على مدار
أيام
الإبادة التي شهدها قطاع
غزة، تابع العالم، مشاهد المجازر ساعة بساعة، وما
رافقها من صرخات للغزيين، لا تتوقف على بث حزنهم، بل توثق لعبارات وأصوات ستبقى
خالدة، تحكي عما تعرض له الفلسطينيون على يد
الاحتلال من وحشية غير مسبوقة.
وسجلت تلك
الأصوات والعبارات والصرخات، أسماء الضحايا وملامحهم، ولا يزال وقعها يحمل الألم
الذي صورته ووثقته.
ونستعرض في
التقرير التالي عددا من تلك الصرخات والأصوات والتي ارتبط أغلبها بالأطفال والنساء
في غزة، الفئة الأكثر تعرضها للفتك والوحشية خلال تلك السنوات على يد الاحتلال.
أبيضاني
وشعره كيرلي
واحدة من أصعب
أصوات الإبادة، كانت لحظات بحث أم عن طفلها يوسف، الذي فقدته جراء قصف على منطقتهم
في غزة، حيث وثقتها الكاميرات وهي تبحث بشكل هستيري داخل أقسام المستشفى عنه طفل
"شعره كيرلي وأبيضاني وحلو".
وظلت تلك
العبارات والأوصاف تتردد والكاميرات تلاحق الأم المكلومة، داخل غرف المستشفى، "يوسف
ابني عمره سبع سنين، شعره كيرلي وأبيضاني حلو"، وزوجها الدكتور محمد أبو موسى،
يلاحقها كذلك بحثا عن مصير ابنه.
وكانت فاجعة
الأم، حين أبلغها طاقم المستشفى أن ابنها استشهد، وقاموا باصطحابها إلى الغرفة
التي سجي فيها، بعد تعرضه لإصابة قاتلة بقنابل الاحتلال.
وكان استشهاد
الطفل يوسف في بداية حرب الإبادة، خلال الأشهر الأولى لوحشية الاحتلال، وتردد صدى
صوت والدته وعباراتها، فضلا عن صورة يوسف "الحلو"، حول العالم العالم،
ولا زالت ترفع في التظاهرات والفعاليات المؤيدة لغزة.
وزادت فاجعة
العائلة، مع قيام الاحتلال، باعتقال والد الشهيد الطفل يوسف، الدكتور محمد أبو
موسى، من داخل مستشفى ناصر بخانيونس، بعد اقتحامه، خلال القيام بواجبه الطبي تجاه
المصابين.
وخرج والد
يوسف في صفقة تبادل الأسرى النهائية التي توقفت معها الإبادة الكبرى في غزة.
روح الروح
والعم أبو ضياء
المشهد الذي
تحول إلى صرخة دوت على امتداد العالم، كان احتضان الجد الفلسطيني خالد نبهان أبو
ضياء، لحفيدته الصغيرة ريم 3 سنوات، وتقبيل عينيها وهي جثة قضت بعد قصف منزل
عائلتها في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة مطلع الإبادة.
أبو ضياء، لم
يدر أن عبارة روح الروح، التي كان يصف بها ريم بشكل عفوي في حياتها، ستتحول إلى
أيقونة، تطوف العالم، وتختصر وحشية الاحتلال في جسد طفلة قتلتها القنابل، وجد فجع
بأغلى ما عنده.
ووصل التفاعل
مع ريم وأبو ضياء، إلى حد إنتاج فرقة "ذا هيرد" الأسترالية أغنية بعنوان
روح الروح، وتحول لحظة العناق الأخير بين الجد وحفيدته إلى رمز عالمي لتحدي قهر
الاحتلال والتذكير بوحشيته.
وكعادة
الاحتلال، في استكمال جرائمه، أقدم الاحتلال على قتل الجد خالد نبهان، بعد استهداف
مربع سكني متكظ بالنازحين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة عام 2024، ليلتحق أبو
ضياء بروحه ويدفن بجانبها.
سوسو وأبو
الورد
فاجعة
الفلسطينية رانيا أبو عنزة، كانت من اللحظات المليئة بالقهر، خلال الإبادة، والتي فقدت
فيها زوجها مع طفلين رضيعين، أنجبتهما بعد حرمان وعمليات إخصاب صناعي امتدت على
مدار 11 عاما حتى تكللت بالنجاح.
