عزز رئيس السلطة الفلسطينية
محمود عباس علاقاته مع
اليونان وقبرص، رغم ارتباط البلدين بتعاون استراتيجي مع الاحتلال
الإسرائيلي واعتبارهما من الخصوم الإقليميين لتركيا.
وقالت صحيفة
"معاريف" العبرية، إن هذا التقارب يعكس توجها سياسيا يسعى من خلاله عباس
إلى توسيع علاقاته الدولية والحفاظ على مكانة السلطة الفلسطينية، فيما تناول المعلق
التركي محمد طه يلدريم دوافع هذه الخطوة وأسباب تجنب أنقرة الدخول في مواجهة مع رئيس
السلطة الفلسطينية.
وأكد يلدريم أن اختيار
عباس لقاء قادة اليونان وقبرص، في وقت تكثف فيه
تركيا جهودها الدبلوماسية بشأن القضية
الفلسطينية، لا يمثل خيانة من جانب السلطة الفلسطينية، وإنما مناورة سياسية محسوبة
تستهدف الحفاظ على مكانتها الدولية، وتأمين الدعم الاقتصادي، وتعزيز شرعية قيادتها.
الانقسام الفلسطيني
وحسابات عباس
وأشار المعلق التركي
إلى وجود اختلافات جوهرية بين مركزي القوة الرئيسيين في الساحة الفلسطينية، وهما حركة
فتح بقيادة عباس وحركة حماس وأوضح أن فتح تعمل ضمن إطار وطني علماني، واختارت المسار
السياسي والمفاوضات منذ اتفاقيات أوسلو، كما تحظى السلطة الفلسطينية، التي تسيطر عليها
الحركة، باعتراف دولي وتحافظ على علاقات رسمية مع دول ومؤسسات دولية.
وفي المقابل، أشار
يلدريم إلى أن حماس وضعت الكفاح المسلح في صميم مسارها، وتحكم قطاع غزة منذ سيطرتها
عليه عام 2007، لافتًا إلى أن هذه الاختلافات أوجدت واقعًا يتبنى فيه كل طرف فلسطيني
أولويات مختلفة، ويختار شركاءه، ويعمل على تعزيز موقفه.
وأكد المعلق التركي
أن عباس لا يرى في توسيع العلاقات مع اليونان وقبرص تعارضًا مع علاقاته بتركيا، بل
يعتبره وسيلة لتوسيع قاعدة الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية، وترسيخ مكانتها باعتبارها
الممثل الرسمي للفلسطينيين، والحصول على مساعدات لإعادة إعمار قطاع غزة.
قبرص جسر بين إسرائيل
والفلسطينيين
وتابعت "معاريف"
أن التقارب الفلسطيني القبرصي ظهر خلال زيارة عباس إلى قبرص يومي 29 و30 تشرين
الأول / أكتوبر، حيث التقى الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، وبحث الجانبان العلاقات
الثنائية، والأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، والمساعدات الإنسانية، والعلاقات بين
السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي.
وأشارت الصحيفة إلى
أن قبرص اعترفت بدولة فلسطين عام 1988، ووسعت خلال السنوات الأخيرة مشاركتها في إيصال
المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة عبر الممر البحري "أمالثيا". ووفقًا للحكومة
القبرصية، تجاوزت كمية المساعدات الإنسانية التي وصلت إلى سكان القطاع من خلال هذه
المبادرة 37 ألف طن بحلول أغسطس 2026.
وفي الوقت نفسه، أكدت
الصحيفة أن قبرص تحافظ على علاقات وثيقة مع إسرائيل، وهو ما قد يجعلها، وفقًا للتفسير
التركي، وسيطًا مهمًا للسلطة الفلسطينية. وأوضحت أن عباس سعى، من خلال علاقاته مع نيقوسيا،
إلى الاستفادة من صلاتها بإسرائيل لتعزيز قنوات التواصل السياسي بين الجانبين.
وأشارت "معاريف"
إلى الأهمية التي توليها اليونان لمكانة السلطة الفلسطينية، مستشهدة بالاجتماع الذي
عقده رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس مع عباس في رام الله خلال ديسمبر
2025، حين أكدت أثينا اعتبار السلطة الفلسطينية الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وأبدت
استعدادها للمشاركة في جهود إعادة إعمار غزة.
لماذا لا ينتقد أردوغان
تقارب عباس مع خصوم تركيا؟
وتساءل يلدريم عن أسباب
عدم إبداء أنقرة رد فعل حادًا تجاه التقارب الفلسطيني مع خصميها الإقليميين اليونان
وقبرص، معتبرًا أن الإجابة ترتبط برغبة تركيا في الحفاظ على موقعها لاعبًا محوريًا
في الساحة الفلسطينية، بما يتيح لها الاحتفاظ بعلاقات مع كل من السلطة الفلسطينية وحماس.
وأوضح المعلق التركي
أن الدخول في مواجهة مباشرة مع عباس قد يضر بعلاقات أنقرة مع القيادة الفلسطينية المعترف
بها دوليًا، ويقلص قدرتها على التأثير في التطورات السياسية.
وتابعت الصحيفة أن
الصراع بين تركيا واليونان وقبرص في شرق البحر المتوسط يمثل ساحة سياسية منفصلة، وأن
أنقرة تفضل، وفقًا للتحليل، عدم تحويل كل لقاء يعقده عباس مع خصومها إلى أزمة جديدة
في علاقاتها مع القيادة الفلسطينية.
وقارن يلدريم هذا السلوك
بسياسة تركيا نفسها، التي تحافظ على علاقات مع دول تتعارض مصالحها، مشيرًا إلى أن أنقرة
عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، لكنها تواصل علاقاتها مع روسيا، وفي الوقت
الذي توجه فيه انتقادات حادة إلى إسرائيل، تسعى إلى الحفاظ على مكانتها لاعبًا إقليميًا
يمتلك قنوات اتصال متعددة.
وأكد المعلق أن المنطق
الذي يحكم هذه السياسة يتمثل في الرغبة في الاحتفاظ بهامش للمناورة الدبلوماسية، حتى
عندما لا يتشارك الشركاء المختلفون رؤية عالمية موحدة.
وأضاف يلدريم أنه ما
دام الانقسام السياسي الفلسطيني مستمرًا، فإن السلطة الفلسطينية وحماس ستواصلان بناء
علاقات منفصلة مع الأطراف الإقليمية والدولية.
وختمت "معاريف"
تقريرها بالإشارة إلى أن علاقات عباس مع اليونان وقبرص تمثل جزءًا من مسعاه لتوسيع
الدعم للسلطة الفلسطينية والحفاظ على مكانتها السياسية، بينما تتعامل تركيا مع هذا
الواقع بحذر، تفاديًا لفقدان قدرتها على الاحتفاظ بعلاقاتها مع الطرفين الفلسطينيين.
وأوضحت أن تحركات عباس تعكس أن مصالح السلطة الفلسطينية ليست بالضرورة خاضعة لأولويات
تركيا، رغم استمرار الخلافات بين أنقرة وخصومها في شرق البحر المتوسط.