بعد سنوات من الحرب
والتصعيد على أكثر من جبهة، تواجه الرؤية الأمنية لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو انتقادات متزايدة داخل الأوساط الغربية، وسط تساؤلات بشأن مدى نجاح الاستراتيجية
التي اعتمدت بصورة أساسية على القوة العسكرية لتحقيق الأمن وإضعاف خصوم إسرائيل.
وأكدت صحيفة
"
فايننشال تايمز"، في مقال للكاتب جدعون رتشمان، أن الاستراتيجية الكبرى
التي تبناها نتنياهو تبدو اليوم في حالة تعثر، بعدما راهن لسنوات على الحسم العسكري
باعتباره الطريق الرئيسي لضمان أمن إسرائيل ومواجهة خصومها في المنطقة.
وأشار الكاتب إلى أن
المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران مثلت بالنسبة لنتنياهو تتويجًا لمسار سياسي
وأمني استمر لعقود، إذ ظل يحذر من أن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل. وعندما
شُنت العملية العسكرية الواسعة ضد طهران في 28 شباط / فبراير، اعتبرها نتنياهو خطوة
مفصلية من شأنها إنهاء الخطر الإيراني، بل إنه نجح، بحسب المقال، في إقناع الرئيس الأمريكي
دونالد
ترامب بأن الحرب قد تؤدي إلى تغيير النظام الإيراني.
لكن رتشمان يرى أن
النتائج جاءت مغايرة لما كان يطمح إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي، إذ لا يزال النظام
الإيراني قائمًا، كما أظهر قدرته على تنفيذ هجمات صاروخية ضد إسرائيل. وفي الوقت نفسه
واصل حزب الله، المدعوم من إيران، إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل وخوض مواجهات
مع القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
وأضافت الصحيفة أن
التحالف الوثيق بين نتنياهو وترامب بات يواجه ضغوطًا متزايدة، خاصة بعد الهجمات الصاروخية
الإيرانية الأخيرة التي جاءت ردًا على ضربات إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت.
ورغم الرد الإسرائيلي اللاحق، فإن المؤشرات توحي بأن ترامب يسعى إلى منع أي تصعيد إضافي
في المنطقة.
ولفتت إلى أن الرئيس
الأمريكي عبّر بوضوح عن موقفه عندما قال للصحيفة: "أنا صاحب القرار، وليس هو"،
في إشارة إلى نتنياهو، ما وضع الأخير أمام معضلة صعبة تتمثل بين التراجع عن توجيه ضربات
إضافية لإيران وحزب الله وما قد يرافق ذلك من اتهامات بالضعف داخليًا، أو المضي في
التصعيد بما قد يهدد علاقته الاستراتيجية مع واشنطن.
وأكد رتشمان أن الخطاب
الإسرائيلي الذي يتحدث عن الاستقلال الكامل في اتخاذ القرارات الأمنية يصطدم بواقع
مختلف، إذ ما تزال إسرائيل تعتمد بصورة كبيرة على الدعم العسكري الأمريكي، سواء في
مجال التسليح أو منظومات الدفاع الجوي.
وأشار إلى أن الأزمة
تزداد تعقيدًا مع وجود مؤشرات على اتفاق سلام يعمل عليه ترامب قد يسمح لإيران بالاحتفاظ
بقدرات نووية معينة، إضافة إلى استفادتها اقتصاديًا. كما أن نجاح طهران في استخدام
ورقة مضيق هرمز منحها، بحسب المقال، أداة ضغط جديدة ومؤثرة.
وأضاف أن قدرة إيران
على استهداف قواعد أمريكية ومنشآت حيوية في دول الخليج دون أن يؤدي ذلك إلى إسقاط نظامها
عززت من مستوى الردع الذي تتمتع به، وأظهرت أنها ما تزال قادرة على التأثير في موازين
القوى الإقليمية.
وفي الملف اللبناني،
أوضح الكاتب أن نتنياهو يواصل التمسك بضرورة منح إسرائيل حرية كاملة في ملاحقة حزب
الله، الذي تسبب في نزوح آلاف الإسرائيليين من شمال البلاد. لكنه أشار في الوقت ذاته
إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية أدت إلى نزوح أكثر من مليون لبناني، فيما طلب
ترامب من نتنياهو، خلال اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي، تقليص الحملة العسكرية الإسرائيلية
في لبنان.