رانيا ظهرت
أمام كاميرات الصحفيين، وهي تحمل جثتي الرضيعين، وسام التي أطلقت عليها سوسو،
ونعيم الذي سمته أبو الورد، وهي في حالة عدم إدراك أن انتظارها الذي طال سلبه
الاحتلال عبر قنابله الوحشية.
وقضى الرضيعان مع والدهما، في قصف استهدف
منزل العائلة بمدينة رفح، ولم ينج من المجزرة إلا الأم، التي بقيت بحسرة تحتضن
الرضيعين رغم مفارقتهما الحياة.
واشتهرت صورة وصوت الأم، وهي تقول للصحفيين
بحزن: "صورلي هالقمر أمانة.. يسعد عينه أبو الورد رحت يما يا قلبي.. رحتي يا
سوسو، الله يسهل عليكم والله ما شبعت منهم، مين بدو يعوضني راحوا مع أبوهم".
هاي إمي.. بعرفها من شعرها
الكثير من ضحايا الإبادة الذين بقوا على قيد
الحياة في غزة، لم يتمكنوا من التعرف على ملامح أحبائهم، لكن الطفلة تالين، جزمت
لكل الموجودين في مكان المجزرة، أن الجثة التي لم يتبق لها معالم، كانت أمها،
والعلامة شعرها.
وظهرت الطفلة تالين، في الشهر الأول
للإبادة، وهي تجلس وتبكي، بعد محاولاتها مشاهدة جثمان أمها، ومنع الموجودين لها
بسبب التشوه الذي أحدثته قنابل الاحتلال، لكن الفتاة أكدت أنها أمها.
واستمرت الفتاة بترديد عبارة، هاي إمي
بعرفها من شعرها، لتؤكد للجميع أن الجثمان ليس لمجهول، بل إن الاحتلال فشل في
تسجيل هذه السيدة في سجل المفقودين.
متعيطش.. إنت زلمة
ورغم آلام أهل غزة، إلا أنهم كانوا يتحدون
محاولة قهرهم، بإسناد بعضهم البعض، في أصعب اللحظات التي يشعر الإنسان فيها بالقهر.
وتردد صدى كلمات الشيخ باهي رمضان الداهوك
"أبو هارون"، داخل مستشفى الشفاء في غزة، بعد فقدان عدد من أبنائه في
قصف منزله بحي الزيتون بغزة.
وكان الشيخ يصبر أحد أبنائه على استشهاد العائلة
بقصف الاحتلال، ويطلب منه التوقف عن البكاء بالقول: "متعيطش.. إنت
زلمة".
فليكن موتي حكاية
الأكاديمي والشاعر رفعت العرعير، الذي أراد
الاحتلال إسكات صوته، الذي نقل مشاعر الإبادة للعالم الغربي، تحولت كلماته بعد
استشهاده إلى صدى حول العالم، وخاصة في أوروبا.
أستاذ اللغة الإنجليزية في الجامعة
الإسلامية بغزة، الدكتور رفعت العرعير، استشهر بمقابلاته مع القنوات الغربية، لشرح
الإبادة التي تجري بحق سكان غزة، ونقل المعاناة وفي الخلفية كانت أصوات القنابل تدوي
من حوله وهو يبكي ويؤكد صموده، ولو بالقلم.
وخلال
الأسابيع الأخيرة من حياته، نشر العرعير قصيدة كتبها باللغة الإنجليزية، بعنوان "إذا
كان لا بد أن أموت"، والتي تحولت إلى أيقونة وغنتها فرق وقرأها مشاهير حول
العالم.
وكتب العرعير عن الموت، لكن دون أن يصفه
بالنهاية، بل كان البداية لقصة يريدها، ومن أبياتها: "إذا كان لا بد أن أموت،
فليجلب موتي الأمل، وليكن حكاية".
وأقدم الاحتلال بالفعل على اغتيال العرعير،
عبر قصف المنزل الذي كان فيه مع عائلته، وأصبحت قصيدته واحدة من أكثر النصوص الأدبية
انتشارا بما يتعلق بالإبادة في غزة.