منوعات

توم كروز.. إمبراطور السينما الأمريكية ورجل "المهمات المستحيلة"

جيتي
جيتي
شارك الخبر
في عالم السينما المتغير، حيث تصعد النجوم وتأفل في غضون سنوات، يبرز اسم توم كروز (Thomas Cruise Mapother IV) كاستثناء.

ليس كروز مجرد ممثل نال شهرته في الثمانينيات، بل هو "المؤسسة السينمائية" المتنقلة التي نجحت في الحفاظ على بريقها لأكثر من أربعين عاماً.

وُلد كروز في 3 يوليو 1962، واستطاع بمرور الوقت أن يتحول من مراهق مشتت يعاني من عسر القراءة إلى أقوى رجل في هوليوود، والوحيد الذي يمتلك القدرة على جذب مئات الملايين من المشاهدين إلى صالات العرض بمجرد وضع اسمه على الملصق.

الجذور القاسية.. كيف صهرت المعاناة إرادة كروز؟

لم تكن حياة كروز مفروشة بالورود؛ بل كانت طفولته درساً في القسوة والترحال. ولد في مدينة سيراكيوز بولاية نيويورك، لعائلة عانت من عدم الاستقرار المادي والعاطفي.

كان والده، توماس مابوثر الثالث، مهندساً كهربائياً، يصفه كروز دائماً بـ "المتسلط" و"تاجر الفوضى"، بينما كانت والدته، ماري لي، معلمة تربية خاصة حاولت جاهدة حماية أطفالها الأربعة.

رحلة الشتات المدرسي

بسبب طبيعة عمل والده وبحثه الدائم عن الفرص، تنقلت العائلة بين الولايات المتحدة وكندا بشكل مستمر. هذا الترحال أجبر كروز على الالتحاق بـ 15 مدرسة مختلفة خلال 12 عاماً دراسياً فقط. هذا الوضع جعل منه دائماً "الطفل الجديد" في الفصل، مما عرضه للتنمر المتكرر، وهو ما صقل لديه غريزة الدفاع عن النفس والمثابرة.

صراع مع عسر القراءة (Dyslexia)

واجه كروز تحدياً ذهنياً كبيراً وهو إصابته بمرض عسر القراءة. في تلك الحقبة، لم يكن النظام التعليمي مهيأً للتعامل مع هذه الحالات، فوُصف كروز بـ "البطء"، مما أدى إلى تراجع ثقته بنفسه أكاديمياً. لكنه عوض ذلك بالتميز الرياضي، حيث برع في المصارعة والجري، وكان يطمح لأن يصبح رياضياً محترفاً، لولا إصابة بليغة في الركبة في المدرسة الثانوية غيرت مجرى حياته تماماً.

من اللاهوت إلى المسرح.. نقطة التحول الكبرى

في لحظة يأس وبحث عن الذات خلال مراهقته، التحق كروز بمعهد لاهوتي للفرانسيسكان في ولاية أوهايو، مفكراً في أن يصبح كاهناً كاثوليكياً. لكن شغفه بالتمثيل الذي اكتشفه في مسرحية مدرسية بعنوان "Guys and Dolls" كان أقوى من أي نداء آخر.

في سن الثامنة عشرة، اتخذ كروز القرار الذي سيغير تاريخ السينما: حزم حقائبه وتوجه إلى نيويورك بجيوب شبه فارغة، واضعاً لنفسه مهلة عشر سنوات لتحقيق النجاح.

الثمانينيات.. ولادة "الفتى الذهبي" لأمريكا

بدأ كروز بتمثيل أدوار صغيرة في أفلام مثل Endless Love (1981)، لكن لفت الأنظار بقوة في فيلم Taps حيث أظهر كثافة تمثيلية غير متوقعة.

"ريسكي بيزنس" (1983): الانفجار الأول

في عام 1983، قدم كروز فيلم Risky Business، وهو الفيلم الذي جعله نجماً في ليلة وضحاها. مشهد رقصه الشهير بقميص أبيض وجوارب أصبح علامة مسجلة في تاريخ السينما. في هذا الفيلم، أثبت كروز أنه يمتلك "كاريزما" قادرة على بيع التذاكر، وأنه يمثل تطلعات جيل الشباب في الثمانينيات.

"توب غان" (1986): الهيمنة العالمية

إذا كان هناك فيلم واحد لخص نجومية الثمانينيات، فهو Top Gun. لعب كروز دور الطيار "مافريك"، محققاً نجاحاً فاق التوقعات (357 مليون دولار آنذاك). لم يكن الفيلم مجرد عمل سينمائي، بل ظاهرة ثقافية رفعت مبيعات النظارات الشمسية "رايبان" وزادت معدلات الالتحاق بالبحرية الأمريكية بنسبة واضحة. هنا، أصبح كروز "الأيقونة" التي لا تُمس.

