لم يكن صباح الأربعاء الماضي، عاديا،
أمام مبنى البرلمان في العاصمة
المغربية، الرباط. فبين عشرات الوقفات الاحتجاجية
التي تشهدها الساحة باستمرار، لم تكن الوجوه القادمة من أعالي جبال الأطلس ترفع
مطالب مهنية أو سياسية، وإنّما ما تبقّى من حكاية بدأت ليلة الثامن من أيلول/
سبتمبر 2023، حيث غيّر
زلزال الحوز حياة آلاف الأسر في دقائق معدودة.
امرأة سبعينية، تقدّمت بخطوات
متثاقلة، بينما جلس رجل مسن على الرصيف بعدما أنهكه السفر الطويل من إحدى قرى
شيشاوة. وعلى مقربة منهما وقف شباب يرفعون صور منازل لم يعد لها وجود، وهم يردّدون
شعارات تطالب بما يصفونه بالحق البسيط والمشروع: "نريد أن نُعامل مثل باقي
المتضررين فقط".
"غير
مقيم/ غير قاطن".. ما القصّة؟
"من
يريد معرفة الحقيقة يجب عليه زيارة هذه المناطق، لكي يرى الواقع المعاش بعينيه، في
كل من الحوز وشيشاوة وتارودانت. ما يقال في المؤسسة التشريعية مع احترامي للمؤسسة،
وعلى لسان عدد من المنتخبين، لا علاقة له بالواقع" بهذه الكلمات انطلق عبد
الرحيم، في حديثه لـ"عربي21".
وتابع: "أنا لدي هدم كلّي
لمنزلي، المتواجد في دوار ايت علي، التابعة لعمالة وإقليم شيشاوة، وذلك بقرار من
اللجنة المكلّفة، أي كان يجب أن أستفيد من مبلغ 14 مليون، إذ بي أتفاجئ بكوني غير
قاطن واستفاد بدلا مني شخصين من نفس العائلة. وأنا لا أعرف لماذا تمّ اقصائي بهذا
الشكل المهين".
عبد الرحيم، وهو حالة غير معزولة، إذ
يتشابه مع عدد من المحتجّين في شكاياتهم، يؤكد في حديثه لـ"عربي21"
بالقول: "راسلنا عدّة جهات مختصة، نُطالب بحقّنا فقط، وهو الدعم الملكي
المادّي المقدّم لنا، لكنّ لم نستفد من أي شيئ، وضعنا بات جدّا مزري".
السعدية، وهي سيدة خمسينية، قدمت
للاحتجاج في الرباط، رفقة ابنتها، تقول بدورها: "منزلي شبه منهار، فيه عدد من
الشقوق المتدهورة، ولم نستفد من 8 مليون المقررة بدعم ملكي"، مردفة:
"أتفاجئ بكوني غير مقيمة، وذلك كذبا وبهتانا، أنا من هناك، وحتّى بعد الفاجعة
نصبنا خيما ولم نغادر منازلنا، ومع ذلك لم نستفد".
وفي الوقت الذي تؤكّد فيه السلطات،
أنّ برنامج إعادة الإعمار يسير وفق الوتيرة المرسومة، وأن آلاف المنازل قد أعيد
بناؤها أو توجد في طور الإنجاز، لا تزال أصوات قادمة من الحوز وشيشاوة وتارودانت
تصرّ على أن جزءا من الحقيقة لم يُروَ بعد؛ حقيقة أسر تُبرز بالصوت والصورة أنّها
ما تزال تنتظر منذ ثلاث سنوات أن يُعاد فتح ملفاتها، أو أن تجد من يستمع إليها.
من قلب الكارثة نحو العاصمة
في القرى الجبلية التي ضربها
الزلزال، لم تكن الأيام التالية للهزة الأرضية مجرد مرحلة انتظار للمساعدات،
لكنّها أضحت بداية مسار طويل من الإجراءات الإدارية واللجان التقنية وعمليات إحصاء
الأضرار، قبل الإعلان عن برامج للدعم المالي وإعادة الإعمار.
وعقب مرور ثلاثة سنوات من الكارثة،
والكثير من الشكايات والمراسلات والطعون، قررت التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال
الحوز نقل احتجاجها من الدواوير الجبلية إلى العاصمة الرباط (ليست المرّة الأولى
التي يقدمون فيها نحو العاصمة الرباط لبثّ شكواهم)؛ معتبرة أن كل السبل المحلية
استُنفدت دون الوصول إلى حلول تنصف الأسر التي تقول إنها بقيت خارج لوائح
المستفيدين.
اختيار الرباط لم يكن اعتباطيا.
فالاحتجاج أمام البرلمان يحمل رسالة سياسية ورمزية في آن واحد؛ إذ يريد المحتجون
بحسب حديثهم لـ"عربي21" أن يصل صوتهم مباشرة إلى صناع القرار، بعد أن
فقدوا، وفق تعبيرهم، الثقة في قدرة الإدارات المحلية على معالجة ملفاتهم.
