أنا رجل أهتم بالتتر، تتر الأفلام.
متابعته جزء من الطقس السينمائي الذي أمارسه مع كل مشاهدة جديدة. أشعر أن الأسماء
المكتوبة تناديني: "اقرأنا، فنحن أيضاً جديرون باهتمامك". فهناك كاتب
ابتكر، ومصور اختار زاوية الكاميرا، ومونتير صنع الإيقاع، ومصمم أزياء استدعى روح
العصر، وهناك سنة صدور العمل يجب أن تُذكر؛ لأنها تخبرك بأي لحظة من التاريخ ينتمي
هذا الفيلم. التتر بالنسبة لي هو "DNA" الفيلم.
أمرُّ على الأسماء اسماً اسماً،
وأحاول أن أجد رابطاً بينها. كل اسم من هذه الأسماء يحمل شيئاً من الفيلم، وكل اسم
يمكن أن يقودك إلى خيط من خيوطه، حتى طريقة ظهور الأسماء، والخط الذي كُتبت به،
والموسيقى المصاحبة لها؛ كل ذلك ينبئك بشيء، وعليك أن تلاحظه.
لحظة التتر هي العتبة الأولى للعمل
الفني. بعضهم يجعل التتر جزءاً من السرد نفسه، لكن على أي حال، التتر يخلق الحالة
النفسية للمشاهد، ويهيئه لما سيأتي، ويخبرك بالفيلم قبل أن تراه، ويقيّمه لك كخبير
فني. فمن اسم المخرج وحده يمكنك أن تبدأ في تخمين روح الفيلم وضميره. ففيلم لعاطف
الطيب، مثلاً، يجعلك تتوقع أن ترى الفساد والتحولات الاجتماعية في المجتمع المصري،
وفيلم لبيتر ميمي قد يدفعك إلى رؤية أكثر احتفاءً بالدولة والنظام والرئيس، وهكذا
هي علاقتي بالتتر: يفتح لي باب الاحتمالات قبل أن يبدأ الفيلم في تقديم الإجابات.
يزداد اهتمامي بالتتر مع الأعمال
الكبيرة أو الاستثنائية، فتراني معها قد تحولت لرجل يتتبع الأثر. أتابع كل تفصيلة
فيه، وأتوقف عند أسماء بعينها، وأرسم خريطة في ذهني للعمل السينمائي. وأول من
يستوقفني دائماً هم المؤلفون وكتاب السيناريو والحوار. أشعر أنهم المادة الخام
التي يصنع منها المخرج بناءه السينمائي، فإذا كان المخرج في النهاية هو من فهم
البداية، وإذا كان المخرج هو المايسترو، فهم الآلاتية، منسيون أحياناً ومغبونون
حقهم أحياناً أخرى.
ثلاث شخصيات من عالم نجيب محفوظ الروائي تمثل الإسلاميين في مراحل زمنية مختلفة، تمتد من الأربعينيات إلى الخمسينيات ثم الستينيات، ورأيت كيف قدمهم محفوظ بقدر لا يخفى من الإنصاف والواقعية، بما يليق بكاتب مخضرم يدرك تعقيد الشخصية الإنسانية،
وفي ليلة من الليالي، وأنا أتتبع
تتر فيلم صلاح أبو سيف الشهير -"القاهرة 30"-، توقفت عند اسم
نجيب محفوظ
لكي أتحسس مسدسي! التتر
يذكر أن قصة الفيلم لنجيب محفوظ، لكنه لا يخبرك باسم القصة، ولا بما إذا كانت قد
كُتبت خصيصاً للفيلم أم أنها إحدى قصصه أو رواياته القديمة. هنا نادتني مقولة
فرانز كافكا الأثيرة: "علينا أن نحفر عميقاً بما فيه الكفاية؛ لأن الحقيقة لا
تهوى السطح".
بحثت عن الفيلم وقصة نجيب محفوظ
التي كتب السيناريو والحوار لها لطفي الخولي، وعلي الزرقاني، ووفية خيري، وصلاح
أبو سيف نفسه، فوجدت الفيلم مبنياً على
رواية "القاهرة الجديدة" لنجيب
محفوظ، التي صدرت في 1945، بينما الفيلم صدر في عام 1966.
