عندما خرج إبراهيم
الشاويش من
سجون الاحتلال الإسرائيلي ضمن صفقة تبادل، لم يكن خروجه حدثا احتفاليا بقدر
ما كان مشهدا صادما؛ جسد هزيل، ملامح شاحبة، قدمٌ ما تزال تحمل آثار جراحة حديثة، وذاكرة
مليئة بمشاهد مروعة داخل أروقة السجون.
القصة هنا لا تُروى
من أرشيف، بل من جسد حاضر في الميدان، يحاول استعادة عافيته بينما يستعيد تفاصيل ما
جرى، حيث يقول الشاويش لـ "عربي 21" بنبرة متعبة: "خرجت من الجحيم من
خلال صفقة بين المقاومة والاحتلال".
ولا يزال إبراهيم الشاويش،
مدير مدرسة ثانوية من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، حتى اليوم يخضع لمتابعة طبية نتيجة
ما تعرض له خلال فترة اعتقاله، بعد أن خرج بجسد أنهكه
التعذيب وسوء التغذية والإهمال
الطبي.
اعتقال بلا تهمة
ويستعيد الشاويش لحظة
الاعتقال قائلًا إنه في العاشر من كانون الأول / ديسمبر 2023، عند الساعة الثانية ظهرا،
كان نازحا في مركز إيواء داخل مدرسة عوني الحرثاني شمال غزة، بعد أن اضطر للنزوح تحت
تهديد القصف الإسرائيلي المستمر بجوار بيته.
وأضاف الشاويش
"لم يكن هناك أي سبب لاعتقالي، كما هو حال باقي الشباب"، موضحًا أن جيش
الاحتلال الإسرائيلي اقتحم المدرسة واعتقل منها مئات النازحين، الذين جرى فرزهم ميدانيا،
قبل اقتياد العشرات منهم، بينهم هو، إلى أماكن متعددة داخل القطاع، ثم لاحقًا إلى السجون
لإسرائيلية.
ويحكي الشاويش أولى
محطات احتجازه، قائلا: "كانت المحطة الاولى عبارة عن تحقيق ميداني داخل منزل قريب
من مكان الإيواء، حُوِّل إلى مركز تحقيق، وكانت أرضية هذا المنزل مليئة بالحجارة والزجاج
بعد تعرضه لقصف جزئي، حينها سُحبت على الأرض، وأنا مجرّد من ملابسي وتعرضت للضرب بشكل
جنوني".
لم يقتصر التعذيب،
بحسب روايته، على الضرب، بل شمل صعقا كهربائيا وتعذيبا نفسيا ممنهجا، إلى جانب سبّ
وإهانات وألفاظ وصفها بأنها "لا أخلاقية ولا إنسانية، ولا تحترم أي كرامة بشرية".
محاولات كسر الروح
وتابع الشاويش حديثه
عن أيام التحقيق والاحتجاز، قائلًا إن الجوع كان أداة تعذيب أساسية: كمية الأكل والشرب
كانت قليلة جدا، لا تكاد تكفي طفلًا عمره سنتان، أضاف، قبل أن يوضح المفارقة القاسية:
"لم يكونوا يريدون لنا الموت، بل كانوا يطعموننا حتى يتسلوا بتعذيبنا ويكملوا
ضربنا، فلا أنت ميت ولا أنت حيّ".
واسترسل في وصف الحالة
النفسية داخل السجن: كان الأسرى يعيشون على حافة الموت في كل لحظة، لاسيما بعد فقدان
عدد منهم حياتهم نتيجة التعذيب، وكنا نرى الموت قادمًا، ونراه يحدث أمامنا.
اظهار أخبار متعلقة
ولم تتوقف أساليب التعذيب
عند الجسد، بل امتدت إلى محاولة تدمير المعنويات، "كانوا يقولون لنا إنهم قتلوا
أبناءنا وأهلنا، ودمروا بيوتنا وإن غزة لم يبقَ فيها أحد"، تابع الشاويش، موضحًا
أن الهدف كان دفع الأسرى إلى الانهيار الكامل.
