نشرت
صحيفة "فايننشال تايمز "تقريرا للصحفية نجمة بزرجمهر من طهران يتحدث عن دور رجل الدين ورئيس جهاز "
الباسيج"
حسين طائب في المرحلة الراهنة.
وذكر التقرير، أن من الأمور المعلومة للجميع في
طهران هو أن حسين طائب، بصفته رئيسا لجهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري
الإيراني، قد تجاوز الحدود في ممارساته.
وقد
اتهمه منتقدون داخل النظام الإيراني - وهو الذي أدار الجهاز الاستخباراتي في
الفترة من 2009 إلى 2022 - بتسخير أجهزة الاستخبارات لخدمة طموحاته السياسية،
وملاحقة قضايا مثيرة للجدل ضد نشطاء بيئيين وشخصيات محلية أخرى، فضلا عن فشله في
منع عمليات الاغتيال الإسرائيلية التي استهدفت علماء نوويين. وبعد إقالته في عهد
المرشد الأعلى السابق آية الله علي
خامنئي، قضى طائب سنوات في عزلة سياسية.
والآن،
عاد طائب إلى المشهد بعد أن عيّنه مجتبى - نجل خامنئي وخليفته - لقيادة قوات
"الباسيج" (قوات التعبئة الشعبية) التابعة للحرس الثوري، في خطوة تعكس
توجه النظام للاستعانة بواحدة من أكثر شخصياته الأمنية إثارة للمخاوف من أجل فرض
السيطرة في الداخل.
وتأسست
قوات الباسيج كقوة تطوعية عقب ثورة عام 1979، وقد تزايد دورها وبرزت أهميتها منذ
أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران في شباط/ فبراير. وقد تسلح
العديد من أفراد الباسيج -الذين تقول السلطات إن أعدادهم تصل إلى الملايين- بأسلحة
أخذوها معهم إلى منازلهم من قواعد الحرس الثوري أثناء فترات القصف.
وقد
أقام هؤلاء نقاط تفتيش حول المدن وبدأوا يتجمعون ليلا في الساحات العامة، كما تشير
السلطات إلى انضمام المزيد من الإيرانيين إلى صفوفهم عبر حملات تجنيد واسعة النطاق.
ويرى
المحللون أن تعيين طائب يُعد واحدا من أهم القرارات التي اتخذها مجتبى خامنئي، حيث
صرح المرشد الأعلى الجديد بأن "الضرورات والظروف الجديدة" التي تمر بها
إيران تقتضي "تعميق وتوسيع ثقافة الباسيج".
وشمل
ذلك توسيع نطاق تواجد الباسيج في الأحياء والمساجد، وهي خطوة فسرها المحللون على
أنها مسعى لتعزيز الرقابة وتسهيل قدرة النظام على قمع المعارضة في المستقبل وفق التقرير.
وقال
مصدر مطلع داخل النظام ومقرب من التيارات المتشددة -كان قد انتقد طائب سابقا:
"في ظل هذه الظروف، كان هو الشخصية الأمنية الأنسب لهذه المهمة، فهو يدرك
جيدا كيفية التعامل مع التهديدات الداخلية".
وتشمل
هذه التهديدات، وفقا للمصدر ذاته: الحركات الانفصالية بين الأقليات العرقية في
المحافظات الحدودية، مثل الجماعات الكردية، والاضطرابات الشعبية الناجمة عن
المظالم الاقتصادية، ومحاولات جماعات المعارضة للإطاحة بنظام الحكم الديني،
وعمليات تهريب معدات الاتصالات -مثل نظام "ستارلينك"- إلى داخل البلاد.
وأضاف
المصدر المطلع: "تستعد إيران لتحول في طبيعة الحرب؛ إذ ستحاول أجهزة
الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية إضعافنا داخليا، وعلينا أن نكون
مستعدين".
ولا
تزال الاحتجاجات التي عصفت بالبلاد في شهري كانون الأول/ ديسمبر وكانون الثاني/ يناير
-أي بعد أشهر من حرب الأيام الاثني عشر التي شنتها إسرائيل في حزيران/ يونيو 2025-
حاضرة بقوة في أذهان القادة الإيرانيين؛ فقد بدأت تلك الاحتجاجات بسبب المصاعب
الاقتصادية قبل أن تتصاعد وتتحول إلى أكبر حركة مناهضة للنظام منذ قيام الثورة.
وقد
حمّلت السلطات "محرضين أجانب" مسؤولية الاضطرابات وشنت حملة قمع وحشية،
مشيرة إلى مقتل أكثر من 3000 شخص خلال يومي الذروة لتلك الاضطرابات، في حين قدّرت
جماعات المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية في الخارج أعداد القتلى بأرقام أعلى
بكثير.
ولم
تظهر أي مؤشرات على اضطرابات داخلية منذ اندلاع الحرب، إلا أن الولايات المتحدة
وإسرائيل ألمحتا في مناسبات عدة إلى إمكانية استخدام القوة العسكرية أو الضغوط
الاقتصادية لإحداث تغيير في النظام.
وفي
السنوات الأخيرة، أثبتت إسرائيل مدى الاختراق العميق الذي حققته أجهزتها
الاستخباراتية داخل النظام، بدءا من الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني عام
2018 ووصولا إلى اغتيال كبار القادة خلال كل من حرب الأيام الاثني عشر والصراع
الحالي. كما أعلن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، هذا الأسبوع عن توسيع نطاق
العقوبات الثانوية المفروضة على إيران، وذلك في إطار حملة قال إنها تهدف إلى
"إسقاط" الجمهورية الإسلامية.