وكعادتي، أدون أسماء بعض الروايات
لكي أعود إليها بعد ذلك، فدونت بالفعل اسم الرواية، وقبل أن أغلق دفتري، وقعت عيني
على مقال للناقد السينمائي الراحل سمير فريد، يكشف فيه أن صلاح أبو سيف حذف من
الرواية، حين حوّلها إلى فيلم "القاهرة 30"، شخصية بأكملها: شخصية مأمون
رضوان!
تحسست مسدسي مرة أخرى، ولنرتب
الأمور معاً: هناك رواية لنجيب محفوظ، تحولت، بعد محاولات متكررة مع الرقابة، إلى
فيلم سينمائي، حُذفت بالكامل منها شخصية رئيسية على يد المخرج صلاح أبو سيف، عند
تحويلها إلى فيلم صدر في العام 1966. تساءلت بيني وبين نفسي: ماذا عليك أن تفعل يا صاح؟ وجاوبتني
نفسي: فلنقرأ الرواية يا صاحبي. فعزمت بالفعل أن أقرأها، ووجدت أن الرواية قائمة
على ثلاث
شخصيات رئيسية:
أولها مأمون رضوان، وهي شخصية تمثل
الإسلاميين في النصف الأول من القرن العشرين، ولنقرأ معاً ما كتبه نجيب في وصفها:
"وكان الشاب ممن يحبون الكتب حباً بالغاً؛ فما إن وقعت عيناه
على معجم "لالاند" حتى لاحت على شفتيه ابتسامة خفيفة تشي بحبه وولعه،
بيد أنه لم يُضع وقتاً، فتوضأ وصلى العصر، ثم ارتدى "ملابس العطلة"
وغادر الحجرة إلى الطريق، ومضى يرسم جسمه الرشيق هيئة عسكرية جذابة في مسيره، وكان
ذا قوام ممشوق، نحيفاً في غير هزال، أبيض الوجه مشرباً بحمرة، أجمل ما فيه عينان
سوداوان نجلاوان، تلوح فيهما نظرة لامعة، تُذكي وقعاً شديداً، وضياءً وجمالاً
وذكاءً، وكان يتقدم في مسيره لا يلوي على شيء، ولعينيه هدف لا تحيدان عنه، كان
هدفه ذلك اليوم بيت خطيبته بمصر الجديدة. وكان مأمون يعالج أمور قلبه بنفس النزاهة
والاستقامة اللتين يعالج بهما جميع أمور حياته..
خطب الفتاة -وهي كريمة قريب له من ضباط الجيش
العظام- بعد مشورة أبيه، وتم الاتفاق على أن يعقد عليها عقب الانتهاء من دراسته،
وصار يتردد على بيتها كل خميس، فيُجالس الأسرة مجتمعة، ويمضي بضع ساعات في سمر
لذيذ، ولم يخطر له على بال قط أن يدعو فتاته إلى السينما، أو أن يدبّر حيلة
للانفراد بها؛ ذلك أنه كان من الكافرين بالبدع الحديثة -على حد تعبيره- الثائرين
عليها، فلقي سلوكه من أسرة الفتاة -أسرة حافظت على تمسكها بالتقاليد القديمة- كل إعجاب
وتقدير، بيد أن ذلك لم يمنع قلبه من الخفقان وهو آخذ في طريقه المعهود، فبلغ طريق
الجيزة بعد دقائق واستقل الترام.
وبدا في جلسته المعتادة، ونظرته الصافية،
وقامته العالية، شخصية غنية بعناصر الجمال والجلال؛ فلو أراد أن يكون عمر بن أبي
ربيعة لكان، ولكنه كان ذا عفة واستقامة وطهر لم يجتمع مثلها لشاب. كان ضميراً نقياً،
وسريرة صافية، كان قلباً مخلصاً ينشد الدين الحق والإيمان الراسخ والخُلُق القويم،
وقد نشأ في طنطا، وكان والده مدرساً بالمعاهد الدينية -رجل ذو دين وخُلُق- فشب في
بيئة أقرب إلى البداوة بساطةً وديناً وخلقاً وقوة، وعرض له في صباه عارض ترك في
حياته أثراً قوياً؛ ذلك أنه أُصيب بمرض أقعده عن اللحاق بالمدارس حتى الرابعة
عشرة، فذاق مرارة العزلة، وعرف الألم، وانصهر في تجربة قاسية، ولكنه استطاع أن
يدرس الدين على والده فتفقّه فيه غلاماً يافعاً.