سفيان، القادم من إقليم شيشاوة، يروي
قصته بصوت متماسك على الرغم من الغضب الذي يرافق كلماته. يقول إن منزله تعرض للهدم
الكلي، وإن اللجان التقنية صنفته ضمن هذه الفئة، ما كان يفترض أن يتيح له
الاستفادة من الدعم المخصص لإعادة البناء. غير أنّ المفاجأة، كما يبرز، كانت إدراج
اسمه ضمن خانة "غير قاطن"، وهو القرار الذي حرمه من التعويض، فيما
استفاد، بحسب روايته، أشخاص آخرون.
ويضيف أنه لم يتلقَّ إلى اليوم
تفسيرا واضحا لهذا القرار، رغم المراسلات المتكررة التي وجهها إلى الجهات المختصة.
وبحسب ما رصدته "عربي21"
فإنّ رواية عبد الرحيم، لا تختلف كثيرا عن شهادات أخرى من نفس الوقفة الاحتجاجية.
فعدد من المشاركين يؤكدون أنهم راسلوا السلطات المحلية والعمالات ووزارة الداخلية،
بل ووجّه بعضهم شكايات إلى الديوان الملكي، مطالبين بإعادة النظر في ملفاتهم عقب
تصنيفهم ضمن فئات يعتبرون أنها لا تعكس واقعهم.
ويؤكدون أنّ بينهم أرامل، وأشخاصا في
وضعية إعاقة، وأيضا مصابين بأمراض مزمنة، يقولون إنهم ما زالوا ينتظرون تسوية
أوضاعهم رغم مرور ثلاث سنوات على الكارثة.
على امتداد السنتين الأخيرتين، ظل
ملف إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز يحضر بانتظام في اجتماعات
الحكومة والبرلمان، إذ تؤكد الجهات الوصية أن البرنامج يسير وفق التوجيهات
الملكية، وأن الأشغال حقّقت نسب إنجاز مهمة، مع استمرار معالجة الملفات المتبقية
وفق المساطر المعتمدة.
وتشدد الحكومة، في مختلف تصريحاتها،
على أن عملية الإحصاء والاستفادة من الدعم خضعت لمعايير تقنية وإدارية حددتها
اللجان المختصة، وأن باب الطعون والمراجعات ظل مفتوحا بالنسبة إلى الحالات التي
استدعت إعادة الدراسة.
غير أن المحتجين يرون أن هذه
الإجراءات لم تكن كافية لإنصاف جميع المتضررين.
أين تعثّر مسار إعادة الإعمار؟
ومنذ الأيام الأولى التي أعقبت
الزلزال، أعلن المغرب إطلاق واحد من أكبر برامج إعادة الإعمار في تاريخه الحديث.
إذ رُصدت اعتمادات مالية ضخمة لإعادة بناء المساكن المتضررة، وتأهيل البنيات
التحتية، وإعادة الحياة إلى القرى التي سوّاها الزلزال بالأرض. وتحدثت الحكومة، في
أكثر من مناسبة، عن تقدم الأشغال، مؤكدة أن آلاف الأسر تمكنت من العودة إلى
مساكنها، وأن نسب الإنجاز تعرف تطورا متواصلا.
لكن، على بعد عشرات الكيلومترات من
الرباط، يبدو أن هذه الصورة لا تعكس الواقع كاملا. في الدواوير الجبلية التابعة
لإقليم الحوز، كما في أجزاء من شيشاوة وتارودانت، ما تزال آثار الكارثة حاضرة في
تفاصيل الحياة اليومية، وذلك بحسب ما كانت "عربي21" قد رصدته عبر جولات
ميدانية.
فمنازل نصف مهدمة، وأخرى أزيلت
أنقاضها دون أن تُبنى من جديد، وأسر ما تزال تنتقل بين الخيام أو مساكن مؤقتة، في
انتظار تسوية ملفاتها، الوضع لا يزال على حاله رغم مرور ثلاثة سنوات. هذا التباين
بين الخطاب الرسمي وشهادات السكان هو ما أعاد الملف إلى واجهة النقاش، بعد أن
اعتقد كثيرون أن مرحلة إعادة الإعمار قد شارفت على نهايتها.
إلى ذلك، يقول عدد من سكان دوار
تيكرت بجماعة إغيل، إنهم لم يستفيدوا من برامج إعادة الإعمار رغم مرور سنوات على
الكارثة، ويعتبرون أن اختلالات في تدبير الملفات حالت دون إنصافهم. وتروي إحدى
النساء في حديث هاتفي لـ"عربي21" أن الخيمة التي كانت تؤويها قد أزيلت،
لتجد نفسها مضطرة إلى العودة إلى منزل متصدّع، تدرك أنه قد ينهار في أي لحظة.
