قراءة إسرائيلية في جولة القتال الأخيرة مع إيران.. "إخفاق تكتيكي"

سلط خبير أمني إسرائيلي الضوء على الفشل الإستراتيجي الذي رافق تل أبيب في جولتها العسكرية الأخيرة مع إيران- جيتي
سلط خبير أمني إسرائيلي الضوء على الفشل الإستراتيجي الذي رافق تل أبيب في جولتها العسكرية الأخيرة مع إيران- جيتي
شارك الخبر
سلط خبير أمني إسرائيلي الضوء على الفشل الإستراتيجي الذي رافق تل أبيب في جولتها العسكرية الأخيرة القصيرة مع إيران، والتي يصعب العثور فيها على أي إنجاز إسرائيلي، حيث تكبدت "إسرائيل هزيمة إستراتيجية محرجة" وكانت الكلمة الأخير لإيران.

وأوضح المحلل العسكري والأمني رونين بيرغمان، في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، أن "الجولة التي بادر إليها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكان من المفترض أن تنتهي بتجدد القتال مع إيران، على الأقل من الجانب الإسرائيلي، استمرت 24 ساعة فقط وانتهت بصوت خافت"، مؤكدا أن "هذه الجولة كانت في الوقت نفسه هزيمة إستراتيجية محرجة، كما شكلت نموذجا مصغرا لطبيعة هذه الحرب الغريبة برمتها".

هزيمة حقيقية


وأضاف: "ربما تكون هذه هي الهزيمة الحقيقية؛ فليس فقط أن خطوة كان يفترض بها أن تضع قواعد جديدة انتهت بأن رسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حدود التحرك، كما أوضحت إيران ما الذي سيحدث إذا عادت إسرائيل إلى بيروت، وليس فقط أن الجولة لم تحقق حسما، بل إن المنظومة التي أوصلتنا إلى هذه النقطة ما زالت، حتى بعد ساعات من انقشاع الغبار، تصر على ترديد الخطاب ذاته. هي لا تتعلم، بل تسوّق".

ولفت بيرغمان، أن المنظومة الإسرائيلية التي أوجدت هذا الواقع "لا تبحث في أسباب الإخفاق، بل تنتج رسائل إعلامية جاهزة، وفي الوقت نفسه تطلب من الجميع تصديق أكثر العبارات عبثية في السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، وهي أن تكرار الخطوة نفسها مرة بعد أخرى سيؤدي في النهاية إلى نتيجة مختلفة، أما الساعات الـ24 الأخيرة فتقول العكس تماما؛ فهي تشير إلى أنه لا حاجة أحيانا إلى لجنة تحقيق لفهم ما حدث؛ يكفي النظر إلى من بادر بالهجوم، ومن رد، ومن أوقف التصعيد، ومن اضطر في النهاية إلى الظهور أمام الكاميرات دون أن ينطق بكلمة "انتصار".

اظهار أخبار متعلقة



ورأى أن "الوصف الحقيقي للتسلسل الزمني للأحداث خلال هذه الجولة يظهر الفشل والإحراج الإسرائيلي أكثر من أي شيء آخر"، منوها أن "الضربة الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت لم تقع في فراغ، لقد نفذت بعد أن أصبح واضحا أن أي ضربة إسرائيلية في الساحة اللبنانية قد تستدعي ردا إيرانيا مباشرا، ولذلك كان على إسرائيل، عند اتخاذ قرار تنفيذ هذه الخطوة، أن تأخذ في الحسبان احتمال أن ترى إيران نفسها ملزمة بالرد".

وقال: "معنى ذلك؛ أن الهجوم على الضاحية لم يكن مجرد عملية موضعية ضد لبنان أو حزب الله، بل خطوة أدت بالفعل إلى إعادة الربط بين الساحة اللبنانية والإيرانية، وبدلاً من مواصلة سياسة فصل الساحات، خلقت إسرائيل عمليا وضعا أوجدت فيه "وحدة الساحات" بمبادرة منها".

حرب شاملة


وذكر المحلل العسكري، أن "واشنطن لم ترغب بفتح جبهة جديدة مع طهران، ولم ترد لإسرائيل بفتح مثل هذه الجبهة،  وحتى أن كانت على علم ببعض التحركات الإسرائيلية، فيبدو أنها لم تدرك بالكامل الديناميكية التي قد تشعلها العملية، أو أنها لم تحصل على صورة كاملة عن تداعياتها المحتملة، وفي الواقع، نشأت فجوة حادة بين التصور الإسرائيلي للعملية وبين الموقف الأمريكي، وتصرفت إسرائيل بطريقة أدت إلى رد إيراني وردت تل أبيب داخل إيران، وعند هذه النقطة اتضح أن واشنطن غير معنية بالسماح للأحداث بالتدحرج نحو حرب أوسع".