ولما دخل المدرسة الابتدائية دخلها فتى مراهقاً،
وقلباً كبيراً، وروحاً حياً، وذكاءً وقّاداً. على أنه لم يخل من تعصب وحدة، بل
كانت تعتريه لحظات قسوة جنونية، تنضب فيها خصوبة نفسه، فينطلق كلسان من لهب يلقف
ما يلقاه، ويلتهم ما يتصدى له، فيضاعف العمل إن كان يعمل، أو يستغرق في العبادة إن
كان يعبد، أو يحتد في النقاش إن كان يناقش، أو تعلوه الكآبة والانقباض إن كان
يعتزل.
وفي تلك الحياة البسيطة لم يجد الفتى سبيلاً
إلى تحقيق ذاته إلا في العمل، فبزّ الأقران جميعاً، وكان في قدرته أن يتعبد ساعات
متتابعات لا يسكت لسانه عن ذكر الله، وكان يذاكر في الأيام الأخيرة من العام
الدراسي عشرين ساعة في اليوم، فكان أول الناجحين في البكالوريا، كما يُنتظر أن
يكون أولهم في الليسانس، فصار التفوق من أحلامه العليا كالإسلام والعروبة والفضيلة،
ولم يسمح لمخلوق أن يدانيه في تفوقه، ولكن لم ترسب للمنافسة في صدره أبخرة خبيثة،
بفضل قوته الخارقة، وثقته الكبيرة بنفسه، وإيمانه الراسخ بالله، فسما بإنسانيته
إلى أعلى المراتب؛ ولذلك لم يجعل من إيمانه سبيلاً إلى الزهد العاجز أو الفناء في
الغير، فكان يقول: إن الإيمان امتلاء بالقوة الربانية لتحقيق مُثل الله العليا على
الأرض. فكان شاباً عظيماً، وإن أخفق أن يكون محبوباً؛ لأن تفوقه مثار لحسد
الحاسدين، وسلوكه احتقار صامت لحياة الآخرين. ثم إنه لم ينج من ميل للوحدة تأصل في
طبعه منذ عهد مرضه العصبي الطويل، هذا إلى جهل بأصول اللباقة الاجتماعية، ونكران
لروح الفكاهة، وولع بالصراحة جعلت من حديثه أحياناً سوط عذاب. فسماه منتقدوه تارةً
بالجامعي الريفي، وتارةً بالمهدي غير المنتظر. وقال عنه طالب مرةً: "الأستاذ
مأمون رضوان إمام الإسلام في عصرنا هذا، وقديماً أدخل عمرو بن العاص الإسلام في
مصر بدهائه، وغدا يُخرجه منها مأمون رضوان بثقل دمه".
وظل الشاب على ولائه للتفوق وإن خافه ومقته
في أحيان كثيرة. أجل، كان يخاف ذلك الشعور بالتعالي والتفوق، ويستعيذ بالله من
شره، ولكنه عجز عن قهره؛ ولذلك لم يرمق عظيماً بعين الإعجاب الحق، وأعلن في صراحته
يوم افتتح الملك الجامعة استهانته برجال الدولة الذين حضروا الاحتفال؛ ولذلك أيضاً
جعل يهز منكبيه استهانةً كلما رأى الطلبة يتحمسون لمن يدعونهم بالزعماء، وكان ينكر
الأحزاب جميعاً، ويأبى الاعتراف بـ"القضية المصرية"، ويقول بحماسه
المعهود: إن هناك قضية واحدة هي قضية الإسلام عامةً، والعروبة خاصةً.