بالنسبة إليها، السؤال بات يتعلق بالحق في مأوى آمن يحمي أسرتها من خطر دائم.
في المقابل، تؤكد السلطات المحلية،
أن عمليات الإحصاء والتصنيف قد استندت إلى معايير تقنية وإدارية، وأن البرنامج
يواصل معالجة الملفات وفق المساطر المعمول بها. غير أن استمرار الاحتجاجات رغم
مرور ثلاث سنوات، يشير إلى أن جانبا من الأزمة لم يعد مرتبطا فقط بالدعم المالي،
وإنّما كذلك بثقة المتضررين في عدالة المساطر وشفافيتها.
ومنذ إطلاق البرنامج الملكي لإعادة
الإعمار، واصلت السلطات حديثها عن تقدم الأشغال، وإنجاز آلاف عمليات البناء، وصرف
مليارات الدراهم لفائدة المتضررين. ولا يمكن إنكار أن مناطق واسعة استعادت جزءا
كبيرا من حركتها، وأن آلاف الأسر عادت بالفعل إلى مساكن جديدة أو أعيد ترميم
بيوتها، وذلك وفقا للمحتجّين أنفسهم الذين يشتكون من إقصائهم من الاستفادة.
عندما يصبح الاحتجاج امتدادا للكارثة
انتقال المتضررين إلى الاحتجاج لم
يكن، وفقا لما رصدته "عربي21" قرارا اتخذوه مباشرة بعد الزلزال. فوفق
رواياتهم، سبقته أشهر طويلة من المراسلات الإدارية، والشكايات، وطلبات إعادة دراسة
الملفات، واللقاءات مع مسؤولين محليين.
تقول التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال
الحوز إنّ: الوقفة أمام البرلمان جاءت بعد "استنفاد جميع السبل
القانونية"، وإن الهدف منها ليس التصعيد في حد ذاته، وإنما لفت انتباه
السلطات إلى أن مئات الأسر ما تزال تعتبر نفسها خارج دائرة الإنصاف.
وطالبت التنسيقية، وفقا لبلاغ لها،
وصل "عربي21" نسخة منه، بالتسوية العاجلة لجميع الملفات العالقة، مع فتح
تحقيق مستقل في ما وصفته بـ"الخروقات والتجاوزات" التي شابت تدبير
الملف، مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتشدد التنسيقية الوطنية لضحايا
زلزال الحوز على إحداث لجنة مستقلة لإعادة فحص الملفات التي تعتبرها محل نزاع،
وفتح تحقيق في أسباب استبعاد عدد من الأسر من برامج الدعم، مع نشر المعايير التي
اعتمدتها اللجان، بما يسمح للمتضررين بفهم أسباب قبول أو رفض ملفاتهم، ويضمن أكبر
قدر من الشفافية.
وفي المقابل، يرى عدد من رواد مواقع
التواصل الاجتماعي، في المغرب، أن استمرار الاحتجاجات بعد ثلاث سنوات يمثل مؤشرا
على أن أي برنامج لإعادة الإعمار، مهما بلغت موارده، يظلّ معرضا لفقدان جزء من
شرعيته إذا لم يتمكن من إقناع جميع المتضررين بأن معايير الاستفادة كانت واضحة،
وقابلة للطعن، وخاضعة للمراجعة عند الضرورة.
تجدر الإشارة إلى أنّ المغرب، خلال
الأيام الأولى من الفاجعة، كان قد نجح في تعبئة تضامن وطني واسع، غير أن الرهان
بات يمتد إلى إعادة الثقة بين المؤسسات والمواطنين، خاصة في عدد من المناطق التي
لا تزال تعتبر نفسها خارج دائرج الإنصاف.
هل بات الانتظار جزءا من الكارثة؟
مع انتهاء كل وقفة الاحتجاجية أمام
البرلمان، يبدأ المحتجون رحلة العودة إلى قراهم، يحملون اللافتات نفسها التي جاؤوا
بها صباحا، دون أن يعرف كثير منهم إن كانت رحلتهم إلى الرباط ستغيّر شيئا في مسار
ملفاتهم.
وبينما تخلوا الساحة من الهتافات،
يظل سؤال واحد معلقا: هل انتهى زلزال الحوز فعلا؟؛ بالنسبة إلى الجهات المسؤولة،
قد تكون مرحلة الطوارئ انقضت، وقطعت ورش إعادة الإعمار أشواطا مهمة. أما بالنسبة
إلى عدد من الأسر التي ما تزال تنتظر إعادة النظر في ملفاتها، فإن الكارثة لم تعد
مجرد ذكرى لليلة اهتزت فيها الأرض، وإنّما أصبحت زمنا مفتوحا من الانتظار.