FT: سياسات رئاسة ترامب ليست حدثا دائما وقد تعيد أمريكا تصحيح أخطائه

أشار موقع بوليتيكو الأمريكي إلى أن المشاعر السلبية في أوروبا تتزايد حيال "الاستفزازات الأمريكية" وسياسات ترامب- البيت الأبيض
نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" مقالا للمعلق جدعون راشمان، قال فيه، إن فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تكون شاذة في تاريخ رئاسات الولايات المتحدة، وليست تحولًا دائمًا، مما يجعل من عملية إصلاح ما دمره احتمالًا ممكنًا.

وذكّر راشمان بتصريح لمسؤول بريطاني "بارز" بعد فوز ترامب في انتخابات عام 2024، قال فيه متذمرًا: "إنها أربع سنوات فقط"، في إشارة واضحة للتفكير السياسي، وهو أن على حلفاء أمريكا أن يعيشوا بقلق طوال فترة ولاية ترامب الثانية، وعند نهاية حكمه، فستعود أمريكا القديمة.

إلا أن عامًا من حكم ترامب غير المزاج بشكل جذري، ففي خطابه الشهير في دافوس، أكد مارك كارني، رئيس وزراء كندا قائلًا: "نعلم أن النظام القديم لن يعود"، وبات هذا الرأي شائعًا بشكل متزايد، حيث أصبحت القناعة السائدة هي أن رئاسة ترامب ليست شذوذًا مؤقتًا.

وعلى العكس من ذلك، يمثل ترامب قوى عميقة في أمريكا لن تختفي بمغادرته البيت الأبيض. وعليه فلن تكون هناك عودة إلى الوضع السابق، سواء على الساحة الدولية أو في الولايات المتحدة نفسها، ويعتقد راشمان أن هذا الرأي الجديد، وكأي رأي سائد، يحتاج ويستحق النظر والتدقيق.

ورجح راشمان إمكانية أن تتصاعد حدة الرد على سلوك ترامب الذي لم يعد بالإمكان الدفاع عنه داخليًا وخارجيًا، وربما بلغت ذروتها برفض شامل لحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".وأضاف رخمان أن حلفاء الولايات المتحدة بدأوا باستعادة أصواتهم وشجاعتهم.

وكان خطاب كارني مثالاً على ذلك، وكذلك إدانة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لتصريحات ترامب التي قللت من شأن تضحيات القوات البريطانية وقوات التحالف في أفغانستان.

وفي الأسبوع الماضي، رفض رئيس البرلمان البولندي التوقيع على عريضة تطالب بمنح ترامب جائزة نوبل للسلام؛ وأشار نائب بولندي آخر بوضوح إلى أن: "الفترة التي طالب فيها نيرون، تحت تهديد العقاب، بالاعتراف بمواهبه الموسيقية تعتبر بداية انهيار الإمبراطورية الرومانية".

ومن هنا، يرى راشمان أن ردة الفعل الحقيقية التي ستحدث فرقاً حقيقياً يجب أن تحدث داخل الولايات المتحدة نفسها، وهنا أيضاً، بدأ الزخم يتزايد أخيراً، حيث خرج آلاف الأمريكيين العاديين إلى شوارع مينيابوليس للاحتجاج على أساليب إدارة الهجرة والجمارك العنيفة، والتي أودت بحياة مواطنين اثنين.

كما ندد كبار أعضاء حزب الرئيس نفسه بالأحداث في مينيسوتا، ورفضوا تهديدات ترامب لغرينلاند. وشعر العديد من الجمهوريين بالرعب الشديد من الصورة العنصرية التي نشرها الرئيس عن عائلة أوباما، مما أجبر البيت الأبيض على حذفها.

وبدأ رجال الأعمال البارزون أيضا في رفع أصواتهم. ففي الأسبوع الماضي، أشار كين غريفين من شركة "سيتدال"، وهو مانح جمهوري ومدير صندوق تحوط، إلى أن قرارات إدارة ترامب كانت قد "أثرت جداً" على عائلته.

