نجح نادي
باريس سان جيرمان الفرنسي، بالحفاظ على لقب دوري أبطال أوروبا للعام الثاني على التوالي، مدونا إنجازا تاريخيا للفريق الذي كان قبل الملكية
القطرية بقيادة ناصر
الخليفي، عاجزا حتى عن الظفر بلقب الدوري المحلي.
إنجاز باريس بالفوز السبت على حساب أرسنال الإنجليزي بركلات الترجيح، سلط الضوء على ثنائية المالك القطري ناصر الخليفي، والمدرب الإسباني لويس إنريكي الذي قاد ثورة حقيقية غيّر من خلالها استراتيجية النادي الثري في التعاقد مع اللاعبين.
من ملاعب التنس إلى قمة الكرة
ولد ناصر الخليفي في الدوحة عام 1973، ودرس الاقتصاد قبل أن يخوض خلال شبابه مسيرة رياضية في لعبة التنس، حيث مثّل منتخب قطر في بطولة كأس ديفيز لسنوات عدة.
ومع إطلاق شركة قطر للاستثمارات الرياضية عام 2005 كذراع استثماري متخصص في القطاع الرياضي يتبع الحكومة، برز اسم الخليفي تدريجياً داخل المنظومة الرياضية القطرية، قبل أن يتولى لاحقاً قيادة المشروع الذي سيغير وجه باريس سان جيرمان بالكامل.
صفقة غيّرت تاريخ النادي
عندما استحوذت شركة قطر للاستثمارات الرياضية على الحصة المسيطرة في باريس سان جيرمان عام 2011، لم يكن النادي يشبه الصورة الحالية بأي شكل. كان الفريق يعيش سنوات من الاضطرابات الإدارية والمالية، ويفتقد للحضور الأوروبي المؤثر رغم امتلاكه ميزة استثنائية تتمثل في تمثيله للعاصمة الفرنسية باريس، وامتلاكه قاعدة جماهيرية ضخمة.
ومع انتقال الملكية إلى الجانب القطري، بدأت عملية إعادة بناء شاملة للنادي، شملت البنية التحتية والإدارة والتسويق والإنفاق الرياضي، في مشروع تجاوز فكرة تحقيق الألقاب المحلية إلى بناء علامة رياضية عالمية قادرة على منافسة أكبر الأندية الأوروبية.
وأحاطت بصفقة الاستحواذ لاحقاً روايات وتقارير إعلامية عديدة تحدثت عن تداخلات سياسية ورياضية رافقت تلك المرحلة، من بينها تقارير تناولت لقاءات جمعت الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، ورئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم آنذاك ميشيل بلاتيني، ومسؤولين قطريين، وربطت بين تلك اللقاءات وملفات تتعلق بباريس سان جيرمان وملف استضافة قطر لكأس العالم 2022.
ولم يقتصر المشروع على الإنفاق الرياضي فقط، بل شمل بناء هوية تجارية عالمية للنادي. ويعتبر الخليفي أن الشراكة الحصرية مع علامة "جوردن" الرياضية كانت من أبرز القرارات الاستراتيجية في تاريخ باريس سان جيرمان، لأنها فتحت أمام النادي أسواقاً جديدة في الولايات المتحدة والصين، وأسهمت في تحويله إلى علامة تجارية عالمية تتجاوز حدود كرة القدم.
اظهار أخبار متعلقة
نجاح تجاري وإخفاق أوروبي
خلال العقد الأول من المشروع القطري، اعتمد باريس سان جيرمان على استراتيجية استقطاب الأسماء اللامعة بهدف تسريع التحول إلى قوة عالمية.
ضم النادي أسماء بحجم زلاتان إبراهيموفيتش وديفيد بيكهام، قبل أن يبلغ المشروع ذروته بالتعاقد مع البرازيلي نيمار مقابل 222 مليون يورو في صفقة قياسية، ثم استقدام كيليان مبابي ولاحقاً ليونيل ميسي.
