لطالما عُرف وزير الأمن القومي "
الإسرائيلي" إيتمار
بن غفير (50 عاماً)، بإثارته للجدل طوال مسيرته في الحكومة، بل حتى قبل ذلك بعقود، حيث تعود جذور خطابه العنصري إلى الأيديولوجية التي كان يسوقها الحاخام مئير كهانا، والتي تدعو إلى طرد كل العرب خارج دولة
الاحتلال، وفقا لـ"
بي بي سي".
المولد والنشأة
ولد بن غفير في القدس المحتلة في السادس من أيار/مايو عام 1976 لأبوين من أصول عراقية، والدته من كردستان العراق، وكانت ناشطة في حركة صهيونية تأسست عام 1931 وعُرفت بـ"التنظيم العسكري" (إيتسل)، وشاركت في عمليات عدائية ضد الفلسطينيين.
أما زوجة بن غفير، ف هي أيالا نمرودي، ويقول عنها "إنها الفرع الأرثوذكسي للعشيرة"، ولهما 5 أطفال، وتسكن أسرته مستوطنة "كريات أربع" المقامة على أراضي الخليل، بجنوبي الضفة الغربية، بحسب صفحته على موقع الكنيست "البرلمان الإسرائيلي".
يتباهى بكثرة التهم ضده
في شبابه، وُجّهت إليه أكثر من 50 لائحة اتهام بالتحريض على العنف أو خطاب الكراهية، وهو يتباهى بأنه بُرِّئ من 46 اتهاماً منها، قائلاً: "لدي رقم قياسي وطني في أحكام البراءة، حيث تم إسقاط جميع التهم الموجهة ضدي في نهاية المطاف".
لم يُسجن بن غفير فعليلا كمعتقل أمني لفترات طويلة، ولكنه احتُجز وأُدين في قضايا جنائية متعددة في شبابه، وخلال مسيرته صدرت بحقه 13 إدانة جنائية شملت تهماً مثل الإخلال بالنظام العام، وأعمال شغب، والتحريض على العنصرية، ودعم منظمة إرهابية وهي حركة "كاخ" المحظورة.
عار يلاحق بن غفير
اقتحم إيتمار بن غفير عالم السياسة لدى دولة الاحتلال وعمره لم يتجاوز 19 عاماً، يرأس حزب "القوة اليهودية"، وأصبح نائباً في الكنيست في نيسان/أبريل 2021، بعد سنوات طويلة من النشاط في أوساط اليمين المتطرف.
بعد إتمامه الثانوية، انضم لمدرسة "الفكر اليهودية"، وانضم بعد ذلك إلى صفوف جيش الاحتلال قبل إعفائه من الخدمة الإلزامية فيه بعد عامين من التحاقه بسبب مواقفه اليمينية المتشددة، وعلق بن غفير على ذلك في تصريح لصحيفة عبرية قائلاً "لقد خسرني الجيش الإسرائيلي".
قالت صحيفة "هآرتس" العبرية في نيسان/أبريل 2018 "طوّر بن غفير سمعة كافية باعتباره محرضاً مراهقاً، ليتم حرمانه من الخدمة في الجيش، وهي شارة العار التي يرتديها حتى يومنا هذا".
الصعود عبر نشر خطاب الكراهية
ينتمي إيتمار بن غفير إلى أقصى اليمين المتطرف، ورغم أنه كان منبوذاً إلى حدّ بعيد، بات اليوم شخصية لا يمكن تجاوزها في السياسة الإسرائيلية بعد توليه منصب وزيرٍ للأمن القومي، لا سيما في تعاطيه مع كل ما يمتّ بصلة للشؤون الفلسطينية، وفقاً لـ"
وكالة الصحافة الفرنسية".
عام 1995، في أعقاب توقيع اتفاقيات أوسلو بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية، قام بانتزاع شعار سيارة رئيس الحكومة آنذاك إسحاق رابين أمام الكاميرات قائلاً: "لقد تمكنا من تصوير رمز السيارة التي تقل رابين وهذا يعني بأننا بإمكاننا الوصول إليه".
