يعد
العراق أحد أكثر الدول تضررا من إغلاق
مضيق هرمز، نظرا لاعتماده بشكل أساسي على هذا الممر المائي لتصدير النفط، الذي يعد مصدرا رئيسا لتمويل خزينة الدولة.
ويوصف العراق بالبلد الريعي بامتياز، نظرا لافتقاره إلى مصادر تمويل غير مبيعات النفط، فيما ينفق جل أمواله لتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين وعلى مشاريع غير إنتاجية، بل خدمية في الدرجة الأولى، إضافة إلى أن النظام الضريبي في العراق غير فعال.
خسارةُ العراقِ 40 مليارَ دولارٍ
وقال وزير
النفط العراقي، الثلاثاء، إن الوزارة كانت توفر إيرادات للخزينة تقدر بما بين سبعة وثمانية مليارات دولار شهريا، لكنها لا تتجاوز 1.5 مليار حاليا، مشددا على أنه "لا يمكن وضع رقم معين لإيرادات الكميات المصدرة بسبب تذبذب عملية التصدير بشكل كبير نتيجة الوضع في المنطقة".
وفي مقابلة تلفزيونية، حذر وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين من "وضع مالي خطير" ستواجهه بغداد في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يصدر العراق عبره معظم نفطه الخام، والذي يؤمن نحو 90 بالمئة من إيراداته.
وكشف حسين عن طباعة 25 تريليون دينار، أي أكثر من 19 مليار دولار، لمواجهة الأزمة المالية، موضحاً أن العراق حالياً يستند في دفع رواتب الموظفين "إلى الاحتياطي من خلال السندات والدين الداخلي".
بدوره، قال مظهر صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، إنه "لغاية شهر حزيران/يونيو 2026 تكبد العراق خسارةً تُقدَّرُ بما بين 40 إلى 45 مليار دولار"، عازياً ذلك إلى "هبوط صادراته النفطية بنسبة 90 بالمئة عن معدلاتها الطبيعية، وهبوط معدلات النمو؛ بسبب توقف الإنفاق الاستثماري".
وحذّر من أنه "مع استمرار حرب الخليج، من الممكن أن تبلغ خسارة الفرص وفوات المنفعة بشكل إجمالي نحو 50 مليار دولار، لكون أزمة مضيق هرمز والأزمة الجيوسياسية والحرب الملازمة لها لم تنتهِ حتى اليوم".
انكماش الناتج المحلي
لا تتوقف تداعيات إغلاق هرمز عند تراجع
واردات العراق المالية بنسبة تزيد على 85 بالمئة، بل تعدت ذلك إلى ارتفاع الدين الداخلي لنحو 100 تريليون دينار عراقي، وزيادة أسعار المواد الغذائية، وسط توقعات بانكماش الناتج المحلي بنسبة 8.6 بالمئة خلال عام 2026.
وجاء ذلك في "
تقرير" دولي مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، والبنك الدولي، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، تناول تداعيات الآثار الاقتصادية والمالية والغذائية السلبية على العراق جراء استمرار إغلاق مضيق هرمز.
وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد العراقي يتعرض لضغوط شديدة، ويواجه واحدة من أخطر الصدمات الخارجية خلال السنوات الأخيرة، فبعد عامين متتاليين من انكماش الناتج المحلي الإجمالي، أدى الصراع الإقليمي وتعطل الملاحة في مضيق هرمز إلى تدهور حاد في التوقعات الاقتصادية قصيرة الأجل.
واشترط البنك الدولي عودة تعافي الناتج المحلي الإجمالي العراقي عام 2027، بعودة طرق تصدير النفط إلى العمل الطبيعي بحلول أواخر عام 2026، مرجحاً انكماشاً يبلغ نحو 6.8 بالمئة خلال عام 2026.
تدهور مالي حاد
وبحسب التقرير الدولي، تسبب إغلاق مضيق هرمز في انخفاض إيرادات العراق النفطية من نحو 6.7 مليار دولار في شباط/فبراير 2026 إلى حوالي مليار دولار فقط في أيار/مايو 2026، أي بتراجع تزيد نسبته على 85 بالمئة.