نجحت هذه السياسة في رفع القيمة التجارية للنادي وتعزيز انتشاره الجماهيري عالمياً، والسيطرة على الألقاب المحلية في فرنسا بعد غياب طويل والتفوق بعدد الألقاب على كبار الأندية مثل مارسيليا، سانت اتيان، ليون وغيرها، لكنها فشلت في تحقيق الهدف الأكبر المتمثل بالفوز بدوري أبطال أوروبا.
وعلى الرغم من الإنفاق الضخم، ظل باريس سان جيرمان يتعرض لخروج متكرر من الأدوار الإقصائية، وتحوّل في كثير من الأحيان إلى مادة للسخرية بسبب الإخفاقات الأوروبية المتكررة، أبرزها الانهيار التاريخي أمام برشلونة في نسخة 2017.
وحول ذلك، قال الخليفي في تصريح سابق إن المشروع لم يكن قائماً على تحقيق النجاح السريع، مستشهداً بحديث دار بينه وبين الرئيس التنفيذي السابق لبايرن ميونخ كارل هاينز رومينيغه عقب خسارة نهائي دوري الأبطال عام 2020، حين قال له الأخير: "ستفوز بدوري الأبطال في السنة التي لا تتوقع فيها الفوز"، وهي عبارة يرى الخليفي أنها تحققت لاحقاً بعد رحيل معظم النجوم الكبار واعتماد الفريق على منظومة جماعية أكثر توازناً.
وقبل عهد الخليفي، كان باريس سان جيرمان يملك 17 لقبا في مختلف البطولات منذ تأسيسه عام 1970، وبات الآن يملك أكثر من 40 بطولة.
نقطة التحول الكبرى
مع وصول المدرب الإسباني لويس إنريكي عام 2023، بدأ النادي مرحلة مختلفة تماماً. فبدلاً من الاعتماد على قوة النجوم الفردية، اتجه باريس سان جيرمان نحو بناء منظومة جماعية أكثر توازناً، تعتمد على الانضباط التكتيكي والضغط العالي وتطوير المواهب الشابة.
شهدت تلك المرحلة رحيل ميسي ونيمار، ثم مغادرة مبابي إلى ريال مدريد في صيف 2024، وسط شكوك واسعة حول قدرة النادي على المنافسة بعد فقدان أبرز نجومه.
لكن ما حدث لاحقاً قلب المعادلة بالكامل. فقد منح الخليفي مدربه دعماً كاملاً لإعادة تشكيل الفريق وفق رؤيته، ليظهر جيل جديد يقوده ديزيري دوي ووارن زاير إيمري وبرادلي باركولا، إلى جانب نجوم الصف الأول مثل فيتينيا وخفيتشا كفاراتسخيليا وعثمان ديمبيلي، ومن خلفهم القائد البرازيلي ماركينيوس، والنجم المغربي أشرف حكيمي، والبرتغالي نونو مينديش.
ويذهب الخليفي إلى أبعد من ذلك في تقييم المدرب الإسباني، إذ يرى أن إنريكي لم ينجح فقط في بناء فريق بطل، بل ساهم في تغيير بعض المفاهيم التكتيكية الحديثة في كرة القدم، مشيراً إلى أن عدداً من مدربي الدوري الإنجليزي باتوا يحضرون مباريات باريس سان جيرمان لدراسة أسلوبه في الضغط والتحكم بالمباريات وتعدد الحلول التكتيكية.
وأكد الخليفي أن الفارق الجوهري بين باريس الماضي وباريس الحاضر يتمثل في أن الفريق كان يلعب سابقاً من أجل النجم، بينما أصبح اليوم منظومة جماعية متكاملة، مستشهداً بوجود سبعة لاعبين من النادي ضمن التشكيلة المثالية لدوري أبطال أوروبا.