لم تمر أسابيع عديدة بعد هذا التصريح ليُقتل إسحاق رابين من قبل متطرف يهودي، ليتولى بنفسه حملة من أجل إطلاق سراح "إيغال عمير"، ووجّه القضاء لدى الاحتلال عشرات المرات لإيتمار بن غفير تهمة "نشر الكراهية".
مؤيد لقتل الفلسطينيين
برز بن غفير كمدافع عن عناصر اليمين المتشدد المتهمين بارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين، بما فيهم جماعة "لاهافا" اليمينية المتهمة بتنفيذ هجمات ضد فلسطينيين.
ووقف بن غفير يدافع أمام المحاكم، كمحامٍ، عن اثنين من المستوطنين تسببا في قتل ثلاثة من أفراد عائلة فلسطينية بعد شنّهما هجوماً على قرية دوما بالضفة الغربية، عبر إلقاء مواد حارقة على منزل عائلة دوابشة وهم نيام في تموز/يوليو 2015.
وأشارت "هآرتس" إلى أن بن غفير دافع أمام القضاء أيضاً عن المستوطن دانيال بينر، من مستوطنة "تبوح" شمالي الضفة الغربية، الذي تم احتجازه لرقصه بسلاح في مقطع زفاف مثير للجدل احتفالاً بالهجوم على عائلة دوابشة.
كما مثّل موكلاً آخر طعن يهودياً بعد أن ظن أنه عربي، ومستوطناً كان متهماً بإضرام النار في كنيسة، بالإضافة إلى مراهق يشتبه في مهاجمته الحاخام أريك أشرمان، من منظمة "حاخامات من أجل حقوق الإنسان" الرافضة للاحتلال في الضفة الغربية وغزة.
وقالت "هآرتس" إن بن غفير يدافع عن المتطرفين بدون مقابل، ونقلت عنه قوله: "إنني لا أفعل ذلك من أجل المال، في أفضل السيناريوهات أُغطي نفقات الوقود الخاصة بي. السبب في أنني أفعل ذلك هو أنني أؤمن حقاً أنني بحاجة لمساعدة هؤلاء الأشخاص".
ودافع بن غفير أيضاً عن "شبان التلال"، وهم مستوطنون متهمون بالاستيلاء على أراضٍ فلسطينية خاصة، والاعتداء على فلسطينيين، والذين وصفهم بأنهم: "ملح الأرض. هؤلاء الأطفال الذين يسكنون قمم تلال يهودا والسامرة (الضفة الغربية) هم أكبر الصهاينة الموجودين".
محامي المتطرفين
رفضت نقابة المحامين لدى دولة الاحتلال طلب بن غفير للانضمام إليها بعد دراسته للقانون، بسبب ما قيل "سجله الجنائي"، ولكن بعد احتجاجات قادها بنفسه، تم السماح له بالانتساب للنقابة.
ففي شهر كانون الثاني/يناير 2011، كتب موقع "واللا" الإخباري "رفضت اللجنة المركزية لنقابة المحامين الإسرائيلية طلباً من الناشط اليميني إيتمار بن غفير للحصول على إذن، للتخصص كمحام".
وأضاف: "تخرج بن غفير من كلية الحقوق قبل نحو ثلاث سنوات (2008 آنذاك)، ولكن بما أن لديه سجلاً جنائياً لتورطه في مظاهرات وأنشطة لليمين المتطرف، فإنه مطالب بالحصول على موافقة اللجنة، قبل أن يتمكن من التخصص (كمحامٍ)".
ولكن في شهر حزيران/يونيو 2012، قالت صحيفة "معاريف" العبرية "اجتاز الناشط اليميني المتطرف امتحانات نقابة المحامين بعد صراع طويل"، ومع حصوله على شهادة مزاولة المحاماة، برز بن غفير كمدافع عن عناصر اليمين المتشدد المتهمين بارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين.