وقال
أحد أقارب "طائب" (عن طريق المصاهرة) -وهو شخص مقرب أيضا من النظام
السياسي- إن "الولايات المتحدة استغلت حصارها [للموانئ الإيرانية] وتأمل أن
يدفع ذلك الناس في النهاية إلى النزول إلى الشوارع".
ويُعتبر
تعيين "طائب" بمثابة "رسالة إلى العدو... مفادها أنه لا ينبغي له
المراهنة على الاضطرابات الداخلية، لأن لدينا الآن شخصا متهورا يتولى زمام الأمور".
في
أوقات السلم، كان يُنظر إلى عناصر "الباسيج" -وغالبيتهم من الشباب
الموالين للنظام الذين لا يتقاضون أجورا- على أنهم قوة انتخابية؛ أي كتلة يمكن
لحجمها أن يرجح كفة النتائج لصالح المتشددين.
لكنهم
كانوا أيضا يهبّون لمساعدة الحرس الثوري في أوقات الأزمات والاحتجاجات الشعبية،
وقد اتهم العديد من الإيرانيين "الباسيج" بالمشاركة في قمع المتظاهرين
بوحشية، وغالبا ما كان ذلك يتم بملابس مدنية، بحسب التقرير.
وأشار التقرير إلى أن
الحرب منحتهم زخما جديدا؛ إذ أصبح المتطوعون في "الباسيج" -الذين
سُلِّحوا في منازلهم لأول مرة منذ السنوات الأولى التي تلت الثورة- مخوَّلين الآن
بالدفاع عن الجمهورية الإسلامية انطلاقا من عتبات منازلهم مباشرة، ودون الحاجة
لانتظار أوامر من القادة، وذلك وفقا لأشخاص مقربين من النظام.
وقال
سعيد ليلاز، وهو محلل مقيم في طهران: "يتجه الباسيج نحو تنسيق أكبر، بهدف لعب
دور أمني أكثر أهمية في أي أزمة مستقبلية". وأضاف أن هذا لا يعني بالضرورة
تحولهم إلى قوة عسكرية بحتة، "لكنهم سيتمتعون بصلاحيات أوسع وسيكونون أكثر مرونة
وسرعة في التحرك".
وقد
طالب العديد من الأعضاء بالانتقام لمقتل خامنئي الأب، الذي قُتل في الضربات
الأمريكية-الإسرائيلية الأولى، كما أبدوا معارضتهم الشديدة لاحتمال التوصل إلى
اتفاق مع واشنطن.
وقال
القريب المذكور: "إذا دعت الحاجة، وفي أسوأ السيناريوهات، يمكن لكل هؤلاء
المسلحين من الباسيج... السيطرة على المدن. إنهم أكثر حماسة من ذي قبل؛ فقد منحتهم
الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وحيازة الأسلحة في منازلهم، دفعة قوية".
ويخشى
بعض الإيرانيين أن يسعى "الباسيج" -بعد تعزيز قوتهم- إلى تقويض بعض
الحريات الاجتماعية المحدودة التي منحها النظام في السنوات الأخيرة، بما في ذلك
التخفيف من صرامة قوانين الحجاب المفروضة على النساء، وتزايد قدرة الشباب على
الاختلاط الاجتماعي في المقاهي.
لجأ
مسؤولو القضاء المتشددون في إيران، خلال الأسابيع الأخيرة، إلى عدة تدابير لكبح ما
يُنظر إليه على أنه معارضة، بما في ذلك الإغلاق المؤقت لبعض المقاهي وإصدار أحكام
بالسجن بحق نشطاء وفنانين، بمن فيهم مغنية.
ومع
ذلك، يصر سياسيون على أن أيا من "طائب" أو النظام لا يخطط لشن حملة قمع
واسعة النطاق بشأن القضايا الاجتماعية.
كما
تحرك النظام ضد شخصيات ينطوي خطابها على خطر تأجيج التوترات؛ فقد أُلقي القبض هذا
الشهر على رجل الدين شديد التشدد، محمد باقر خرازي - وهو قريب للمرشد الأعلى- بعد
دعوته أنصاره لقتل النساء غير المحجبات في الشوارع.
غير أن
عودة "طائب" توفر لمن عايشوا أساليبه عن كثب لمحة عما يخطط له مجتبى خامنئي
بشأن إدارة النظام في المستقبل المنظور.
وفي
هذا السياق، قال سياسي إصلاحي -سُجن إبان تولي "طائب" رئاسة جهاز
الاستخبارات في الحرس الثوري ويعرفه شخصيا- إن العلاقة الوثيقة التي تربط رجل
الدين هذا بخامنئي الابن تعود إلى عقود مضت. وأضاف: "إنه تعيين ذو طابع شخصي
أكثر منه سياسي؛ فحتى لو لم تكن هناك حرب، لكان قد حصل على منصب رفيع".
وتثير
هذه الاحتمالية قلق أولئك الذين يخشون أن يصبح لـ "طائب" نفوذ قوي على
المرشد الأعلى الجديد، الذي لم يظهر علنا بعد.
ومع
ذلك، حذر المصدر المطلع من استخلاص استنتاجات مبالغ فيها، مشيرا إلى أنه لا يزال
من غير الواضح مدى تأثير سنوات العزلة التي قضاها "طائب" عليه، أو حجم
النفوذ الذي سيمارسه في نهاية المطاف.
وقال
قريبه: "طائب متشدد للغاية ولا يستمع لأحد، لكن هذا لا يعني أن المتشددين
يسيطرون على مستقبل البلاد".