مرحلة النضج الفني والتعاون مع العمالقة

أدرك كروز بذكائه الفطري أن الوسامة والنجومية السريعة قد تنتهي سريعاً، فقرر في أواخر الثمانينيات والتسعينيات أن "يتعلم" من الكبار، فدخل في سلسلة من التعاونات الفنية التي أثبتت موهبته التمثيلية العميقة.

"رجل المطر" (1988): تحدي الأداء أمام هوفمان

في فيلم Rain Man، وقف كروز أمام العملاق داستن هوفمان. ورغم أن هوفمان نال الأوسكار، إلا أن النقاد أشادوا بقدرة كروز على أداء دور الأخ الأناني الذي يتحول تدريجياً. كان هذا الفيلم هو الأعلى دخلاً في عامه، مما أكد أن كروز "تميمة حظ" تجارية وفنية في آن واحد.

"ولد في الرابع من يوليو" (1989): الترشيح الأول للأوسكار

تحت إدارة المخرج الراديكالي أوليفر ستون، قدم كروز دور "رون كوفيك"، الجندي المشلول العائد من فيتنام. تخلى كروز عن وسامته، وجلس في كرسي متحرك لشهور، وقدم أداءً مفجعاً نال عنه ترشيحه الأول للأوسكار وفاز بجائزة الغولدن غلوب.

العمل مع كوبريك وسبيلبرغ وستورن

التسعينيات ومطلع الألفية، تعاون كروز مع أساطير الإخراج

ستانلي كوبريك: في فيلمه الأخير Eyes Wide Shut، حيث خضع كروز وزوجته آنذاك نيكول كيدمان لعملية تصوير استغرقت 400 يوم، وهو رقم قياسي، مما عكس التزام كروز المطلق برؤية المخرجين.

ستيفن سبيلبرغ: في فيلمي الخيال العلمي Minority Report وWar of the Worlds، اللذين حققا نجاحات تجارية هائلة.

"مهمة مستحيلة".. كيف أصبح كروز منتجاً عبقرياً؟

في عام 1996، أسس كروز شركة إنتاج خاصة به (Cruise/Wagner Productions) وقرر تحويل المسلسل التلفزيوني Mission: Impossible إلى فيلم سينمائي. لم يكن يعلم حينها أنه يؤسس لأطول وأنجح سلسلة أفلام تجسس في التاريخ الحديث.

فلسفة "إيثان هانت"

عبر شخصية "إيثان هانت"، قرر كروز أن يقدم شيئاً مختلفاً عن "جيمس بوند". إيثان هانت هو الرجل الذي يعاني، يركض، ويفشل أحياناً، لكنه لا يستسلم. الأهم من ذلك، قرر كروز أن تكون كل نسخة من السلسلة من إخراج مخرج مختلف في البداية (برايان دي بالما، جون وو، جي جي أبرامز) ليعطي كل فيلم نكهة بصرية فريدة.

ثورة المشاهد الخطرة (Stunts)

مع تقدم السلسلة، أصبح كروز مهووساً بتقديم "الواقعية". رفض استخدام البدلاء (Stuntmen) وقرر القيام بأخطر المشاهد بنفسه:

برج خليفة (2011): في فيلم Ghost Protocol، تسلق كروز قمة أعلى برج في العالم بنفسه، في مشهد حبس أنفاس العالم.
طائرة الشحن (2015): في Rogue Nation، تعلق بجانب طائرة "إيرباص A400M" وهي تقلع على ارتفاع 5000 قدم.
قفزة "هالو" (2018): في Fallout، أصبح أول ممثل يقوم بقفزة عسكرية من ارتفاع شاهق (25 ألف قدم) لأكثر من 100 مرة للحصول على لقطة مثالية.
القفزة بالدراجة (2023): في Dead Reckoning، قام بالقفز بدراجة نارية من فوق منحدر في النرويج، وهي أخطر مجازفة في تاريخ السينما.

الحياة الشخصية.. الصعود والهبوط تحت مجهر الإعلام

لا يمكن الحديث عن سيرة كروز دون التطرق لحياته الشخصية التي كانت دائماً تحت الحصار الإعلامي.

الزيجات الثلاث

ميمي روجرز (1987-1990): الزيجة التي أدخلته إلى "السينتولوجيا"، وهي مجموعة من المعتقدات والممارسات الدينية التي وضعها كاتب الخيال العلمي الأمريكي رون هوبارد.

