يكتب القديدي:
تجاهل واشنطن للأوروبيين في هذه الصفقة ليس تفصيلًا بسيطا لأن الأوروبيين الذين أجبرتهم واشنطن ولنقل شجعتهم على الدخول في هذا الصراع هم المتأثرون مباشرة بالحرب بين روسيا وأوكرانيا.
يقول القديدي:
في الولايات المتحدة سجلنا تحولا كبيرا في مواقف الحزبين الديمقراطي والجمهوري ولدى اللجان المؤثرة في الكونغرس وأعضائها البارزين وسمعنا النائب (كريز مورفي) يتهم إسرائيل بممارسة الإبادة واستعمال التجويع سلاحا.
نحن أمام مذابح ترتكبها إسرائيل ضد أشقائنا الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين وربما قريبا الأردنيين والمصريين فنغضب ونشارك في النفير الكبير الذي دعت له المقاومة واستجابت له بقية الأمة الإسلامية!
الغريب أكثر من جنون (نتنياهو) هو ما صرح به الناطق باسم ترامب من أن تلك الضربات جاءت بالتشاور بين الحليفين الإسرائيلي والأمريكي وأن ترامب تحمس لها وشجع عليها! وكذلك المكالمة الهاتفية المطولة بين ترامب و بوتين يوم الأربعاء لتقرير مصير أوكرانيا بدون زيلنسكي وبدون أوروبا!
نعم لم تعد في الولايات المتحدة على الأقل حاجة للتعامل المتحضر المتأدب بين السفراء أو حتى بين رؤساء الدول كما وقع بين الرئيسين الأمريكي (ترامب) والأوكراني (زيلنسكي). المعروف عن الرجلين أمزجة وطبائع استثنائية تؤهلهما لما سمته الصحف الأمريكية (كلاش) بالإنجليزية ولعل ترجمتها بالعربية (تصادم) أو تبادل سباب واتهامات!
أخر مفاجأة في التحالف الجديد نعت (ترامب) للرئيس الأوكراني (زيلنسكي) بالمعتوه وغير الكفء والمغرر به مضيفا: "زيلنسكي يدعي كذبا أن الجيش الروسي غزا بلاده واحتل أجزاء منها وأنا أدعوه للاستقالة وإتاحة الفرصة للشعب الأوكراني ليختار حكامه بكل حرية بعد أن قرر وحده تأجيل موعد انتخابات رئاسية وتشريعية أوكرانية كانت مقررة لشهر مايو 2024!
عاد إلى ذاكرتي ووجداني كتاب الكواكبي هذه الأيام لأن هذا الرائد المصلح الكبير هو سوري ويعيش وطنه ومسقط رأسه (الشام) منعرجا أساسيا في تاريخه الحديث، حيث انهار طغيان المتوحش بشار وبزغت شمس إصلاح عميق على أيدي القائد المؤقت أحمد الشرع..
إن الذي لا يقرأ التاريخ لا يفهم الحاضر وأبلغ كتب التاريخ هي تلك المذكرات التي يسجلها قادة حكموا العالم وتركوا بصماتهم على مصير البشرية خيرا أو شرا. ولعل بعض نكباتنا نحن العرب ـ قادة ونخبة ـ أننا لا نقرأ، وإذا قرأنا فإننا لا نعتبر، كما قال أحد أعدائنا..
من أحداث 2024 التي تهمنا من قريب السقوط السريع لنظام الأسدين الإجرامي في بضع ساعات وفتح صفحة جديدة في سوريا تحمل وجه وملامح قائد ثورتها أحمد الشرع، مع ظهور بوادر الثورة المضادة التي تستعد للانقضاض على سوريا الحرة..
أتذكر ذات يوم من التسعينيات في مقهى باريسي قدم لي صديق نخبة كريمة من الطيارين الليبيين الذين انتدبتهم (شركة فرنسا الجوية) ليكونوا لديها قباطنة طائرات (إيرباس) بعد أن عوقب العقيد القذافي بتجميد شركة طيرانه والصديق قدم لي الإخوة الليبيين بقوله: "أقدم لك مجموعة من الكلاب السائبة...!"..
تتواتر منذ السابع من أكتوبر الماضي شهادات قامات أمينة من بلاد الغرب وأحيانا من إسرائيليين ظلوا مسكونين بهواجس زوال دولتهم وينبهون مواطنيهم إلى مخاطر التطرف اليميني العنصري الذي لا يستغني عنه نتنياهو حتى يستمر عهد حكمه وهو واثق أنه مهدد بقضايا عدالة "بلاده" لو غادر السلطة!
أمام هذه المخاطر التي نبه إليها وسطاء السلام أستعيد من أرشيف ذاكرتي مواقف ثلاث قامات من صلب الغرب، صنعوا جزءا من تاريخ الغرب الحديث بمشاركتهم في إنجاح مسار الحوار بين الإسلام والغرب الذي انطلق من دولة قطر في مؤتمرات سنوية عديدة وظلوا صامدين..
لا بد للأمريكيين أن يعيدوا توازن الفهم لما يمكن تعلمه من تاريخ دام قرنين من الزمان خاضت فيهما الولايات المتحدة حملات عسكرية غير تقليدية في الخارج وعليهم أيضا التعامل مع عواقبها داخل أمريكا نفسها خاصة في ظل الحرب الهمجية الوحشية الإسرائيلية على قطاع غزة وفي ظل دعم غربي أطلسي..
مع إقدام الرئيس ماكرون على حل برلمان بلاده وطغيان اليمين العنصري المتطرف في البرلمان الأوروبي الأحد الماضي مع استقالة وزيرين من حكومة ناتنياهو وفرض حماس نفسها كشريك في تحديد حل الأزمة، يدشن العالم منعرجا جديدا غير مسبوق على خلفية حربي غزة وأوكرانيا وهما حربان قد لا يفهم الناس مدى ارتباطهما ببعضهما وتأثيرهما الحاسم على ما يسمى "النظام العالمي الراهن".