لا يتردد الخبراء الإسرائيليون
في الاعتراف بأن إسرائيل لا يوجد لديها عملية صنع قرار منظم يتعلق بالأداء الإعلامي،
مع إدراكهم التام لخطأ إغلاق قطاع غزة بالكامل أمام
وسائل الإعلام الدولية، وقد بات
من الأفضل الآن فتحه تدريجيا وحذرا لإتاحة وصول وسائل الإعلام العالمية.
وبحسب صحفية
معاريف
العبرية أكد نحمان شاي، وزير الشتات السابق والمتحدث باسم الجيش، أنه "قبل أيام
قتل صحفيون يمثلون وكالات أنباء دولية في مستشفى خانيونس جنوب القطاع، وكذلك مقتل طاقم
طبي ومدنيين في المستشفى، ومنذ ذلك الحين، نشرت روايات مختلفة حول الحادثة، التي لا
تزال قيد التحقيق، وأفادت التقارير أن رئيس الأركان يحقق في ملابسات إطلاق النار، وكيف
تم التصريح به".
إغلاق غزة
وأضاف في المقال الذى
ترجمته "عربي21" أنه "في خضم الجدل حول الحادث، يجدر النظر في أسئلة
أكبر، مثل: من يغطي أحداث غزة، وكيف تُعدّ التقارير، وما تأثيرها على الرأي العام في
مختلف الدول وعلى الحكومات والقادة حول العالم، رغم أنه في بداية الحرب، وضع الجيش
سياسةً للصحفيين الإسرائيليين لدخول مناطق القتال، ومعظمهم عسكريون، وآخرين من برامج
الأخبار والشؤون الجارية، بدخول القطاع مجموعات أو فرادى، دون تمركز صحفيين بشكل دائم
مع القوات ليلًا ونهارًا، كما الحروب السابقة".
وأوضح أنه "بالنسبة
للصحفيين غير الإسرائيليين من "المراسلين الأجانب"، فقد مُنع دخولهم لغزة
منعًا باتًا، ولم يُسمح للصحفيين وطواقم التلفزيون بدخولها إلا في حالات استثنائية،
وبرفقة المتحدث الرسمي آنذاك، العميد دانيال هاغاري، لمهمة واحدة، ثم يغادروا القطاع
فورًا، لاحقًا، انخفض دخولهم تدريجيًا، ومن الناحية العملية أصبح القطاع مغلقًا أمام
وسائل الإعلام الأجنبية".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار أنه "عندما اندلعت الانتفاضة الأولى
عام ١٩٨٧، كان الجيش قلقًا للغاية بشأن التغطية الإعلامية التي تلقاها جنوده من وسائل
الإعلام الأجنبية عند محاولتهم تفريق المظاهرات، عادةً بالضرب والهراوات، وأحيانًا
بقنابل الدخان، بل وحتى إطلاق النار، مما دفعه لإعلان بعض المناطق التي شهدت أعمال
عنف "مناطق مغلقة" أمام وسائل الإعلام، ويُمنع دخولها، ونجح هذا النهج لفترة
وجيزة، لكنه انهار لأن الفلسطينيين، حتى قبل ما يقرب من ٤٠ عامًا، وجدوا طرقًا بسيطة
لتهريب المواد المصورة من المناطق المغلقة، ونقلها لمكاتب وسائل الإعلام الأجنبية".
تهريب الصور
وكشف أن "الفلسطينيين
اشتروا حينها كاميرات فيديو صغيرة، وصوّروا بها ما كان يحدث دون أن يتمكن الجيش من
منعهم، وأثبت هذا لمن لم يفهموا آنذاك، وما زالوا يدركون اليوم، أن التكنولوجيا تنتصر،
وتتخطى الحواجز المادية والقانونية وغيرها، وتصل كل منزل، وهذا ما يحدث اليوم، فالأمور
أصبحت أسهل بكثير، حيث يواصل الجيش إغلاق قطاع غزة، لكنه يعلم أنها عملية احتيال، فهو
ليس مغلقاً حقًا، وكل ما يحدث هناك يُبلّغ عنه، مما يتطلب الحذر والمسؤولية من جانب
الجنود وقادتهم".