ترى الصحافية رافيت هيخت من صحيفة "هآرتس" أن بن غفير "استكمل تحوله من بلطجي مهمش إلى مهندس للأيديولوجيا اليمينية"، بعدما نجح في دفع البرلمان إلى إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في نيسان/أبريل الماضي.
علّق صورة قاتل فلسطينيين في منزله
تبلور موقف بن غفير الأيديولوجي المتطرف من خلال انخراطه منذ صغره في حركة كاخ المتطرفة، التي أسسها الحاخام مائير كاهانا الذي اغتيل في نيويورك عام 1990، وهي حركة صُنفت رسمياً كمنظمة إرهابية، وحُظرت في الولايات المتحدة.
تبنّت الحركة أفكاراً متشددة ومعادية للفلسطينيين، وقد قَتل أحد مؤيديها، وهو الطبيب الأمريكي الإسرائيلي باروخ غولدشتاين، ما لا يقل عن 29 فلسطينياً في المسجد الإبراهيمي عام 1994، وعلّق بن غفير صورة غولدشتاين في منزله.
مهاجماً الأقصى وداعياً لطرد سكان غزة
يُعرف عن بن غفير تعمده اقتحام المسجد الأقصى في القدس المحتلة باستمرار، والذي تشهد باحاته بانتظام مواجهات بين شرطة الاحتلال والفلسطينيين، ومع كل زيارة له يردد شعارات عنصرية ويطلق تصريحات استفزازية ضد المسلمين.
بعد هجوم حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدأ بن غفير بتسليح مدنيين، ودعا إلى تهجير سكان غزة، وأعرب عن رغبته في إعادة إقامة المستوطنات في القطاع، ويرفض بشدة إدخال المساعدات الإنسانية إليه، الذي دمرته حرب استمرت عاماً.
بن غفير.. وجه "إسرائيل" الحقيقي
اعتاد بن غفير اللجوء إلى الاستعراض السياسي، فقد رفع زجاجة شمبانيا داخل الكنيست احتفالاً بإقرار قانون يجيز عقوبة الإعدام بحق فلسطينيين، وزُيّنت كعكة عيد ميلاده بحبل مشنقة، كما قام بزيارات استفزازية لمعتقلين فلسطينيين.
آخر تلك الاستعراضات كان الأربعاء، عندما نشر على منصة "إكس" مقطع فيديو يُظهر ناشطين من أسطول الصمود الذي كان متجهاً إلى غزة حاملاً مساعدات قبل أن تعترضه قوات الاحتلال، الاثنين، في عرض البحر، وهم محتجزون في سجون إسرائيل، مقيّدو الأيدي وجاثون على الأرض.
كيف عمّق بن غفير عزلة الاحتلال دولياً؟
بعد عاصفة الغضب الدولي إزاء مشاهد التنكيل بناشطي أسطول الصمود العالمي التي نشرها وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، برز داخل دولة الاحتلال انقسام واضح بين تنصل رسمي من تداعيات الحادثة ودعم يميني لها.
حيث دعا 29 نائباً في البرلمان الأوروبي إلى إدراج بن غفير ضمن "نظام عقوبات حقوق الإنسان العالمي"، بينما طلبت إيطاليا رسمياً من الاتحاد الأوروبي بحث فرض عقوبات عليه، على خلفية الانتهاكات بحق الناشطين.
وبحسب تحليلات تداولها الإعلام العبري، فقد أدى نشر فيديو بن غفير إلى ارتفاع حاد في الخطاب السلبي عالمياً تجاه دولة الاحتلال، بنسبة تجاوزت 400 بالمئة على منصات التواصل الاجتماعي، مع تسجيل نحو نصف مليون تفاعل أو إشارة ذات طابع سلبي مرتبطة بالحادثة.