ونوه أن "الرد الإيراني كان محدودا نسبيا وبقي ضمن معادلة محسوبة، ومن خلال ذلك بعثت برسالة واضحة مفادها أن أي استهداف للضاحية سيواجه برد من الساحة الإيرانية أيضا، وليس عبر الوكلاء والحلفاء"، موضحا أن "إطلاق الصواريخ لم يكن يهدف بالضرورة إلى إشعال حرب شاملة، بل إلى تثبيت معادلة ردع جديدة، ومن وجهة نظر إيران، فمجرد قدرتها على الرد المباشر، واختيار حجم الرد وتوقيته وأهدافه، كان مهما بقدر أهمية الأضرار المادية التي أُلحقت، لقد أرادت طهران إنهاء الجولة وهي صاحبة الكلمة الأخيرة، ونجحت إلى حد كبير في ذلك".

وأشار إلى أن "أهداف القصف الإسرائيلي المختارة داخل إيران، كانت محدودة نسبيا؛ رادارات وأهداف عسكرية ذات أهمية منخفضة نسبيا، إلى جانب هجوم ذي طابع رمزي على مصنعين، ويمكن فهم هذه الخطوة على أنها محاولة إسرائيلية للرد دون الإعلان فعليا عن بدء حرب شاملة، ومن المحتمل أن نتنياهو رأى في هذه الضربات ردا ضروريا لا يتجاوز عتبة الحرب الكاملة، لكن من وجهة نظر الأمريكيين، فإن مجرد مهاجمة إيران بعد إطلاق الصواريخ كان بالفعل جزءا من ديناميكية تصعيد خطيرة".

اظهار أخبار متعلقة



وبين بيرغمان، أن تصريح نتنياهو المقتضب أمس الذي قال فيه: "بعد أن هاجمت إيران إسرائيل، وجهت الجيش الإسرائيلي لضرب أهداف عسكرية واقتصادية في أنحاء إيران، حاليا تم إخماد النار في هذه الجبهة"، أظهر أن "مسألة التوقيت والحصول على "الكلمة الأخيرة" مهمة بالنسبة لنتنياهو، لكن الوقائع لا تدعمه، فالضربات الإسرائيلية انتهت في ساعات الصباح الباكر، بينما واصلت إيران إطلاق الصواريخ بعد ذلك، وبذلك كانت إيران هي التي حددت نهاية الجولة".

فيتو أمريكي


وتابع: "هذه نقطة مهمة؛ إسرائيل لم تكن الطرف الذي أغلق الحدث، بل إيران التي قررت متى تتوقف، وكم تطلق من الصواريخ، وأين توجهها، ومن الناحيتين النفسية والاستراتيجية، تعد هذه النتيجة إشكالية للغاية بالنسبة لإسرائيل، لأنها تسمح لإيران بتقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي رد ولم يرتدع وأنهى الجولة وفق شروطه، لقد قالوا الكلمة الأخيرة وليس تل أبيب، لقد توقفوا بعد تفاهم مع ترامب بشأن وقف إطلاق النار، وهو أمر فرض على إسرائيل خلافا لرغبتها".

في الوقت نفسه، "كانت إسرائيل تستعد لهجوم أكثر أهمية بكثير، ولم يكن المقصود عملية محدودة، بل خطوة واسعة النطاق كان من شأنها أن تفتح الباب أمام حرب كبيرة، وبلغت الاستعدادات مراحل متقدمة، والخطط موضوعة على طاولة نتنياهو بانتظار المصادقة النهائية، وكان الطيارون في طريقهم إلى قمرة القيادة، وبعضهم داخلها بالفعل، وعند تلك اللحظة، بينما كان نتنياهو منحنيا فوق الخرائط، سلمه أحدهم الهاتف لإجراء مكالمة لم يكن بوسعه رفضها، لقد تدخل ترامب وأوقف العملية، وكانت الرسالة الأمريكية لإسرائيل واضحة: لا تواصلوا، لا تصعّدوا، وأعيدوا الأمور إلى الوراء".

ولفت الخبير الأمني، أن "معنى ذلك؛ أن إسرائيل بعد أن دفعت نفسها لنقطة تصعيد خطيرة، اضطرت إلى التوقف ليس نتيجة قرار مستقل منها، بل بسبب فيتو أمريكي، وهذه النتيجة كشفت مرة أخرى عمق اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة، فالقيادة السياسية الإسرائيلية أمرت الجيش بالاستعداد لعملية كبيرة، وعمل مخططو سلاح الجو والاستخبارات طوال الليل لإعداد خطة واسعة النطاق تشمل أهدافاً بنيوية وبنى تحتية، وبعد ليلة بلا نوم، تلقى قادة الجيش من المستوى السياسي أمرا معاكسا تماما".