كما سُجِّل ارتفاع معدل بطالة الشباب لأكثر من 30 بالمئة، مما يضع القدرة المالية للحكومة على الاستمرار في تمويل البطاقة التموينية والدعم الحكومي ورواتب القطاع العام تحت ضغوط شديدة.
ولمواجهة الانهيار الحاد في الإيرادات النفطية، لجأت الحكومة إلى تمويل من البنك المركزي لتغطية النفقات التشغيلية الأساسية، بما في ذلك رواتب موظفي القطاع العام، والمعاشات التقاعدية، والتحويلات الاجتماعية، في ظل غياب قانون موازنة مُقرّ.
وفي محاولة لتوفير متنفس على المدى القصير، واصل البنك المركزي العراقي الحفاظ على ربط سعر صرف الدينار بالدولار، مع إدارة احتياطيات دولية كبيرة بلغت 98.7 مليار دولار حتى شباط/فبراير 2026، والتي تُستخدم لتمويل الواردات الأساسية والحيلولة دون تدهور سعر الصرف.
لا استجابة حكومية لتنويع مصادر التمويل
وأكد التقرير الدولي أنه في حال عدم التوصل إلى حل دائم لأزمة تعطل مضيق هرمز أو إيجاد مسارات تصدير بديلة، فإن الحيز المالي اللازم للحفاظ على مستوى الاستجابة الحالي سيتقلص بصورة كبيرة خلال النصف الثاني من عام 2026.
ولفت التقرير إلى أنه رغم كل هذه التداعيات، فإن الحكومة العراقية لم تطلق حتى الآن برنامج إصلاح واسعاً يهدف إلى تنويع مصادر الإيرادات أو إعادة هيكلة الإنفاق العام بما يقلل من الاعتماد المفرط على النفط في المستقبل القريب.
وحذرت المنظمات الدولية من خلق هذا الوضع مخاطر كبيرة على السيولة الحكومية، وتهديد قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الجارية، ومنها رواتب ملايين موظفي القطاع العام، ورواتب المتقاعدين ومستحقي إعانات الرعاية الاجتماعية.
ولتمويل النفقات الجارية، تشير التقارير إلى أن الحكومة لجأت إلى تمويل العجز بطباعة العملة، حيث تم إصدار نحو 25 تريليون دينار عراقي خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما يزيد الضغوط التضخمية في ظل ارتفاع تكاليف الاستيراد أصلاً.
كما أشار التقرير إلى أن غياب قواعد مالية مستقرة أو آليات تلقائية لامتصاص الصدمات يجعل المالية العامة العراقية أكثر عرضة لتقلبات أسواق النفط، وهي مشكلة هيكلية طالما واجهها العراق، إلا أن آثارها أصبحت أكثر خطورة في الأزمة الحالية.
ارتفاع معدلات الفقر والبطالة
وحذّر التقرير الدولي أيضاً من أن تؤدي الصدمة الاقتصادية الكلية الحالية إلى تقويض المكاسب التي تحققت مؤخراً في الحد من الفقر، ولا سيما في المحافظات الريفية والجنوبية، التي تبقى الأكثر تعرضاً لانعدام الأمن الغذائي، وضعف الوصول إلى الخدمات، والآثار المتراكمة للنزاع الإقليمي.
إذ إن سوق العمل العراقي كان يعاني من هشاشة حتى قبل الصدمة الحالية؛ فقد بلغ معدل البطالة نحو 13.5 بالمئة على المستوى الوطني، مع تأثر الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً ويشكلون قرابة 29 بالمئة من إجمالي السكان، بصورة غير متناسبة.
ووفقاً للبنك الدولي، لا يزال معدل المشاركة في القوى العاملة منخفضاً عند 38 بالمئة، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى محدودية المشاركة الاقتصادية للنساء. ويظل القطاع الخاص صغير الحجم، يغلب عليه الطابع غير الرسمي، وتقتصر قدرته على استيعاب العمالة.