ومن عجب حقاً أنه لم يتأثر بموضة الإلحاد
التي كانت ذائعة بين طلبة الجامعة على عهده، وإنما رد ذلك إلى أنه التقى بها، في
الثالثة والعشرين، وقد آمن إيماناً راسخاً بثلاثة أشياء لم ينكرها بعد ذلك طول
حياته: الله، والفضيلة، وقضية الإسلام. فلم يزغ بصره حيال نور الجامعة الجديد،
ولبثت صخرة إيمانه القائمة تتكسر عليها أمواج السيكولوجي والسسيولوجي
والميتافيزيقا. تحدى بإيمانه العلم والفلسفة جميعاً، وجعلهما من ذرائعه ومقوماته،
وسره أيما سرور أن يجد أعلام الفلاسفة في ظل الله دائماً؛ أفلاطون وديكارت وبسكال
وبرجسون. كما رحب قلبه المخلص بالوفاق الذي بشر به القرن العشرون بين العلم والدين
والفلسفة؛ فاليوم تنحل المادة إلى شحنات كهربية أشبه بالروح منها بالمادة، واليوم
تسترد الروحية عرشها المسلوب، واليوم يُشغل العلماء بالتفكير الديني، ويرد رجال
الدين شرائع العلم والفلسفة؛ فطوبى للشاب الفيلسوف المؤمن!
غير أن شاب الجيزة تغير عما كان عليه فتى في
طنطا المصاب، صار أوسع صدراً وأرحب فهماً، أمكنه أن يصغي إلى مجون محجوب عبد
الدائم مبتسماً، وأن يناقش علي طه في قيمة الدين والإلحاد، وأن يتلقى صابراً سهام
الناقدين والساخرين، إلا إذا احتد واتقدت عيناه وعرته تلك اللحظة الرهيبة؛ فهناك
يرتد عنه البصر وهو حسير! وكان الشاب يجد بين زملائه مؤمنين صادقين، فلم يشعر في
إيمانه بعزلة، ولكنه لم يظفر بواحد يشاركه حماسه في الدعوة إلى الإسلام والعروبة" (انتهى وصف نجيب
محفوظ لمأمون رضوان).
ولنا أن نرى بوضوح كيف صوّر نجيب
محفوظ ممثل التيار الإسلامي، مقدّماً إياه بقدر من التعقيد الإنساني؛ له ما له
وعليه ما عليه. فهو شخص من لحم ودم، يحمل تقواه كما يحمل فجوره. وقد سلّط محفوظ
الضوء على إيجابياته؛ فهو متسق مع ما يؤمن به، وإيمانه بالنسبة إليه ليس زينة
اجتماعية أو مجرد مظهر، وإنما إطار كامل لفهم الحياة والمجتمع. إنه رجل لديه مبدأ،
وملتزم أخلاقياً، وصاحب تصور واضح للحياة. لكنه، في الوقت نفسه، لم يتردد في
السخرية من انغلاقه وثقل دمه، وفي انتقاده على شدته وولعه بالوحدة والانعزال، وفي
قسوته الحادة ولسانه الذي يقطر أحياناً عذاباً.
