الشخصية، ليجدوا أنفسهم مشردين في العراء.

وبعد القصف، يعود بعضهم ليجد المكان الذي كان يؤويه قد تحول إلى كومه من الأنقاض، ومعه تضيع أشياءهم القليلة التي لم يتمكنوا من حملها معهم، لتصبح لحظة الإخلاء بالنسبة لهم قرارا بين البقاء والموت، أو الرحيل وترك كل شيء خلفهم.

عقاب للفلسطينيين

يقول مصدر أمني في قطاع غزة لـ"عربي21" إن نهج الاحتلال الإسرائيلي في استهداف المنازل والمنشآت المدنية يحمل، في كثير من الحالات، طابعا انتقاميا يستهدف السكان بالدرجة الأولى، من دون وجود مبررات مرتبطة بنشاط عسكري أو أمني داخل تلك المنازل أو بأصحابها.

ويكشف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن قوات الاحتلال استهدفت منذ بدء سريان وقف إطلاق النار مئات المنازل والمنشآت المدنية في المناطق المتبقية من قطاع غزة، والواقعة خارج ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، بذريعة ارتباطها بنشطاء أو استخدامها لإيوائهم.

غير أن المصدر يؤكد أن الواقع الميداني، بحسب ما رصد، يكشف خلاف ذلك، مشيرا إلى أن معظم أصحاب المنازل المستهدفة لم يكن لهم صلة بأي أنشطة يمكن أن تُتخذ ذريعة لإصدار أوامر الإخلاء أو تنفيذ عمليات القصف.

ويضيف المصدر أن قوات الاحتلال تتعمد، استهداف منازل في مناطق مكتظة بالنازحين، في محاولة لبث الرعب بين السكان وتذكيرهم بأن الحرب لم تنتهِ، وأن معاناتهم لا تزال مستمرة رغم وقف إطلاق النار.

ويرى المصدر أن هذا النهج لا يقتصر أثره على الخسائر المادية، بل يفاقم حالة الخوف وعدم الاستقرار التي يعيشها النازحون، الذين يجدون أنفسهم أمام تهديد دائم بفقدان ما تبقى لهم من مأوى وممتلكات.

ويصف المصدر هذه السياسة بأنها انتقامية وإجرامية ومنهجية، تهدف، إلى إبقاء السكان تحت وطأة الخوف والتهجير المتكرر حتى في المناطق التي يفترض أن يشملها وقف إطلاق النار.

تدمير 9% من المنازل منذ الهدنة

قدّر تقييم حديث لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية ارتفاع عدد المباني المدمّرة بنسبة 9% منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، مع تضرّر نحو 82% من مباني القطاع، أي أكثر من 200 ألف منشأة، ثلثها دُمّر بالكامل.

والثلاثاء، قصف جيش الاحتلال ثلاثة منازل مأهولة، بينها واحدا في محيط مستشفى الشفاء غربي مدينة غزة، بعد إنذار بإخلاء مربع سكني.

وفي وسط القطاع، شنت مقاتلة حربية إسرائيلية غارة على الأقل تجاه منزل لعائلة "أبو غرقود" في مخيم البريج بعد إنذار بإخلاء مربع سكني.

وفي جنوب القطاع، قصف الاحتلال منزلاً في منطقة بطن السمين جنوب غربي مدينة خانيونس، يعود لعائلة اللحام، ما أسفر أيضا عن أضرار واسعة في منازل وخيام مجاورة.

أما اليوم الأربعاء، فقد قصف جيش الاحتلال منزلا لعائلة المصري في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، عقب أوامر إخلاء أصدرها، ما أدى إلى أضرار في عدد من المنازل المجاورة للمنزل المستهدف، فيما قصف منزلا آخر في النصيرات، وسط القطاع، متسببا بدمار هائل في العديد من المنازل.