ومع ذلك، فلن يكون لكل هذا تأثير يذكر إذا استمر الشعب الأمريكي في التصويت لترامب وأتباعه. لكن الانتخابات الفرعية الأخيرة لم تكن ناجحة بالنسبة للجمهوريين المؤيدين للرئيس الأمريكي، حتى في معاقلهم التقليدية مثل تكساس ولويزيانا وفلوريدا.

وقد أعربت شخصيات بارزة في حزب ترامب عن قلقها من احتمال خسارة الجمهوريين لمجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر. ولهذا، فإن ردة الفعل السلبية المتصاعدة ضد ترامب تزيد من احتمال اعتبار رئاسته شذوذاً صارخاً، لا تحولاً دائماً.

وتبدو فكرة استحالة عودة الولايات المتحدة إلى سياسات ما قبل ترامب واقعية ومنطقية. لكن بإمكان الدول العودة إلى الوراء. فقد استعادت اليونان ديمقراطيتها عام 1975 بعد سبع سنوات من حكم الضباط.

وعاشت الهند في ظل حالة طوارئ لمدة 21 شهراً في سبعينيات القرن الماضي، مع انتهاكات واسعة النطاق للحريات المدنية، إلى أن تكبد حزب المؤتمر الحاكم هزيمة ساحقة في الانتخابات التالية، وبالعودة إلى التاريخ القديم، شهدت إنجلترا حرباً أهلية وجمهورية دامت أحد عشر عاماً، قبل أن تعيد الملكية سيطرتها عام 1660. فلماذا نستبعد فكرة التصحيح في أمريكا؟

وربما يكون هذا التحليل مفرطاً في التفاؤل، لكن علينا النظر لما حدث في مركز كينيدي، الذي غيّر أتباع ترامب اسمه إلى مركز كينيدي- ترامب، فمن يتوقع في واشنطن أن يظل اسم المؤسسة الرائدة في الفنون هو كينيدي- ترامب؟.

ففي مرحلة ما بالمستقبل سيزال اسم ترامب من جانب المبنى، وستطوى صفحة هذه الحادثة المحرجة، والمفارقة، أنه عندما اتضح أن الفنانين والجمهور يقاطعون مركز ترامب-كينيدي الجديد، أعلنت الإدارة إغلاقه لمدة عامين "لأعمال ترميم".

وبالنظر إلى مصير الجناح الشرقي للبيت الأبيض، فمن يدري كيف سيبدو المبنى في عام 2028؟ أمام ترامب ثلاث سنوات متبقية في منصبه، ولا يزال بإمكانه إلحاق ضرر كبير بمركز كينيدي، والأهم من ذلك، بالولايات المتحدة نفسها. وفق راشمان.

وفي النهاية، تظل نزعات الرئيس المعادية للديمقراطية هي الخطر الأكبر، وقد تقرر أمريكا رفض ترامب، لكن من غير المرجح أن يتقبل هو هذا القرار، فقد أظهر عجزه عن تقبُّل الهزيمة بعد خسارته انتخابات عام 2020، ولن يرحل بهدوء.

وهو الآن محاط بأنصار مخلصين، ويبدو أنه يحظى بدعم شعبي قوي يصل إلى 40%، وهذا يشير إلى احتمال حدوث المزيد من العنف والاضطرابات المدنية قبل أن تتحقق عودة أمريكا إلى سابق عهدها، وفي ضوء كل هذه الشكوك، من المنطقي أن تقلل الدول اعتمادها على أمريكا.

ولكن، حتى مع تنويع علاقاتها وتحوطها من رهاناتها طويلة الأمد على الولايات المتحدة، ينبغي على حلفاء أمريكا أن يظلوا منفتحين على الخيارات. فالدول، كالأفراد، قد تصلح أخطاءها وتستعيد مكانتها. وبعد ترامب، قد تعود أمريكا القديمة إلى سابق عهدها.