وهكذا يرسم لنا نجيب محفوظ،
بواقعية شديدة، تياراً أصيلاً في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية، ويقلب
أمامنا أوجه الشخصية التي تمثله. يعجب به وبقدراته، لكنه لا يعفيه من التعليق
والنقد والسخرية أحياناً؛ فلا يقدمه لنا في صورة قديس، ولا يحوّله إلى كاريكاتير. فتخرج من الرواية وأنت تكاد لا
تصدق: أحقاً كتب نجيب محفوظ هذا عن الإسلاميين؟ والأغرب من ذلك: لماذا لم يقرأ
الإسلاميون هذا؟
بالطبع، فإن التطرق إلى فيلم "القاهرة
30" وعلاقته بالرواية يظل أمراً في غاية الأهمية، لكنه ليس موضوع أطروحتي
الآن. ومع ذلك، يبقى من حقنا أن نعلّق في الأجواء سؤالاً نقدياً مهماً: لماذا حذف
صلاح أبو سيف شخصية مأمون رضوان بالكلية من فيلمه؟
وإذا كان من حق المخرج أن يتعامل
مع النص الأدبي بحرية، وأن يحذف شخصية أو يضيف أخرى أو يعيد تشكيل بنية الرواية
وفق رؤيته الفنية، وهو أمر مشروع في كثير من تجارب الاقتباس السينمائي، أفليس من
حقنا، في المقابل، أن نسأل: لماذا اختار أن يفعل ذلك هنا تحديداً؟ وما الذي يعنيه
هذا الحذف؟ وما خلفياته ودوافعه؟ وهل كان مجرد اختيار فني تفرضه طبيعة السينما، أم
أن وراءه تصوراً ما للشخصية ولما تمثله داخل الرواية؟
فحذف شخصية مأمون رضوان لا يبدو
تفصيلاً عابراً؛ فالشخصية ليست مجرد فرد من أفراد الرواية، وإنما تمثل رؤية فكرية
واجتماعية وسياسية كاملة تسري بأصالة في المجتمع المصري. ومن ثم فإن غيابها عن
الفيلم يفتح سؤالاً يتجاوز حدود الاقتباس الفني نفسه: ماذا يحدث عندما تنتقل رواية
نجيب محفوظ، بكل تعدد أصواتها وتعقيد شخصياتها، إلى شاشة يختار مخرجها أيّ هذه
الأصوات يستبقي وأيّها يسقط؟ وإذا كان المخرج حراً في اختياراته، فلنا الحرية في
قراءة هذه الاختيارات.
من مأمون رضوان إلى عبد الوهاب إسماعيل في "المرايا"
أعتبر رواية "المرايا"،
الصادرة عام 1972، واحدة من أكثر روايات نجيب محفوظ إبداعاً، على الرغم من أنها لم
تنل من الشهرة ما نالته أعمال أخرى للكاتب. فقد قدم فيها محفوظ قالباً روائياً
مغايراً للسرد التقليدي والحبكة المتسلسلة، فاختار أن يرسم بورتريهات لأكثر من
خمسين شخصية، تتجاور من خلالها صورة مصر بكل تنوعاتها الاجتماعية والسياسية
والفكرية، وبكل أطيافها الأيديولوجية وتحولاتها الممتدة من ثورة 1919 إلى نكسة
1967.
وبعض هذه الشخصيات حقيقية عرفها
نجيب محفوظ عن قرب، وبعضها الآخر شخصيات عامة ذائعة الصيت في الأوساط الثقافية
والسياسية. غير أن محفوظ، وفنياً، لا يصرح دائماً بهوية الشخصيات التي يستلهمها من
الواقع، وإنما يلمّح إليها، ويخفيها خلف قناع روائي يتيح له قدراً من الحرية في
إعادة تشكيل الشخصية، والنقد، والتلاعب بأبعادها المختلفة.
ومن هنا، ومع قدر كبير من الحيطة
الفنية والأدبية، يمكن القول إن عبد الوهاب إسماعيل يمثل، بدرجة كبيرة، الصورة
الروائية التي قدم بها محفوظ شخصية سيد قطب.
يقدّم محفوظ عبد الوهاب إسماعيل في
البداية باعتباره رجلاً مثقفاً، هادئاً، مهذباً، واثقاً من نفسه، له اهتمام بالأدب
والنقد والشعر، وتبدو ملامحه وسلوكه أقرب إلى صورة المثقف العصري. ومن أبرز سماته
حدة الذكاء، وقوة المنطق، والقدرة على الجدل والإقناع. وهو، رغم محدودية معرفته
باللغات الأجنبية مقارنة ببعض أصدقائه، لا يبدو أقل منهم ثقافة أو قدرة على
الحوار، بل يمنحه محفوظ عقلاً نقدياً حاداً واطلاعاً واسعاً، مع هدوء وأدب وضبط
للنفس، فلا ينفعل بسهولة في النقاش.
