عادت أزمة المياه إلى
قناة بنما مجددًا، مع استعداد هيئة القناة لتقليص حركة السفن خلال إيلول / سبتمبر،
في ظل تراجع معدلات هطول الأمطار وانخفاض مستويات المياه اللازمة لتشغيل نظام الهويس،
وسط مخاوف من أن تؤدي ظاهرة "إل نينيو" إلى إطالة أمد الضغوط على أحد أهم
الممرات المائية في العالم.
وأعلنت هيئة قناة بنما
خفض عدد السفن التي يمكنها العبور يوميًا بشكل تدريجي من 38 سفينة إلى 34 اعتبارًا
من 3 إيلول / سبتمبر، على أن يتراجع العدد مرة أخرى إلى 32 سفينة يوميًا بدءًا من
15 إيلول / سبتمبر، مع تخصيص 9 مواعيد يومية لسفن "نيوباناماكس".
وتعتمد القناة، التي
تربط المحيطين الأطلسي والهادئ، على مياه الأمطار المخزنة في منظومة البحيرات الواقعة
داخل حوضها، وفي مقدمتها بحيرة جاتون. ولذلك فإن انخفاض الأمطار لا يمثل مشكلة بيئية
فحسب، بل يتحول مباشرة إلى قيود على
حركة الملاحة وقدرة السفن على العبور بحمولاتها
المعتادة.
وتلجأ الهيئة إلى تقليل
عدد السفن أو خفض الغاطس المسموح به، وهو ما قد يجبر السفن على تخفيف حمولاتها لتجنب
تجاوز العمق الآمن، وكانت القناة قد شهدت خلال أزمة الجفاف السابقة في 2023 و2024 ارتفاعًا
كبيرًا في أعداد السفن المنتظرة، بعدما تجاوز عددها في بعض الفترات 200 سفينة، مقابل
نحو 90 سفينة في الظروف المعتادة.
وتكتسب التطورات الحالية
أهمية إضافية بسبب ارتفاع الطلب على القناة، في وقت دفعت فيه التوترات الإقليمية واضطرابات
الملاحة في مضيق هرمز بعض شركات الشحن إلى البحث عن مسارات بديلة. وارتفعت قيمة المواعيد
المتاحة عبر المزادات، بعدما كان متوسط العرض الفائز نحو 135 ألف دولار قبل الحرب،
قبل أن يصل أحد العروض إلى 4 ملايين دولار في أبريل الماضي.
ولا تتوقف أهمية الأزمة
عند حدود الملاحة، فقناة بنما تمثل طريقًا مختصرًا للتجارة بين المحيطين، وتسمح للسفن
بتجنب رحلة طويلة حول الطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية. وتعبر من خلالها مئات الملايين
من الأطنان من البضائع سنويًا، ما يجعل أي قيود مستمرة على الحركة مصدر ضغط محتمل على
تكاليف النقل وسلاسل الإمداد.
ورغم الحديث المتكرر
عن مسارات بديلة، لا يبدو أن هناك في الوقت الراهن طريقًا قادرًا على تقديم المزايا
نفسها التي توفرها قناة بنما. فالممرات البحرية عبر إفريقيا أطول، بينما تظل الطرق
القطبية موسمية ومحدودة بالظروف المناخية والبيئية.
وبذلك تكشف أزمة
2026 عن معضلة أكبر لقناة بنما حيث أن الممر الذي صُمم لتسهيل
التجارة العالمية أصبح يعتمد
بدرجة كبيرة على مورد طبيعي لا يمكن التحكم في وفرة مياهه.