أثار استدعاء الصحفي السوري حمزة عباس إلى فرع
الجرائم الإلكترونية في دمشق، على خلفية رسالة نشرها ضمن مجموعة خاصة على تطبيق "واتساب"، جدلا واسعا بشأن حدود تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية في
سوريا، وما إذا كانت الخلافات الإدارية مع المؤسسات الإعلامية باتت تتحول إلى ملاحقات جزائية، رغم التوجهات الرسمية المعلنة لتقييد استخدام هذا المسار في قضايا النشر.
وجاء ذلك بعدما أفرج فرع الجرائم الإلكترونية، الاثنين، عن عباس عقب ساعات من التحقيق معه، إثر شكوى تتعلق برسالة تناول فيها الخلاف القائم بين إذاعة "
صوت الشام" ولجنة مكافحة الكسب غير المشروع بشأن مقر الإذاعة في حي المزة بدمشق.
وتكتسب القضية بعدا قانونيا إضافيا، في ظل تعميم أصدرته وزارة العدل في يونيو/حزيران الماضي، يقضي بعدم إحالة قضايا النشر الإلكتروني إلى الضابطة العدلية إلا في الحالات التي تستوجب تحقيقات تقنية، مثل الجرائم الإلكترونية البحتة أو القضايا التي يكون مرتكبها مجهول الهوية.
أما جرائم القدح والذم أو القضايا المتعلقة بالنشر من قبل أشخاص معلومي الهوية، فقد نص التعميم على إحالتها مباشرة إلى المحكمة المختصة، تجنبًا لإطالة الإجراءات.
كما أعلنت وزارة العدل تشكيل لجنة لإعادة مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية، بهدف تعديله بما يحقق توازنًا بين حماية المجتمع وصون حرية التعبير، ويمنع إساءة استخدام النصوص القانونية.
بداية الخلاف.. نزاع على مقر إذاعة "صوت الشام"
وبحسب بيان إدارة إذاعة "صوت الشام"، بدأت الأزمة بعد استئجار المؤسسة شقة في منطقة المزة قبل عدة أشهر لتكون مقرا مؤقتا للإذاعة، قبل أن تبلغ لاحقا بضرورة إخلائها لأسباب وصفت بأنها "أمنية"، بعد انتقال وزير الزراعة السوري باسل السويدان للإقامة في المبنى نفسه.
وقالت الإذاعة إنها طالبت بالحصول على قرار رسمي يحدد الجهة التي أصدرت قرار الإخلاء وسنده القانوني، لكنها لم تتلق أي وثيقة مكتوبة، مؤكدة أن فريقها منع لاحقا من دخول المقر والوصول إلى التجهيزات الموجودة داخله.
وأضافت أنها لجأت إلى وزارتي الإعلام والعدل ومحافظة دمشق لمعالجة الخلاف عبر القنوات الإدارية، قبل أن يُستدعى الصحفي حمزة عباس بسبب رسالة تناول فيها تفاصيل القضية ضمن مجموعة خاصة تضم صحفيين ومسؤولين حكوميين.
إذاعة "صوت الشام": الخلاف إداري وليس جنائيا
وفي بيان رسمي، اعتبرت إذاعة "صوت الشام" أن توقيت الشكوى ضد الصحفي "يثير القلق من تحول الإجراءات الجزائية إلى وسيلة ضغط في نزاع يمكن حله إداريا وقانونيا"، مطالبة بتوضيح الجهة التي منعت كوادرها من دخول المقر، وتمكينها من استعادة ممتلكاتها، وضمان حق الصحفي في الدفاع عن نفسه.
وأكدت الإذاعة أنها لا تسعى إلى التصعيد، وأنها مستعدة للانتقال إلى مقر بديل إذا اقتضت الضرورات الأمنية ذلك، شريطة أن يتم الأمر وفق إجراءات قانونية مكتوبة وتعويض عادل عن الأضرار.
ووفق التفاصيل التي نشرتها وسائل إعلام محلية، فإن إدارة الإذاعة استأجرت العقار بعقد يمتد لخمس سنوات، واستكملت إجراءات الترخيص لدى وزارة الإعلام، قبل أن تتلقى طلبا شفهيا بإخلاء المقر، أعقبه منع كامل للعاملين من دخوله.
كما ذكرتت الروايات المنشورة أن الملف أُحيل لاحقا إلى محافظة دمشق ووزارة الداخلية، مع الإشارة إلى وجود ملاحظة تتعلق باستخدام العقار كمكتب إعلامي رغم أن عقد الإيجار مصنف كسكني، وهو ما تعتبره المؤسسة خلافا تنظيميا يمكن تسويته عبر الجهات الإدارية المختصة.
وتأتي القضية في سياق سلسلة من التوقيفات التي طالت صحفيين وناشطين خلال الأشهر الماضية بموجب قانون الجرائم الإلكترونية، من بينهم المخرج حسان عقاد، والصحفي إياد شربجي، وآخرون.
وكانت منظمة العفو الدولية دعت، في تقرير صدر أواخر تموز/ يوليو الماضي، السلطات السورية إلى تعليق العمل بقانون الجرائم الإلكترونية بصيغته الحالية، معتبرة أن عددا من مواده يُستخدم لتجريم التعبير السلمي عبر الإنترنت، بسبب ما وصفته بـ"الصياغات الفضفاضة" التي تسمح بتفسيرات واسعة.
ورغم الإفراج عن حمزة عباس بعد ساعات من استدعائه، أعادت القضية الجدل بشأن حدود استخدام الإجراءات الجزائية في النزاعات المرتبطة بالعمل الإعلامي، ولا سيما عندما يكون أصل الخلاف ذا طبيعة إدارية أو تعاقدية.