لكن محفوظ لا يكتفي بهذه الصورة
الظاهرة؛ إذ يكشف تدريجياً عن طبقة أخرى في شخصية عبد الوهاب، تتمثل في تأثره
العميق بالدين وإيمانه به، ثم في نزوعه المتزايد إلى التشدد والتعصب. كما يبرز في
شخصيته جانب أخلاقي واضح؛ فهو معروف بالاستقامة، وجدية السلوك، وحرص صادق على
محاربة ما يراه انحرافاً أخلاقياً وفكرياً.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الشخصية؛
فمحفوظ لا يقدم لنا منذ البداية نموذجاً للكاتب الإسلامي المتشدد، ولا يرسمه في
صورة المتعالم السيكوباتي، وإنما يبدأ من شخصية مثقفة، ذكية، قادرة على الحوار
والجدل، ثم يتابع تحولها الفكري والأيديولوجي، حتى تصبح العقيدة بالنسبة إليها
إطاراً شاملاً لرؤية المجتمع والسياسة والحياة، حتى تصل بنا مرآة محفوظ إلى
انتهازية عبد الوهاب إسماعيل والتشكك في صدقه وأمانته، وصولاً إلى النفور الدائم
منه، مع رصد لتحولاته الفكرية وانتمائه للإخوان، وموقفه المتحفظ من دور المرأة، ثم
صدامه مع الدولة، إلى أن تنتهي حياته مقتولاً في اشتباك مع القوة التي كُلّفت
باعتقاله!
بالطبع، قد نختلف مع محفوظ في بعض
أحكامه عن سيد قطب، بل قد نرفض بعضها بشدة، لكن، في المحصلة، يبدو أن محفوظ منح
الرجل قدراً من الإنصاف ربما لا نجده في بعض القراءات المعاصرة، كقراءة المداخلة
والجامية للمنتج القطبي، بل دافع عنه وعن أصالته الفكرية أكثر بكثير من إسلاميين
معاصرين يرون في سيد مفتاحاً للتكفير ورمزاً للخوارج!
عبد المنعم شوكت والإجابة الإسلامية
إذا كان السيد أحمد عبد الجواد
يمثل جيل "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، و"دَعِ الخلق للخالق"،
وكان كمال، ابنه، رمزاً للحيرة والتيه والسؤال الذي لا يجد إجابة، فإن عبد المنعم
شوكت، الحفيد، يبدو كأنه يمثل الإجابة؛ والإجابة الإسلامية تحديداً.
يرسم نجيب محفوظ شخصية عبد المنعم
شوكت في "السكرية- 1957" بوصفه شاباً ينخرط في جماعة الإخوان المسلمين، ويتحول إلى
داعية لأفكارها. فهو ليس شخصية هامشية، ولا مجرد متدين تقليدي يمارس شعائره وينصرف
إلى حياته الخاصة؛ بل هو صاحب رؤية فكرية ومشروع سياسي، يؤمن بأن الإسلام قادر على
تقديم حل شامل لمشكلات المجتمع. ومن هنا لا يفصل في تصوره بين الدين والسياسة، ولا
يرى الإسلام شأناً روحياً أو أخلاقياً فحسب، وإنما يراه نظاماً للحياة والمجتمع
والحكم.
وهو، بطبيعة الحال، محافظ اجتماعياً،
وتنعكس أفكاره الدينية على نظرته إلى الحب والمرأة والعلاقات الاجتماعية، لكنه
يتميز، في الوقت نفسه، بوضوح فكري وإيمان قوي بما يعتنقه. إنه شخصية ذات وجه واحد
في علاقاتها، صريحة ومباشرة، لا تتعامل مع أفكارها بوصفها وسيلة لتحقيق منفعة
شخصية، بل تحاول أن تجعل حياتها الخاصة متسقة مع مبادئها المعلنة. وفي هذا يختلف
عن شخصيات أكثر مراوغة أو انتهازية، إذ يبدو عبد المنعم أقرب إلى نموذج الإنسان
الذي يعيش وفق مبدأ يؤمن به، بصرف النظر عن حسابات المنفعة والمكسب.
