سلطت شبكة "
سي أن أن" الضوء على اختفاء بشكل مفاجئ لمعلومات بشأن 4 حالات وفاة حديثة في صفوف القوات الأمريكية ضمن الحرب على إيران من الموقع الإلكتروني لوزارة الحرب "
البنتاغون" المخصص للإبلاغ عن الخسائر البشرية.
وأصرّت وزارة الحرب الأمريكية بشدة على أن الأمر لم يكن سوى "خلل مؤقت في البيانات"، فيما أعاد البنتاغون تصنيف حالات الوفاة هذه بـ3 طرق مختلفة على موقعه الإلكتروني خلال الأسبوع الماضي وحده.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، عادت حالات الوفاة الأربع للظهور فجأة في "نظام تحليل خسائر الدفاع" (DCAS) التابع لـ"البنتاغون"، ولكن بدلاً من إضافتها تحت بند عملية "الغضب الملحمي" وهي المهمة المتعلقة بحرب إيران، أُدرجت الحالات في فئة جديدة تماماً على الموقع تحمل اسماً عاماً وفضفاضاً وهو "العمليات الخارجية"، كما سجلت الوزارة في النظام نفسه، وضمن ذلك التحديث، إصابة أكثر من 140 جندياً إضافياً.
استحداث تصنيف
ووفقاً لتقرير الشبكة الإخبارية، تُعرّف الفئة المستحدثة بأنها تشمل "الخسائر البشرية التي وقعت اعتباراً من 7 تموز/يوليو"، وهو التاريخ الذي زعمت الإدارة أنها بدأت فيه صراعاً جديداً مع إيران.
وأكدت أنها لم تكن تلك المرة الوحيدة التي يغيّر فيها موقع "البنتاغون" طريقة تصنيف حالات الوفاة هذه، ففي بيان صدر في وقت مبكر من الأسبوع الماضي، أعلن البنتاغون عن مقتل اثنين من الجنود الأربعة، مشيراً إلى أنهما "كانا يدعمان عملية العزم الصلب".
و"عملية العزم الصلب" هي المهمة التي انطلقت عام 2014 بهدف هزيمة تنظيم "داعش" في العراق وسوريا، إلا أن الجنود المعنيين قُتلوا جراء هجمات إيرانية، ولكن سرعان ما تغيرت الصياغة لتشير إلى أن الجنود القتلى "كانوا يدعمون عمليات خارجية في الأردن".
لماذا إعادة التصنيف تلائم سياسة ترامب؟
يوضح تقرير "سي أن أن" قائلاً إن أسماء هؤلاء الجنود على موقع "البنتاغون" الإلكتروني ارتبطت بثلاث عمليات مختلفة؛ ومن الجدير بالذكر أن اثنتين منها تتيحان للإدارة الادعاء بأن الضحايا لم يسقطوا في إطار "عملية الغضب الملحمي".
ووفقاً للشبكة فإنه ورغم عدم وضوح السبب الدقيق وراء هذا الإجراء، إلا أنه في المحصلة يخدم مصالح الإدارة الأمريكية سياسياً وقانونياً بعدة طرق، ومنها:
أولاً، قد يتيح ذلك لترامب الادعاء بأن عدد
القتلى الأمريكيين في الحرب على إيران كان أقل، ففي الأسبوع الماضي، واصل الرئيس الإشارة إلى رقم 18 قتيلاً، وهو العدد الذي يشمل القتلى الأربعة الأخيرين بدلاً من 14 قتيلاً.
ورغم ذلك، فقد أوضح تماماً مدى قلقه بشأن التبعات السياسية لمقتل الجنود وحصيلة الضحايا؛ كما دأب على مهاجمة الرئيس السابق جو بايدن، بسبب مقتل 13 جندياً أمريكياً خلال الانسحاب الفوضوي من أفغانستان.
أما السبب الثاني الذي يجعل هذا الأمر ملائماً لترامب، فهو أنه يعزز حجته القانونية التي يزعم فيها امتلاكه صلاحية مواصلة الحرب دون الحصول على موافقة الكونغرس المطلوبة، فوفقاً لـ"قانون سلطات الحرب" فإن الرؤساء يملكون مهلة تتراوح بين 60 و90 يوماً لشن عمل عسكري دون تفويض من الكونغرس.
وللتحايل على هذا الشرط وفقاً لتقرير الشبكة، ادعت إدارة البيت الأبيض أن الصراع الأول انتهى خلال فترة وقف إطلاق النار التي بدأت في نيسان/أبريل، وأن صراعاً جديداً بدأ في 7 تموز/يوليو، وهي مناورة أثارت شكوك حتى بعض الجمهوريين.
تحويل القتلى لمادة انتخابية
ويؤكد تقرير "سي أن أن" صعوبة النظر إلى هذا الأمر إلا باعتباره تلاعباً حسابياً بأعداد الجنود القتلى، فمن الناحية العملية والواقعية، قُتل هؤلاء الجنود الأربعة في سياق الحرب ذاتها التي قُتل فيها الجنود الأربعة عشر الأوائل.
إذ لم يكن الأمر يتعدى وجود فترة هدوء في القتال دامت 3 أشهر، حاولت خلالها الإدارة والقادة الإيرانيون الحفاظ على اتفاقيتين لوقف إطلاق النار كانتا تفتقران إلى التماسك والاستقرار.
وتزداد الصورة سوءاً بالنظر إلى رد الفعل الأولي الغاضب من "البنتاغون"، الذي زعم أن إزالة بيانات هؤلاء الجنود القتلى لم تكن سوى "اضطرابات مؤقتة في البيانات".
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين عسكريين -لم تذكر أسماءهم- قولهم إن هذا التغيير كان متعمداً، رغم أنه لم يكن واضحاً آنذاك كيف تخطط "البنتاغون" لإعادة تصنيف حالات الوفاة تلك.
ومن الواضح أن هذا السلوك ينسجم أيضاً مع النهج المعتاد لترامب وإدارته، فعلى مدى سنوات، واجه صعوبة في الحديث بتعاطف عن العسكريين القتلى، كما أنه لا يزال يجد صعوبة في التعامل معه؛ إذ أدلى كل من ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث بتعليقات محرجة بشأن مقتل جنود في آذار/مارس.
وعلاوة على ذلك، دأب ترامب بشكل متزايد على مقارنة حصيلة القتلى المنخفضة نسبياً حتى الآن بتلك المسجلة في حروب حديثة أخرى، بل وادعى أن الجنود القتلى وعائلاتهم جميعاً أيدوا جهوده المتعلقة بالمواجهة مع إيران، وذلك رغم تصريح أحد أفراد العائلة بما يخالف ذلك تماماً.