نيكول كيدمان (1990-2001): الثنائي الأكثر شهرة في هوليوود. تبنيا طفلين، لكن انتهت العلاقة بطلاق صدم الجمهور، ويُقال إن اختلاف التوجهات الدينية كان سبباً رئيسياً.

كيتي هولمز (2006-2012): قصة حب بدأت بإعلان جنوني على أريكة أوبرا وينفري، وانتهت بطلاق مفاجئ سعت إليه كيتي لحماية ابنتهما "سوري" من تأثيرات السينتولوجيا.

السينتولوجيا والجدل

كروز هو الوجه الأبرز لكنيسة السينتولوجيا. يدافع عنها بشراسة وينسب إليها الفضل في شفائه من عسر القراءة. تسبب هذا الالتزام في صدامات إعلامية، أشهرها مع الممثل بروك شيلدز حول الأدوية النفسية، مما أدى في عام 2005 إلى تراجع شعبيته بشكل ملحوظ وتوتر علاقته مع شركة "باراماونت".

 العودة من الرماد.. "توب غان: مافريك" وإنقاذ السينما

بعد سنوات من الجدل، ركز كروز على عمله فقط. وفي عام 2022، أطلق فيلم Top Gun: Maverick. رفض كروز بيع الفيلم لمنصات البث الرقمي خلال الجائحة، مصراً على عرضه في السينما فقط. النتيجة كانت مذهلة: حقق الفيلم 5 مليار دولار، ونال إشادة نقدية هائلة.

وصفه ستيفن سبيلبرغ قائلاً: "لقد أنقذت هوليوود، وربما أنقذت التوزيع السينمائي بالكامل".

القيمة السوقية والإرث السينمائي

تجاوزت ثروة توم كروز الـ 600 مليون دولار، وبلغت إيرادات أفلامه عالمياً أكثر من 12 مليار دولار. لكن إرثه الحقيقي ليس في المال، بل في "أخلاقيات العمل". يُعرف كروز في الأوساط الفنية بأنه "المنضبط الأكبر"؛ فهو لا يدخن، لا يشرب الكحول، يتدرب لساعات طويلة، ويعرف أسماء جميع العاملين في مواقع التصوير من أصغر فني إلى المنتج.

فلسفة الإتقان

كروز هو آخر "نجوم النخبة" الذين يرفضون تقديم أعمال للتلفزيون أو المنصات بانتظام؛ فهو يؤمن بأن السينما هي "طقس جماعي" يجب أن يُحترم. التزامه بالتدريب (سواء على قيادة الطائرات الحربية أو حبس الأنفاس تحت الماء لـ 6 دقائق في Rogue Nation) جعل منه قدوة في الاحترافية.

الجوائز والتكريمات.. المفارقة الكبرى

من المفارقات في مسيرة كروز أنه رغم ترشيحه لـ 4 جوائز أوسكار (3 للتمثيل وواحدة كمنتج)، إلا أنه لم يفز بها قط.

ومع ذلك، نال تكريماً قلما يحصل عليه ممثل أمريكي، وهو السعفة الذهبية الفخرية من مهرجان كان السينمائي عام 2022، وسط تصفيق استمر لـ 5 دقائق.

كما حصل على جوائز غولدن غلوب عديدة، وقام بردها في عام 2021 احتجاجاً على سياسات الرابطة، في موقف شجاع أثبت قوته ونفوذه.

ما بعد "المهمة المستحيلة"

مع اقتراب نهاية سلسلة Mission: Impossible، لا يخطط كروز للتقاعد. أعلن مؤخراً عن مشروع طموح مع وكالة "ناسا" وشركة "إيلون ماسك" (SpaceX) لتصوير أول فيلم سينمائي في الفضاء الخارجي. هذا المشروع يلخص فلسفة توم كروز: "السماء ليست هي الحدود، بل هي مجرد البداية".

لماذا سيبقى توم كروز خالداً؟

سيرة توم كروز هي قصة انتصار الإرادة على العجز، والعمل الشاق على الموهبة الخام. إنه الرجل الذي رفض أن تشيخ نجوميته، وظل يركض على الشاشة بنفس الحماس الذي بدأ به في الثمانينيات. في عصر الذكاء الاصطناعي والشاشات الخضراء، يظل توم كروز "الحقيقة الوحيدة" المتبقية في هوليوود؛ الممثل الذي يخاطر بحياته حقاً ليمنحنا ساعتين من السحر السينمائي الصافي.
التعليقات (0)