ولكي يحدد محفوظ ملامح هذه الشخصية
بصورة أوضح، يضعها في مواجهة أخيه التوأم أحمد شوكت، الذي يمثل الإجابة
الأيديولوجية الأخرى: الإجابة الشيوعية. فالأخوان ينتميان إلى الجيل نفسه، وكلاهما
شاب مثقف، وكلاهما يحمل قضية يؤمن بها، وكلاهما ينتمي إلى تنظيم يسعى إلى تغيير
المجتمع، وكلاهما يصطدم بالسلطة ويدفع ثمن موقفه بالسجن. لكنهما، رغم هذا التشابه،
يقفان على طرفي نقيض فكري: عبد المنعم يرى في الإسلام إطاراً شاملاً لإصلاح
المجتمع، بينما يرى أحمد في الماركسية والشيوعية طريقاً للخلاص الاجتماعي.
وفي الخاتمة
أن أكشف صورة الإسلاميين في متنه الروائي، وأن أبين رؤيته المركبة لهذه الشخصيات، تلك الرؤية التي قد تخفى عن كثيرين في خضم نظرتهم السلبية لشخص الروائي أو لاعتبارات تتصل بعدم الاهتمام بالفن الروائي أصلاً
قدمتُ ثلاث شخصيات من عالم نجيب
محفوظ الروائي تمثل الإسلاميين في مراحل زمنية مختلفة، تمتد من الأربعينيات إلى
الخمسينيات ثم الستينيات، ورأيت كيف قدمهم محفوظ بقدر لا يخفى من الإنصاف
والواقعية، بما يليق بكاتب مخضرم يدرك تعقيد الشخصية الإنسانية، ولا يريد أن يتجاوز
الواقع إرضاءً لانحياز أيديولوجي، أو تزلفاً لسلطة تخوض معاركها الممتدة معهم؛ على
النحو الذي فعله آخرون، حين شرعوا في الكذب والاختلاق والتدليس.
وما كان لنجيب محفوظ، وهو الكاتب
العالمي الذي خبر الإنسان وتعقيداته، أن يقع في مثل هذه الخفة والرعونة الروائية؛
فحتى حين اختلف مع الإسلاميين، ظل قادراً على أن يراهم بوصفهم بشراً، لا مجرد صورة
أيديولوجية جاهزة.
والانحياز، في حد ذاته، ليس
بالضرورة ضعفاً فنياً؛ إذ يستطيع الكاتب أن ينحاز إلى فكرة أو موقف دون أن يفقد
قدرته على بناء شخصيات حقيقية ومقنعة. لكنه يصبح ضعفاً حين يحول هذا الانحياز دون
رؤية الخصم في إنسانيته، أو يمنع الكاتب من بناء شخصيات وأفكار متعارضة بعمق، بحيث
لا تعود الرواية مجالاً لاختبار الأفكار، وإنما تتحول إلى مجرد محكمة تصدر أحكامها
مسبقاً.
وأريد هنا أن أؤكد أن ما كتبته لم
يكن دفاعاً عن محفوظ، ولا تبريراً لمواقفه، ولا محاولة لتبييض صفحته من بعض
الخطايا التي وقع فيها، وإنما كان المقصود شيئاً أكثر تحديداً: أن أكشف صورة
الإسلاميين في متنه الروائي، وأن أبين رؤيته المركبة لهذه الشخصيات، تلك الرؤية
التي قد تخفى عن كثيرين في خضم نظرتهم السلبية لشخص الروائي أو لاعتبارات تتصل
بعدم الاهتمام بالفن الروائي أصلاً.
ولست متأكداً تماماً من أن عموم
الإسلاميين يعرفون كيف نظر إليهم محفوظ، أو كيف صورهم في عوالمه الروائية وبهذا
القدر المذهل من الإتقان والإدراك. لكن، على أي حال، قد تكون هذه محاولة للدعوة
إلى إعادة قراءة محفوظ من زاوية مختلفة؛ قراءة لا تكتفي بما استقر من أحكام حوله،
وإنما تبحث في المساحات التي ربما لم تحظَ بالقدر الكافي من النظر، وترى ما لم
يُرَ بعد من أبعاد عالمه الروائي، والتي لم ولن تظهر في تتر أفلامه!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.