وترى "فايننشال
تايمز" أن الوضع في لبنان ليس سوى جزء من أزمة استراتيجية أوسع تواجهها إسرائيل
منذ اندلاع الحرب عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023.
وأشار المقال إلى أن
العمليات العسكرية الإسرائيلية في
غزة ألحقت أضرارًا كبيرة بصورة إسرائيل على الساحة
الدولية، في وقت وافقت فيه محكمة العدل الدولية على النظر في اتهامات تتعلق بارتكاب
إبادة جماعية.
ورغم ذلك، يواصل نتنياهو
الحديث عن تحقيق النصر، مستشهدًا بتصريحات أدلى بها أمام الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي،
قال فيها إن إسرائيل تمكنت من "سحق" الجزء الأكبر من قدرات حماس، وشل حزب
الله، وتدمير البرامج النووية والصاروخية الإيرانية.
إلا أن رتشمان أكد
أن هذه الرواية تواجه تحديات متزايدة مع استمرار حركة حماس في إدارة قطاع غزة، وبقاء
حزب الله لاعبًا رئيسيًا في لبنان، فضلاً عن استمرار النظام الإيراني وقدرته على استخدام
الصواريخ والطائرات المسيرة لإحداث تأثير عسكري كبير.
وأشار الكاتب إلى أن
الخطأ الذي تكرر في جميع هذه الملفات يتمثل في اعتماد نتنياهو على الحلول العسكرية
وحدها، مع تجاهل المسارات السياسية والدبلوماسية التي يمكن أن تسهم في معالجة جذور
الصراعات.
وأضاف أن النجاحات
التكتيكية التي حققتها الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، بما في ذلك اغتيال
قيادات من حماس وحزب الله وإيران، جرى تقديمها باعتبارها دليلًا على تحقيق الأمن، بينما
أظهرت التطورات اللاحقة أن هذه العمليات لم تؤد إلى إنهاء التهديدات بصورة نهائية.
وأكد أن الواقع يثبت
أن اغتيال القادة لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الصراعات، إذ سرعان ما تظهر قيادات جديدة
تحل محل من يتم استهدافهم، وهو ما يجعل تحقيق الأمن الدائم بالقوة العسكرية وحدها أمرًا
بالغ الصعوبة.
كما أشار إلى أن نتنياهو
فضّل تصوير خصوم إسرائيل باعتبارهم أطرافًا لا يمكن التعامل معها إلا بالقوة، بدلاً
من الانخراط في معالجة القضايا السياسية الأساسية التي تغذي النزاعات في المنطقة.
وأضاف أن هذا النهج
جعل قطاعات واسعة من الإسرائيليين تتجنب النظر إلى احتمال أن الفلسطينيين واللبنانيين
والإيرانيين قد يواصلون القتال بدلاً من الاستسلام، تمامًا كما حدث داخل إسرائيل بعد
هجمات السابع من أكتوبر.
وأوضح الكاتب أن نتنياهو
اعتاد اتهام الأصوات التي تطرح مثل هذه المقاربات بالتعاطف مع الإرهاب، الأمر الذي
أدى، بحسب وصفه، إلى إضعاف النقاش الداخلي بدلاً من قيادته.
وختمت "فايننشال
تايمز" بالإشارة إلى أن نتنياهو سعى من خلال الحرب الشاملة ضد خصوم إسرائيل إلى
ترميم صورته السياسية وضمان مستقبله في السلطة، وكان يعتبر أن المواجهة مع إيران ستكون
الإنجاز الأكبر في مسيرته السياسية.
لكن الصحيفة رأت أن
المشهد الحالي مختلف تمامًا، إذ تتجه إسرائيل نحو انتخابات جديدة في ظل استمرار خصومها
الإقليميين وقدرتهم على التأثير، بالتزامن مع تراجع الدعم الدولي لإسرائيل في عدد من
الدول الغربية وحتى داخل أوساط في الولايات المتحدة.
وأضافت أن نتائج الانتخابات
المقبلة لا تزال غير محسومة، إلا أن ملف الأمن سيظل القضية الأكثر تأثيرًا في خيارات
الناخبين، معتبرة أن الرؤية الأمنية التي طرحها نتنياهو تعرضت لاختبار قاسٍ خلال السنوات
الماضية، وأن نتائج هذا الاختبار قد تكون حاضرة بقوة في أي استحقاق انتخابي قادم.