وحذر أن "عيون
الكاميرات التي يحوزها الفلسطينيون تراقب وتوثق ما يحدث، وباتت بمثابة جدار دفاعي يحمي
الفلسطينيين من الأعمال غير القانونية التي يقوم بها الجنود، وبصفتي المتحدث باسم الجيش
في تلك السنوات، فقد قاومت هذه الأوامر، وجادلت بأنها غير فعالة، وضررها أكبر من نفعها،
لأنها تثير تساؤلات حول أنشطة الجيش، وتشير بشكل رئيسي أن الجيش لديه ما يخفيه".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار أن "هذه
المعضلة برزت مجددًا في عملية السور الواقي عام 2002، حين قرر قائد الجيش شاؤول موفاز،
بناءً على توصية المتحدث باسمه رون كاتاري، إغلاق "المناطق" للسماح للجنود
بحرية العمل دون إزعاج وسائل الإعلام، لكن وزير الحرب بنيامين بن إليعازر، اعترف لاحقًا
بالخطأً، لأنه يستحيل منع تسرب المواد الصحفية من المناطق التي عمل فيها الجيش، وبالفعل،
فقد استُبدل مكان المراسلين والصحفيين ذوي المعايير والأخلاقيات الصحفية النسبية، بمواد
صوّرها مراسلون ومصورون فلسطينيون سوّقوا روايتهم".
تأليب الرأي العام
وأوضح أنه "مرّ
أكثر من 20 عامًا، لكن الأخطاء تتكرر دائمًا، وتُنسى الاستنتاجات والدروس، ويكرر المسؤولون
الجدد أخطاء الماضي، لأن إغلاق غزة بإحكام أمرٌ مستحيل، وبعد نجاح الجيش في خلق نوع
من "ضباب الحرب" في بدايتها، لكننا نسينا استحالة الحفاظ على هذا الحصار
الإعلامي طويلًا، حيث دخل صحفيون يمثلون شبكة الجزيرة ووسائل إعلام عربية وغير عربية،
ينقلون الأخبار من غزة، وباتت التكنولوجيا في صفهم، واليوم، يُمكن نقل أي معلومة عبر
الإنترنت، لم تعد هناك حاجة لإرسال أشرطة المواد المصورة".
وأضاف أن "وجود
المعلومات في وسائل الإعلام العالمية بالغ الأهمية، لكنها من وجهة نظر تل أبيب ضارٌة
ومدمّرة، ورأينا ذلك جليًا في حملة التجويع، لأنه من منظور إعلامي، حققت
حماس انتصارًا
باهرًا، فرغم عدم وجود أي مراسل من شبكات الإعلام العالمية ومحطات التلفزيون الرائدة
في غزة، فقد تلقوا سيلًا متواصلًا من الصور التي نجحت بتأليب الرأي العام ضد إسرائيل بوضوح، وبشكل حاد، مما يؤكد مجددًا أن التكنولوجيا في صفّ الضعفاء، وتساعدهم على التغلب
على قوة الأقوياء وحضورهم، وهكذا تنتصر حماس بسهولة".
وأشار أن "وسائل
الإعلام العالمية تشتري كل ما يُعرض عليها، وتُعتبرها مواد حصرية، مما يزيد من الفضول
والاهتمام بها، وهكذا، تُمكّن إسرائيل، بغير قصد، حماس من الفوز بسهولة، لأنه لا يوجد
لديها آلية منظمة لاتخاذ القرارات الإعلامية، لقد تحدثنا عن هذا الأمر مرارًا وتكرارًا،
ولكن لا أحد يقرر ويُنفذ، رغم فشل المفهوم القديم".