ويرتبط هذا التوجه بقناعة راسخة لدى إدارة النادي بأهمية الاستثمار في المواهب المحلية، إذ قال الخليفي إن 27 لاعباً شاركوا في كأس العالم 2022 كانوا من خريجي أندية ضواحي باريس، مقارنة بـ12 لاعباً فقط من لندن، ما يجعله يعتبر العاصمة الفرنسية أحد أكبر خزانات المواهب الكروية في العالم، ويفسر حجم الاستثمارات التي ضخها النادي في أكاديميته ومركز تدريبه الجديد.
اظهار أخبار متعلقة
أبعد من كرة القدم
لم يقتصر نفوذ الخليفي على باريس سان جيرمان. فهو يتولى رئاسة مجموعة "بي إن" الإعلامية، كما يشغل مواقع مؤثرة داخل مؤسسات كرة القدم الأوروبية، أبرزها رئاسة رابطة الأندية الأوروبية، فضلاً عن عضويته في عدد من الهيئات الرياضية الدولية.
كما توسعت الاستثمارات القطرية الرياضية خلال السنوات الأخيرة لتشمل أندية ومشاريع رياضية متعددة خارج فرنسا، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الحضور القطري داخل صناعة الرياضة العالمية.
وتندرج ضمن هذه الاستراتيجية حصة باريس سان جيرمان في نادي براغا البرتغالي، والتي ينظر إليها الخليفي باعتبارها منصة لتطوير المواهب في واحدة من أكثر البيئات الأوروبية نجاحاً في إنتاج اللاعبين الشباب.
كما اعتبر دخول صندوق "أركتوس" الأمريكي شريكاً بحصة أقلية في النادي مؤشراً على قوة المشروع الباريسي، موضحاً أن المستثمرين أبدوا ثقتهم بالنادي حتى بعد رحيل ميسي ونيمار ومبابي، وهو ما اعتبره دليلاً على أن قيمة باريس سان جيرمان باتت مرتبطة بالمؤسسة نفسها أكثر من ارتباطها بالأسماء الفردية.
جدل القضايا القانونية
رغم النجاحات الرياضية والاقتصادية، لم تخلُ مسيرة الخليفي من الجدل. فقد واجه خلال السنوات الماضية عدداً من التحقيقات والقضايا القانونية في أوروبا، بعضها انتهى بالبراءة أو الإغلاق، بينما لا تزال ملفات أخرى قيد المتابعة القانونية.
ومن أبرز القضايا التي واجهها الخليفي الملف الذي فتحته السلطات السويسرية بشأن حقوق بث بطولتي كأس العالم 2026 و2030، على خلفية اتهامات تتعلق بعلاقته بالأمين العام السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جيروم فالكه. وبعد سنوات من التحقيقات، انتهت القضية بحصول الخليفي على البراءة من التهم الموجهة إليه.
كما ارتبط اسم الخليفي بتحقيقات قضائية في فرنسا تتعلق بمجموعة "لاغاردير" الإعلامية، حيث وُجهت له اتهامات مرتبطة بالتواطؤ في إساءة استخدام نفوذ الشركات خلال صراع على إدارة المجموعة عام 2018. وينفي الخليفي أي مخالفات في هذا الملف، فيما لا تزال القضية محل متابعة قضائية في فرنسا.
وفي ملف آخر أثار اهتماماً إعلامياً واسعاً، ورد اسم الخليفي في القضية التي رفعها رجل الأعمال الفرنسي الجزائري الطيب بن عبد الرحمن، الذي اتهم مسؤولين قطريين وشخصيات مقربة من دوائر
النفوذ الرياضية بالتورط في احتجازه بالدوحة عام 2020 بهدف الحصول على وثائق ومعلومات حساسة. وينفي الخليفي هذه الاتهامات، بينما لا تزال القضية موضع نزاع قضائي وإعلامي بين الأطراف المعنية.
ويؤكد الخليفي باستمرار رفضه للاتهامات الموجهة إليه، معتبراً أن كثيراً من هذه القضايا ارتبط بالصراع على النفوذ داخل عالم الرياضة والإعلام أكثر من ارتباطها بمخالفات مثبتة.