لكن، وبحسب روايته،
جاءت النتيجة معاكسة: "استخدموا كل الأساليب القذرة وغير الإنسانية لهزيمتنا،
لكن معنوياتنا كانت عالية، وثقتنا بالله بأن الفرج قريب لم تتزعزع".
وبعد انتهاء التحقيق،
نُقل الشاويش إلى معسكر إيريز شمال قطاع غزة، حيث وُضع في بركسات معدنية ضخمة كانت
تُستخدم سابقًا مخازن للدبابات، يصف المكان بأنه أرضية إسفلتية قاسية، وفرش رقيق لا
يقي من البرد، وأغطية بالكاد تُذكر، "كنا مقيدين ومعصوبي الأعين طوال اليوم، حتى
أثناء النوم والأكل وقضاء الحاجة"، ويشير إلى أن الأسرى حُرموا من الحركة، ومن
المياه النظيفة، ومن الملابس الثقيلة، كما كانوا يُجبرون على ترديد شعارات تمجد (إسرائيل)
قبل السماح لهم بالنوم.
جسد يحمل التعذيب..
وإنكار لا يمحو الجريمة
وبعد الإفراج عنه،
لم تنتهِ معاناة الشاويش، "آثار السجن والتعذيب لا تُمحى من الجسد ولا من الذاكرة"،
قال، موضحًا أنه خضع حديثا لعملية جراحية جديدة في قدمه اليمنى، تضاف إلى سلسة العمليات
التي أجراها بعد التحرر، وذلك نتيجة التعذيب والإهمال الطبي داخل سجون الاحتلال.
وأضاف، في مشهد يلخص
حجم المفارقة، أنه خلال تلقيه العلاج في المستشفى المعمداني في مدينة غزة، "اعتذر
لي الممرضون من كثرة الإبر الوريدية التي أدخلوها في يديّ، نظرا لضعف ودقة الأوردة
في جسدي، قلت لهم: في السجن كنا نتمنى أن يضعوا في أيدينا مئة إبرة في اليوم… فقط لنعالَج".
اظهار أخبار متعلقة
وبعد الإفراج، أوضح الشاويش أن وسائل إعلام
عدة، بينها صحافة بريطانية، أجرت معه مقابلات وثّقت حالته الصحية، لكن، بحسب قوله،
أنكر جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه كان أسيرًا أصلًا بعد مشاهدته للتقارير والشهادات
الصحفية، وادعى أنه كان يتلقى علاجا من مرض السرطان،
"هذه ادعاءات كاذبة لا أساس لها من الصحة"،
يشدد الشاويش، معتبرا أن الإنكار جزء من سياسة أوسع تهدف إلى طمس ما يجري داخل السجون.
واختتم شهادته بتوصيف
حاسم: "العالم لا يعرف ماذا يجري داخل السجون الإسرائيلية… الأسرى يُهانون، يُعذبون،
تُنتهك كرامتهم الإنسانية". ثم يضيف جملة تختصر التجربة كلها: "السجن هناك
جحيم في الدنيا بكل ما تعنيه الكلمة".
وأصدر مكتب إعلام الأسرى
الفلسطيني ورقة توثيقية رقمية السابع من يناير/ كانون الثاني لعام 2026، بعنوان، الاعتقال
كسياسة، لتسليط الضوء على تصاعد سياسة الاعتقال الممنهج وتحولها إلى أداة قمع جماعي
تستهدف المجتمع الفلسطيني بمختلف فئاته.
وكشفت الورقة، استنادًا
إلى معطيات محدثة حتى نهاية عام 2025 عن ارتفاع قياسي في أعداد المعتقلين ليصل إلى
نحو 9,300 أسير ومعتقل داخل سجون الاحتلال غالبيتهم من الموقوفين والمعتقلين دون محاكمة
في مؤشر واضح على توظيف الاعتقال كسياسة عقابية قمعية.