وبين أن "قادة الجيش الإسرائيلي، اكتشفوا أن المستوى السياسي الذي يصدر لهم الأوامر يجلس في البيت الأبيض، ومن وجهة نظر هيئة الأركان، هذه معضلة صعبة للغاية؛ المستوى السياسي المحلي يدفع نحو التصعيد، لكن المستوى السياسي الحقيقي الذي يحدد حدود الحركة هو المستوى الأمريكي، وبهذا المعنى، أظهر الحدث للجميع - لإيران والولايات المتحدة وإسرائيل والعالم - حدود الاستقلالية الإسرائيلية عندما يتعلق الأمر بحرب واسعة ضد إيران".

فشل مزدوج


ومن وجهة نظر إيران، فإن "الدرس الأساسي الواضح؛ أن واشنطن لا تريد حربا، وتل أبيب لا تستطيع خوضها بمفردها خلافا لإرادة أمريكية صريحة، وإذا كان هذا هو الفهم الإيراني، فقد نشأت هنا معادلة إستراتيجية جديدة وخطيرة بالنسبة لإسرائيل"، بحسب بيرغمان الذي نوه أن "الضاحية الجنوبية التي اعترفت الولايات المتحدة سابقا بشرعيتها كهدف عسكري، تحصل الآن على نوع من الحماية غير المباشرة، إذا كان استهدافها سيؤدي لرد إيراني ومن ثم تدخل أمريكي لكبح إسرائيل، فإن الساحة اللبنانية تكون قد تغيرت، هي لم تعد ساحة منفصلة، بل أصبحت جزءا من معادلة إيرانية أوسع".

وذكر أن "حسابات نتنياهو ربما كان تقوم على خلق ديناميكية تصعيد تجبر الأمريكيين على الانخراط في المواجهة، وتمكن إسرائيل من استكمال ما لم يُستكمل في الجولة السابقة مع إيران، ربما افترض أن عدة أيام من القتال المكثف، حتى لو بدأت إسرائيل بها وحدها، ستؤدي في النهاية إلى جر واشنطن إلى المعركة، لكن هذا السيناريو لم يتحقق، بل حدث العكس تماما؛ ترامب لم ينجرف إلى الداخل بل أوقف إسرائيل، وبدلا من حرب تكمل المسار الإسرائيلي ضد إيران، نشأ وضع معاكس؛ إسرائيل جرى كبحها، وإيران أطلقت النار أخيرا".

ونبه الخبير العسكري، أن "الحدث يكتسب دلالة أخطر على خلفية احتمال تقدم الأمريكيين نحو اتفاق مع إيران، فإذا كان ترامب يتجه بالفعل إلى توقيع اتفاق مع إيران، فهذه خطوة لا ترغب فيها إسرائيل، وبالتأكيد لا تعتبره إنجازا استراتيجيا"، مضيفا: "هكذا تتشكل صورة مزدوجة للفشل؛ إسرائيل لم تنجح في تجديد الحرب، ولم تنجح في جر الولايات المتحدة إلى مواجهة أوسع، وأعادت الربط بين لبنان وإيران، وسمحت للإيرانيين بأن تكون لهم الكلمة الأخيرة، وقد تجد نفسها في نهاية المطاف أمام اتفاق أمريكي–إيراني تعارضه".

وخلص إلى أنه "من الصعب الإشارة إلى إنجاز إسرائيلي واضح، الأمر لا يتعلق فقط بإخفاق تكتيكي، بل بإحراج استراتيجي، ففي ألق من 24 ساعة، انكشفت حدود القوة الإسرائيلية، وعمق اعتمادها على الولايات المتحدة، وقدرة إيران على صياغة معادلة إقليمية جديدة، والفجوة بين الرغبة الإسرائيلية في التصعيد وعدم استعداد الأمريكيين للسماح بحرب واسعة".

وبين أن "أحد أهم مصادر القوة الإسرائيلية هو صورة التنسيق الوثيق مع واشنطن والقدرة على التأثير في السياسة الأمريكية، لكن هذا الحدث ألحق ضررا بهذه الصورة، فالعالم رأى خطوة إسرائيلية أوقفها الرئيس الأمريكي"، منوها أن "الصورة الاستراتيجية تبدو واضحة بالفعل؛ إسرائيل حاولت توسيع المواجهة، لكن واشنطن أوقفتها، ومن منظور أعداء إسرائيل، هذه صورة ذات قيمة كبيرة؛ لأنها تظهر متى تتوقف إسرائيل، ومن الذي يوقفها، وما هي حدود قوتها".

التعليقات (0)

خبر عاجل